مرت عشرون سنة منذ المذبحة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين في مغارة الماكفيلا (الحرم الابراهيمي)، ويبدو ان الامر الوحيد الذي يذكر بالبوريم اياه (عيد المساخر) في العام 1994 هو الاستحكامات التي تحيط بالمغارة والجنود الغافين الذين يشغلونها. فالمدينة التي عصفت في الماضي وكانت بؤرة لا تنتهي لاحداث عنف بين المستوطنين الفلسطينيين وقوات الامن دخلت على مدى السنين في حالة سبات بعد الغليان الذي سبق المذبحة وجاء بعدها. في السنوات التي مرت منذ المذبحة نشأ فصل شبه مطلق بين العرب واليهود في المدينة، حيث حظرت في المناطق اليهودية حركة الفلسطينيين باستثناء اولئك الذين يسكنون او يعملون في المنطقة، وحركة السيارات حظرت تماما. واتسعت الحاضرة اليهودية بشكل طفيف، من 400 نسمة في زمن الجريمة ازداد العدد الى 500، اضافة الى 300 تلميذ مدرسة ‘شافيه حبرون’ العاملة في المدينة. واغلقت محلات العرب على الطريق الرئيس للمدينة لاعتبارات أمنية. مستوطنو الخليل اليهود هم أيضا ممن كانوا معروفين ككفاحيين للغاية، يفضلون التركيز على تسيير جولات للسياسيين والمجموعات التي تصل الى المكان. اما المواجهات مع جيرانهم، التي كانت مشهدا متكررا في الماضي، فقد أصبحت مشهدا نادرا. أحداث العنف بين اليهود والفلسطينيين أصبحت احداثاً نادرة في أعقاب الفصل بين السكان، ولكن اضطرابات خرق النظام بين الجيش الاسرائيلي، حرس الحدود والفلسطينيين تجري بشكل متواتر، ولا سيما في ساحة الشرطي المجاورة للحاضرة اليهودية. وفي داخلها ايضا اجتازت الحاضرة اليهودية في الخليل في السنوات الاخيرة تحولا أسفر عن غير قليل من المواجهات بين المحافل المعتدلة والاكثر صقرية في المدينة. وفضلا عن المذبحة أثرت على السكان ايضا الاحداث القاسية التي رافقت الانتفاضة الثانية، ولا سيما الاخلاء العنيف للبيت البني في العام 2008. المؤشر الاكثر وضوحا لطمس المذبحة مع مرور السنين يمكن أن نجده في نطاق قبر غولدشتاين. ففي الماضي كان القبر مركز حجيج لنشطاء اليمين المتطرف الذين ايدوا أفعال غولدشتاين والمحطة الاولى لكل جولة تصل الى المكان من حركات اليسار. ومع ذلك، مؤخرا من يأتي اكثر من كل الاخرين الى المكان هم الفتيان الذين يستغلون الحديقة التي يوجد فيها القبر لقضاء أوقاتهم في الليالي والتي تتضمن ضمن امور اخرى احتساء الخمر. وقد دفعت الظاهرة مجلس كريات أربع الى أن يبني مؤخرا سورا بين القبر وبين الحديقة في محاولة لمنع الفتيان من الوصول الى المكان. وقال رئيس مجلس كريات اربع ملاخي لفنغر بالنسبة لبناء السور: ‘اسم حديقة غولدشتاين أصبح اشكاليا جدا في كريات أربع، ليس بسبب سياق اليمين واليسار بل بسبب الظواهر التي تحصل بجانب القبر’. ‘في السنوات الماضية تغير كل الخطاب العام في يهودا والسامرة فإما اعتدل أو نضج’، يقول اوري كرزان، مدير عام الحاضرة اليهودية في الخليل، الذي يعترف بانه لا تزال توجد جهات متطرفة في الحاضرة ولكنها قليلة، وسياسة المستوطنين في المكان تغيرت. ‘هناك أشخاص لا يزالون يتبنون الاعتداء الدائم على العرب، ولكن هذا الامر يعتبر فوضويا. أعرف ايضا فكرة محاولة خلق الردع ولكننا لا نريد فكرة الردع، قررنا باننا نريد ان نجلب الناس الى هنا، ومن أجل هذا فان عليهم أن يتضامنوا معنا’. كما يتناول كرزان الاثار المباشرة للمذبحة فيقول: ‘بعد أن حصل هذا انقلبت الحياة هنا واجتزنا صدمة ولكن ليس مؤكدا على الاطلاق بان هذا كان بسبب الحدث بل بقدر اكبر بسبب حرب اوسلو، وفي منظور العشرين سنة لا أدري اذا كنت سأقول كم حقا أثر هذا الحدث وما هي آثاره على الحياة’. نوعم ارنون هو الاخر، المتحدث باسم الحاضرة وأحد الشخصيات الاكثر تماثلا مع يهود الخليل، يدعي بانه ‘رغم أن الحدث كان تأسيسيا، صادما وشاذا’، فان ما تسبب بالتغيير الاكبر في نسيج الحياة في المدينة هو بالذات الانتفاضة الثانية. وبزعمه، فان ‘خط فيض الماء الذي ثبت تقسيم المدينة لم يكن غولدشتاين’. وعلى حد قول أرنون، فانه ‘لولا الجهات الخارجية والداخلية لكنا نسينا هذا الحدث منذ زمن بعيد’. ومع ذلك، كرزان وارنون على حد سواء يتفقان على أن الوضع الذي سيكرر نفسه حدث خطير بهذا القدر، يمكن أن يحصل مرة اخرى اذا ما ‘كان ضغط أمني شديد ويسفك مرة اخرى دم كثير’.