إن التحول من الشعر إلى الرواية لم يكن محض صدفة أو مجرد نزوة إبداعية برزت لدى الكاتب والإعلامي السوري إبراهيم الجبين، إنه نابع من وعي ثقافي وأدبي بأهمية الكتابة الروائية، من خلال إدماج تقنيات وأساليب جمالية متعددة، والتي تأخذ اللغة الروائية نحو السرد والوصف والتأريخ والتوثيق، وهو ما يعيدنا في لحظات كثيرة إلى لغة التلفزيون، لاسيما البرامج الوثائقية والحوارية الجادة. كل هذا ليقول دمشق، بل لنسمع صوتها وهمهماتها، من خلال السرد، والاتكاء على المعلومات والمراجع والمصادر والأساطير والمشاهدات واللغة. ولكن أي لغة، هل هي لغة المنفي، المطارد، الشريد، الذي سدت به السبل، أم لغة من يريد أن يقول ويقول، أن يطرق باب قراءاته، باب معارفه، باب مدن الغربة، بيروت، عمان، دبي، الأندلس، وصولا إلى ميونيخ في ألمانيا التي يعيش فيها الآن. هذا ما تفتحه رواية «الخميادو»، جديد إبراهيم الجبين والتي جاءت بعد «يوميات يهودي في دمشق» و«عين الشرق».
الأنا والمنفى
«كل المدن لم تستطع أن تكون بديلاً عن دمشق»، هو ما يؤكده دائما ابراهيم الجبين، لهذا ليس غريبا أن تأتي هذه الرواية ترجمة للمنفى، والحلم معا، فـ»المنفى هو الحياة خارج النظام المألوف»، كما قال المفكر إدوار سعيد، من هنا تحضر دمشق، وتوأمها الأندلس.
يشكل ابراهيم الشخصية المركزية في الرواية، الراوي الذي اتخذ من الأنا مرجعا للكتابة، يقول في فصل حافة العالم: «ما هي المسافة التي تفصل بين المؤرخ والروائي؟ قلت لمالك، لا توجد مسافة ربما هي مسافة اللغة فقط».
تبدأ الرواية من بناء موحش، مكان شهد حربا عالمية في ميونخ، في إشارة حقيقية للمنفى والتيه، والحرب التي تشهدها سوريا، البطل مهندس معماري يصنع مجسمات، ليعيد البيوت إلى حالتها بعد دمارها، شخصيات متعددة تتمحور حولها الرواية، البروفيسور دورينغ، وآن ريسينيه وهشام الرفاعي، وتحضر أسماء نعرفها المهندس عماد الأرمشي، والبروفيسور سلامة كيلة والمغني سميح شقير وعبد الباسط الساروت، والمهندس العالم باسل الصفدي الذي تمّ إعدامه في سجون الأسد.
أعطى الكاتب لنفسه مساحة ليقترب من التاريخ في سياق سردي تميز به في السنوات الأخيرة، والذي يجمع بين التأريخ القصدي والتاريخ الافتراضي الذي تصنع منه الرواية مسارها ومخيالها الواسع، فهل أراد أن يقول بان دمشق بوابة التاريخ، لكننا اضعنا المفاتيح؟ هل أراد أن يذهب إلى المستقبل، ورغم هذا عاد إلى مصادر تاريخية، إلى حواشٍ وأساطير وشعوب، ليقول بان اسم سوريا موجود منذ مهد التاريخ؟ عاد إلى الرومان، وتوقف عند معبد جوبيتر الروماني الذي هو الجامع الأموي في دمشق اليوم، وهل أراد أن يقول دمشق، قبل أن يمحو الحاضر والحرب والصراعات كل هذا العمران الجمال؟
يقول في فصل أنا مورفيوس: «كلُّ شيء يعود إلى دمشق، أي مفاتيح تفتح هذه الأقفال». ومابين الأندلس ودمشق، ثورة مستقبل تشبه الطلاسم، ثمة رسائل «فلنطلسم ثقافتنا، في لغة جديدة». ويستوقفنا في سياق السرد، على لسان أحد أبطال الرواية، البروفيسور دورينغ وهو يقول: «الميراث هو الهوية»، وهو ما يدفعنا للسؤال: هل الهوية عمران أم لغة، وأي لغة، هل هي اللغة العربية، أم لغة الطلاسم التي هربنا إليها من جور الخوف؟
يأخذنا مسرح النص في دمشق، نحو «عين الشرق»، من خلال شخصية ألويس برونر، حيث التركيز على النازية، كل هذا إشارة إلى هندسة الخراب التي رُسمت لدمشق، مع تسليط الضوء على الكثير من المعلومات والتفاصيل، والدمار الذي طال سوريا بأكملها. ويضعنا في «الخميادو» أمام طرق أشبه بالمتاهة، نطوف في الجزيرة السورية بجماليات فراتها وتركيبتها السكانية، ثم تحضر دمشق والبزورية، القيميرية، المدرج الروماني، الذي يطلق عليه الراوي اسم «كولسيوم دمشق»، وتحضر درعا، فنكون أمام عنف التاريخ المتجذر، والذي يكرّس لغة الخوف.
ركز الجبين في «الخيميادو» على مسارين، المستقبل كما قال، والحاضر الذي نعيشه ونشهد تداعياته، مشكلات الهوية، ومعضلات الذاكرة في جانبها الأكثر تعقيدا: التاريخ، العمران والهندسة، وبقيت اللغة العلامة الأكبر التي بدأت تتحوّل إلى همهمات ورموز وإشارات، فمن يسمع صوت الأرض، وهل للجدران آذان كما كنا نسمع من أهلنا، أم أن أمراض الاستبداد تسري في الهواء على شكل خوف؟
ونسأل لماذا الخيميادو، وهل نبقى في مملكة الصمت، بعد أن صرخ السوري صرخته التي حوّلت المدن إلى أعراس، وهل نقف عند سؤال إشكالي طرحه الجبين، حول الثورة بين وجهها المدني، ووجهها الريفي، وهل أراد من طرح السؤال، أن يقول بأن ترييف الثورة يعني أخذها إلى لون السواد؟
يضعنا الجبين أمام مشهد سوريالي، يشبه مشهد المدن بعد صراع وحروب وزلالزل وبراكين، «أنت لا تقرأ هذه الرواية، بل ما تبقى منها بعد هدمها»، هذا المجاز الشعري، للرواية التي تقف مقابل مدن مهدومة لتكتبها من جديد، ولكن كيف نكتب تراجيديا تتكرر إلى ما لانهاية، هي تراجيديا الاقتلاع، وهنا يستوقفنا عنوان العمل الذي وظف بطريقة ذكية وكأن دمشق هي أندلس، أو كأن الناس حرموا حتى من التعبير عن هويتهم… لهذا استعار بمخيال عالٍ اسم «الخميادو»، نحن المصابون بوجع اللغة، لغة الموريسكيين التي شكّلت سرهم وجسرهم نحو هويتهم المقهورة وتاريخهم، و تدوين نصوصهم، النص القرآني وبعض الأحاديث النبوية، والآشعار، والأدب.
فما الذي أراده الجبين من المقايسة مع دمشق، دمشق اليوم، ودمشق المستقبل، وهل بات السوري يتكئ على لغة ثالثة، لغة المرموزات، ليحتفظ بهويته وإرثه الثقافي، ولماذا برزت في «جدار الصمت» لغة الهمهمات والإشارات؟
يستحضر الجبين الأندلس ليقول دمشق، من خلال العمران الحضاري المعماري، والتي تشكل بطلا حقيقيا داخل النص، مسرحا، وحكايات، وشاهدا على التحولات، ويشكل بردى النهر المتجدد، والذي يمسك خيط المستقبل أبدا، وكأنه نهر هيرقليطس العظيم. تحضر دمشق كبعد أسطوري، وميثولوجي، وعلمي، وواقعي، وكأنها مدينة عاد: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ».
لماذا العودة إلى دمشق، وهل حقا استطاع أن يكتب للمستقبل؟ السؤال لا يعني الوصول إلى جواب، ولكن يعني أكثر قراءة كيفية تناول الحدث الروائي، الشخصيات الأمكنة، والتي تناغمت بين الواقعي والتخييل، ومن خلال لغة السرد، وتنوع المرجعيات والمصادر التي استشهد بها، والأسماء التي أوردها، والتي شكّلت موقفا حقيقيا من ثورة 2011.
يلجأ الجبين إلى البعد التوثيقي، لرصد خراب دمشق، يستشهد بنص اكتشفه الباحث البريطاني جورج سميث يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد دونه الملك الآشوري شلمنصر الثالث، إذ هاجم تجلات بلصر المدينة وقطع أشجار الغوطة، وبعد أن هجّر أهلها، كان يحرق كل شيء تقع عليه عيناه فيها. ويعود إلى سفر أشعيا، ثم ينتقل إلى ربيع دمشق والمظاهرات، كل هذا مناسبة ليذكر حواره مع الكاتبة الأمريكية ليزا ودين: «زارتني في بيتي في الطابق الخامس بالبرامكة، لتسأل عما يحصل في سوريا، بدت أقل تفاؤلا منا جميعا».
فهل يرسم الجبين خيط الهزيمة واليأس لاسيما حين يستشهد، بالشاعر بدوي الجبل «نحن موتى وشرّ ما صنع الطغيان موتى على الدروب تسير»، وعلى طرف آخر يمسك الجمجمة في لوحة هوالباين، هنا يصبح الفن التشكيلي لغة إشارة للمستقبل، حضور خالد الساعي الفنان التشكيلي وحديثهما عن الفن، لاسيما لوحة أزهار هليوغا باغوس قصة إمبراطور روما والذي تعود أصوله إلى حمص أميسا، لوحة «برج بابل» لبيتر بروغل عن تطاول الناس على الإله بعد الطوفان، والحديث عن الوردة الدمشقية، كإشارة للغة العطر والجمال، ثم يعود إلى الجمجمة: «إني أرى هذه الجمجمة في نومي كل ليلة تتطاول وتتقلص، كأنها تخص أحدا أعرفه».
حائط الصمت
في الرواية ثمة إشارة إلى أن الثورة هي ثورة على اللغة: «نحن الذين لسنا فرسان الإيمان، مثل ابراهيم، ولا الإنسان الأعلى الذي يتحدث عنه نيتشه، لا يتبقى لنا إلا مراوغة اللغة وخيانتها. هذه الخيانة الملائمة، وهذا التلافي والهروب، هذه الخديعة العجيبة التي تسمح بإدراك اللغة خارج سلطتها، في عظمة ثورة دائمة للغة، هذا هو ما أطلق عليه أدبا».
ويرد في الرواية، اسم الباحث السوري عماد الأرمشي، الذي دفعه شغفه وخوفه على دمشق إلى توثيق ورسم العمران، «فتوافر لديه مخزون كبير من الأرشيف المهم والنادر حول كل ما يتعلق بالمساجد القديمة والمدارس والتكايا والأضرحة والخانات في دمشق»، فمن يعرف دمشق يدرك تماما معنى أن يكون تحتها حضارات متعاقبة. وهذا رأيناه بأعيننا إلى جانب قلعة دمشق، وباب شرقي وباب كيسان، عندما بدأت حملة الآثاريين في الحفر فوجدوا تحت هذه المدينة آثارا ومعابدَ، وجرار ذهب، وفي الرواية تأكيد على هذا. يقول البطل: «هناك أسطورة دمشقية تقول إن تحت المدينة سبع مدن تشير إلى حضارات متعاقبة، إنها ليست أسطورة، إنها حقيقة علمية مئة بالمئة رد الأرمشي»، ثم يأتي إلى الزمن الحاضر ويحكي عن الانفجار الكبير في سوريا، وكأنه هيروشيما.
تتداخل الأزمنة، وتتوه، الماضي البعيد، الحاضر، والمستقبل معا، كل فصل في الرواية يدفعنا للسؤال: هل اخترع السوري لغة جديدة، كما فعل الأندلسيون، أم نسير على طريق الضياع، أم أن دمشق تغلق يدها على سرها، وتحمل مفاتيحها، كما قال الرواي في العمل، والذي شبهه البروفيسور دورينغ، هو ورفاقه بالإنتحاريين، مستعيرا هذا من الكاتب الياباني يوكيو ميشيما. كل هذا يضعنا أمام رواية أشبه بفيلم وثائقي، يأخذ من الرواي مشاهداته، قراءاته، موقفه، وكأنه «يخبئ مدينة بأكملها في حجر كريم».
«لم تعد اللغة ضرورية بينهم، طوروا لغة تواصل تشبه لغة الصم والبكم، إشارات، لكن الكتب القديمة التي أراها على رفوف مرتبة بعناية تقول انهم يستخدمون لغتنا، من هؤلاء؟». وقراءة الرواية، تضعنا أمام اللغة كمفتاح من مفاتيح الأرض، والإنسان، اللغة التي نهاجر منها إلى لغات أخرى، والتي نتحايل عليها بلغة الهمهمات، ولغة الخميادو، ولغات الأرض.
إبراهيم الجبين: «الخميادو»
دار Farabikitap، إسطنبول 2022
224 صفحة.