الخليل العتيقة.. هواجس الخوف تزداد بعد إفراغ المدينة من شهودها الدوليين

مهند حامد
حجم الخط
0

الخليل- “القدس العربي”: في أحياء مدينة الخليل العتيقة، جنوب الضفة الغربية، ثمة قصص عيش لا يمكن لأحد أن يتحمل فصول معاناتها، فمئات العائلات تعيش رهن الأشغال الشاقة منذ أكثر من 25 عاما بفعل إغلاقات الاحتلال واعتداءات المستوطنيين. بيد أن مشاعر الخوف والقلق في نفوس سكانها ارتفعت عقب طرد إسرائيل بعثة التواجد الدولي من المدينة. وهناك هواجس متزايدة بأن يعيد مستوطن ارتكاب مجزة جديدة.

وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أبلغت رسميا البعثة الدولية في الخليل “تيف” بانتهاء مهمتها، وطالبتها بمُغادرة المدينة نهاية الشهر الماضي. ويأتي هذا القرار رضوخًا لمطالب المستوطنين.

وأنشئت هذه البعثة عقب ارتكاب مستوطن مجزرة داخل الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1994، وكانت مهمتها الأساسيّة تقوم على المراقبة وكتابة التقارير عن الوضع في الخليل في المناطق الخاضعة لعمل البعثة في المدينة.

طرد البعثة يمهد للمس بحياة المواطنين

يقول نائب محافظ الخليل، خالد دودين، في حديث مع “القدس العربي” إن إسرائيل بطردها البعثة، أنهت بشكل أحادي اتفاقيات الخليل المعروفة بـ “H2 “، وتمهد للمس بحياة السكان في ظل غياب طرف محايد يوثق الجرائم التي ترتكب بشكل يومي بحق أهالي الخليل. وأوضح: “لدينا مخاوف حقيقية عقب منع البعثة من استكمال مهامها باحتمالية تزايد عنف المستوطنين ضد السكان الذين يعيشون في مناطق مستهدفة، لذلك ندعو الدولة المشاركة بالبعثه إلى رفض هذه الخطوة الإسرائيلية والعودة لحماية السكان”.

وتشارك البعثة التقارير مع السلطة الفلسطينية وسلطة الاحتلال بما يتصل بالتقارير وكذلك مع الدول الست المشاركة، وهي: الدنمارك، وإيطاليا، والنرويج، والسويد، وسويسرا، وتركيا. وكانت القوة تنظم جولات يومية في المناطق الساخنة، مثل: البلدة القديمة، وتل الرميدة، وطارق بن زياد، وجبل جوهر، من أجل الملاحظة ومراقبة الوضع في المدينة.

إسرائيل تستهدف منع جميع الموثقين بالخليل

ويقول الناشط في منظمة “بيتسليم” الحقوقية الإسرائيلية، رائد أبورميلة، الذي يوثق الانتهاكات في البلدة القديمة، في حديث مع “القدس العربي”: “إن الحياة باتت أكثر صعوبة في الخليل القديمة، تتحول إلى مهمة أصعب في ظل تزايد الاعتداءات وانفلات المستوطنين”. ويضيف : “اليوم بعد طرد بعثة التواجد الدولي القلق ينتاب الجميع بأن هناك شيء ما يحضر للسكان، شيء قد يكون مروعا في ظل غياب ما يردع المستوطنين والجنود عن ارتكاب جريمة أو مجزرة لإخلاء الخليل القديمة”.

وأوضح أن البعثة التي طردت بزعم أنها غير محايدة، كانت توثق كل شيء من الجانبين، وما تدعيه إسرائيل غير صحيح، لكن هناك قرار إسرائيلي بمنع تواجد المراقبين وموثقين حقوق الإنسان أيضا. يبدو أنها سياسة جديدة حيث منعنا من توثيق الاعتداءات بساحات المسجد الحرم الإبراهيمي قبل يومين، واعتدي على زملاء لنا، وطلب منا عدم التصوير مرة أخرى تحت طائلة المسؤولية.

وقال أبو رميلة: “إن بعثة التواجد الدولي غادرت، وبقي نحو 6 أفراد للقيام بأعمال الترحيل. ولفت إلى أن البعثة كانت تقدم مشاريع صغيرة للعائلات ومؤسسات البلدة القديمة حيث ساعدت على صمودها، من تقديم وجبات طعام للأسر المحتاجة، وتركيب حماية للنوافذ المنازل التي تتعرض لهجمات من قبل المستوطنيين، ودعم مؤسسات تعليمية، وترميم مدارس، ودعم المحال التجارية.

حياة صعبة

يقول الناشط عماد أبو شمسية، وهو أحد النشطاء الذين يقطنون برفقة عشرات العائلات في منطقة تل الرميدة وسط الخليل القديمة المغلق منذ عام 1994، في حديث مع “القدس العربي” إن مظاهر العنف والاضطهاد تزداد ضد الفلسطينيين في الخليل بشكل غير مسبوق مع منع غير السكان الدخول إلى الحي، واغلاق البوابات، وتصاعد هجمات المستوطنين ضد الأهالي والأطفال، إضافة إلى القتل بمجرد الاشتباه. ويشير أبو شمسية الذي يعيش في منزل يجاوره مستوطنيين متطرفين، بنيما يقيم الجيش نقطة عكسرية على عتبة منزله، إلى أن “الحياة لم تعد تطاق في الأحياء المغلقة، حيث التنقل والوصول إلى منازلنا أمر صعب. ويحظر علينا استخدام السيارات بالمنطقة وفي أحياء أخرى مشابهة، بينما يسمح للمستوطنين”.
وتابع، ترتفع وتيرة الخوف كل يوم اكثر في نفوس المواطنين، مع توحش المستوطنين وانفلات الجيش، وقيامه باعدام اكثر من شاب بالحي.

ويقطن الخليل القديمة نحو 200 ألف مواطن، بينما استوطن نحو 850 مستوطنا قلبها وبجوار الحرم الإبراهيمي الشريف، حول الحياة داخلها إلى معاناة لا تطاق.

ويخشى أبو شمسية على أطفاله بالخروج إلى حديقة المنزل، كما تعيش جميع العائلات نفس المخاوف بالمنطقة، مشيرا إلى انه وضع تدابير حماية على نوافذ المنزل وساحته لتفادي تساقط حجارة المستوطنين على رؤسهم، عقب أكثر من هجوم تعرض له منزله خلال الفترة الماضية.

الزيارات ممنوعة

يقول أبو شمسية ان زيارة عشرات العائلات في حي تل الرميدة يتطلب تنسيق مسبق، وتقديم طلب إلى سلطات الاحتلال بموعد الزيارة وقت الدخول والخروج، والوجهة، ولا يسمح لأحد الدخول دون ذلك، لافتا إلى أن أهالي الحي يتنقلون عبر أرقام سلمت لهم، وفي حال عدم وجود الرقم لا يسمح بالدخول. ويرى أبو الشمسية الذي كان له دور بارز في توثيق انتهاكات إسرائيلية وإعدامات ميداينة أثارت ضجة عالمية، إلى إن المخاوف تزداد في قلوب المواطنين عقب طرد بعثة المراقبين الدولين، حيث لا رقيب ولا شاهد على اعتداءات المستوطنين وجنودهم، لذلك فإن مسالة وقوع مجزرة جديدة ستكون مسألة وقت مع كل هذا التوحش الذي تعيشه المدينة اليوم.

“مسموح فقط للمستوطنيين”

وفي الحي ذاته، تعيش الطالبة الجامعية المقعدة، خلود دعيس، ظروفا قاسية بسبب صعوبة تنقلها على كرسيها المتحرك، تقول إن “العيش هنا والتنقل للإنسان الطبيعي أمر معقد وبغاية الصعوبة، فكيف لفتاة تتنقل على كرسي كهربائي؟! تحاول يوميا الدخول والخروج إلى الجامعة عبر بوابات الحاجز، البوابات لا تفتح دائما، وعليك أن تنتظر في بعض الأحيان وقت طويلا في ظروف صعبة. إنه بالتاكيد أمر موجع وشاق”.

وتشير دعيس إلى إن شقيقها يقوم بتوصيلها إلى الحاجز الذي يفصل الحي عن بقية أحياء المدينة، ويساعدها بالخروج، فلا يمكنهم استخدام السيارة بسبب عنصرية الاحتلال.

أم يوسف الرجبي.. قصة تحد وسط المستوطنيين

وفي حي مجاور، تعيش السيدة أم يوسف الرجبي، قصة تحد أخرى للموت الذي بات يطاردها مع نجلها كلما لامست أقدامهما عتبة المنزل المحاصر ببؤر استطيانية وحاجز عسكري يغلق مدخل البيت، ويمنع الأصدقاء من زيارتها.

ما زالت تعيش أم يوسف- الأم البكماء- مع ابنها يوسف (13 عاما) داخل عمارة الأوقاف، في البلدة القديمة داخل مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وهي عمارة مكونة من ستة شقق محاصرة بالمستوطنين ومقام على مدخلها حاجز عسكري.

كانت العمارة تضم قبل بضع سنوات ستة عائلات، غير أن قاطنيها لم يستطيعوا تحمل كابوس لا ينتهي من المعاناة مع المستوطنيين، والاعتداء بالضرب، والتفتيش المذل، والمنع من الدخول والخروج من المنزل، والاعتقال بمجرد أن تضع أقدامهم على عتبة المنزل، فغادروا المكان وبقيت أم يوسف وحيدة تتحدى الاحتلال بلغة الإشارة.

تعيش المرأة الأربعينية على هذه الحال منذ 15 عاما، بعد أن أقام مستوطنيين على بعد أمتار قليلة الموقع الاستيطاني الإسرائيلي المسمى “أبراهام أبينو”، فيما أقامت قوات الاحتلال حاجزا عسكريا على مدخل البناية بذريعة حماية المستوطنين، ولا تسمح بدخول الغرباء أو الأصدقاء، بيد أنه سمح لنحو 20 شخصا من الأقرباء من الدرجة الأولى بالدخول عقب حصولهم على تصريح خاص من سلطات الاحتلال.

تقول الناشطة وصديقة العائلة زليخة المحتسب، في حديث مع “القدس العربي” إن الأم البكماء التي باتت تلتقي بها في الشارع عقب منع دخولها إلى المنزل قبل بضع سنوات، تعيش اليوم أكثر عزلة، وأكثر وجعا بعد أن حاول المستوطنين الاعتداء على نجلها يوسف بالرغم أنه من ذوي الإعاقة، فقد ولد بيد واحدة وتشوهات في رجله، إضافة إلى قيام الجنود المتمترسين أمام عتبة منزلهم قبل أسبوعين بالاعتداء عليه بالضرب المبرح، مشيرة إلى أنها قامت بنقله إلى المستشفى، وتبين أنه أصيب برضوض بسيطة.

وتضيف المحتسب، عزلتها أمست أكثر وجعا بعد خلو المبنى والمباني المجاورة من الجيران إثر تعرضهم لانتهاكات فوق طاقتهم على التحمل من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال، إضافة لمنع الجنود الزوار من الدخول إليها، حتى في كثير من الأحيان تمنع والدها وأشقاءها من زيارتها بالرغم أن لديهم تصريحا خاصا للدخول إلى المبنى.

وباتت أم يوسف تلتقي بالأصدقاء والأقارب في الشارع، يتبادلون إشارات سريعة، لتعود بانتظار الجنود السماح لها بالدخول، وفي مرات يصعب عليها إقناع الجنود وتبقى تنتظر طويلا في ظروف صعبة حتى يسمح لها بالدخول إلى منزلها.

تقول الناشطة زليخة إن الحياة في الخليل العتيقة أشبه بالعيش داخل سجن، لا وقت للزيارات، ولا موعد محدد للدخول أو الخروج. الجنود والمستوطنون يتناوبون على إذلال السكان، تارة بالضرب، ومرة برمي القمامة على المنازل، حيث لا أحد بات يؤمن الوصول إلى منزله، ولا شاهد بعد اليوم على تلك الجرائم. نخشى على ام يوسف من الترحيل ومثلها الكثير من العائلات. وتضيف “التضييقات هنا هدفها واحد وهو إخلاء السكان وتوطين المستوطنيين، لذلك نحن هنا صامدون”.

الخليل تترقب الأسوأ

ولا تقل الحياة صعوبة بجوار الحرم الإبراهيمي الشريف، حيث مظاهر الفصل والمنع والاعتداءات تتكرر كل يوم، ويحرص المستوطنون والجنود على تنغيص حياة المواطنين بغية دفعهم لترك المنطقة.

ويقول منسق تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان في البلدة القديمة، بديع دويك، في حديث مع “القدس العربي” إن وحشية الهجمات ارتفعت في أحياء المدينة القديمة بغية تفريغها خاصة في المناطق المجاورة للحرم الإبراهيمي. وأضاف “الجميع هنا يعرف أن خطوة طرد المراقبيين الدوليين تمهد لارتكاب جريمة وشيكة لا تريد إسرائيل شواهد عليها، خاصة ضد العائلات التي بقية صامدة بجوار الحرم الإبراهيمي وبين البؤر الاستيطانية لطردهم”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية