الخنادق والحواجز والاسلاك الشائكة

حجم الخط
0

الخنادق والحواجز والاسلاك الشائكة

صباح علي الشاهرالخنادق والحواجز والاسلاك الشائكة عندما رسم مخططو سايكس ـ بيكو حدود اقطار الوطن العربي، كانت هذه الخطوط بمعظمها وهمية وواهية. لقد رسموا علي الورق خطوطاًً، حيثما اتفق، وحسب اهواء ومصالح من رسم وخطط. كانت خطوطاً افتراضيّة، ثم حولوها الي واقع علي الارض. ركزوا علامة هنا، وعلامة هناك، ثم لم يفعلوا شيئاً آخر، تُركت الارض كما هي، ما خلا برميل هنا، او وتد هناك، وكومة من الحصي في مكان آخر. لم يشيدوا اسواراً، ولا حفروا خنادق، ولا حواجز، ولا اسلاك شائكة .. كل الذي عملوه بعد ان خططوا علي الورق، انهم اقاموا مناطق للعبور الشرعي (المعابر) اسموها مناطق الكمارك، وظلت حيوانات الفلا رغم هذه المعابر تسرح وتمرح غير عابئة بالحدود. تنتقل لوحدها، ام مع حاديها بين هذه الارض وتلك، غير معنيّة بشيء.لم تسجل مناطق الحدود هذه اي نشاط غير عادي، طيلة عشرات السنين، باستثناء نشاط شرطة الكمارك التي كانت تتعقب المهربين، وتنصب الافخاخ لهم. كانت الارض العربيّة غير قابلة للقسمة، لكنهم قسموها، واجبروا حكامنا الذين تعاقبوا علي التحكم بنا، علي تكريس هذه الخطوط الوهمية، واضفاء القداسة عليها.. من هو داخل هذه الحدود منا، ومن هو خارج هذه الحدود ليس منا. لهم شرطتهم وكماركهم وعلمهم وارضهم وناسهم وعملتهم، وحكومتهم وقوانينهم، فان انتقلت اليهم فانت ضيف عليهم، ولنا شرطتنا وكماركنا وعلمنا وارضنا وناسنا وعملتنا، وحكومتنا وقوانيننا، فان انتقلوا الينا فهم ضيوف علينا، شأنهم في ذلك شان غيرهم من عباد الله طرا .. في البدء كنا نستعمل مفردة اشقاء، وسرعان ما تناسيناها، اصبح الجميع اجانب في ديارنا، واصبحنا اجانب في ديار العرب .. فاي فعل عجيب فعلته بنا هذه الخطوط الوهميَّة، التي كانت قبل اقل من قرن من الزمن، مجرد خطوط علي ورق.. لقد قيّض لي، ربما بحكم الصدفة، ان امر علي اغلبيّة هذه المعابر، الشرعيّة منها وغير الشرعيّة، سائحاً ام هاربا. ورايت كيف تحركت هذه المعابر مع الوقت، وتغيّرت الاحوال. هذه الحدود مُتغيّرة، تنبعج تارة، وتتقعّر تارة اخري. لاحظت هذا عندما كانت المطلاع هي نقطة العبور والكمارك بين العراق والكويت، ومررت بنقطة العبور والكمارك عندما اصبحت فيما بعد منطقة صفوان لا المطلاع، ومثل هذا يمكن قوله بالنسبة للحدود العراقية الاردنية، والعراقية الايرانيّة، سواء البرية او النهريّة. لا معلم يؤشر علي انك انتقلت من بلد الي بلد سوي البنايات التي تشبه ثكنات الجند التي غرست علي الحدود. يمكن القول بكثير من الثقة ان الحدود التي تفصل الاقطار العربيّة لا تحد شيئاً. عبثيّة هيّ، وافتراضيّة، وعبثاً تبحث عن مسوّغاتها. اول مرّة سمعنا بانشاء خندق بين بلدين، هي عندما قررت حكومة الكويت حفر خندق علي طول الحدود الفاصلة بين العراق والكويت، ليكون مانعاً وحاجزاً. بدا الامر سخيفاً علي نحو صارخ، فمع تطور تقنيات الهندسة، يبدو من العبث، التفكير بمثل هكذا اجراء، فالخندق، مهما كان لا يمنع الصاروخ ولا الطائرة، ولا المهرب، ولا المقاتل من اجتيازه، وما زلنا حديثي عهد بخط بارليف، المحصن، والمحمي بمانع طبيعي، هو الممر المائي الكبير (قناة السويس)، لكن خط بارليف، وكذلك المانع المائي الطبيعي الكبير، لم يحولا دون اختراق الجندي المصري، لكليهما، والانتقال الي الضفة الاخري، ثم الي ما بعد خط بارليف .. ثم اتحفنا الصهاينة بالجدار العازل، الجدار الصهيوني الذي قسّم بالقسر الارض التاريخيّة لشعب فلسطين، حيث قسموا الناس، وفصلوا الجار عن جاره، والمدينة عن ضواحيها، وقسموا حتي الحقل الواحد، والبستان الواحد، والطريق الواحدة. وما زالت ذكري جدار برلين في الاذهان. ما الذي جعل الكويت تفكر بالخندق، واسرائيل بخط بارليف، والجدار العازل، والمانيا الشرقية بجدار برلين؟ من الارجح ان ثمة شيئا واحدا مؤكدا، كان هو السبب الاساس لمثل هكذا اجراء، هذا السبب هو الخوف، والشعور المتأصل بعدم الامان ، وضعف الحيلة، وما يستتبع هذا من ركون الي العزلة بوهم حماية الذات. هل تمنح هذه الخنادق والعوازل والخطوط المحصنة القوّة لمن هو ضعيف اساساً، وهل تمنع هذه الخنادق والعوازل والخطوط المحصنة من صمم علي اختراقها؟ الشواهد القديمة والحديثة تثبت ان هذه الوسائل لن تحمي ضعيفاً، ولم تمنع الآخرين من دك تحصيناته علي رؤوس المتحصنين بها .. فكم وكم من القلاع تهاوت، وكم من الخطوط اقتحمت ودكت، وكم من الخنادق عُبرت، وكم من الاسوار اخترقت، وبالتالي، فان هذه الوسائل لا تعطي اماناً لخائف، طالما هو خائف، وهي لا تعطي حماية، وانما تمنح المعزول وهماً بالحماية ليس الا. سايكس ـ بيكو الاولي قسمتنا بخطوط وهمية، وحكامنا كرسوا هذه الخطوط. حولوها الي واقع، غير ان هذه الخطوط، ظلت خطوطاً علي الخرائط، ولم تتحول الي موانع طبيعية او انشائية من اي شكل او لون، فلا يوجد بيننا لا جدار ولا خندق، ولا حتي اسلاك شائكة مكهربة.وسايكس ـ بيكو الثانية، تريد اولا تحويل هذه الخطوط علي الخرائط، الي خطوط مُجسمة علي الارض، عبر الابتزاز والضغوط، وقد راينا كيف ان سورية اضطرت لانشاء سد ترابي علي طول الحدود بينها وبين العراق، وكيف ان العربية السعودية تفكر بوضع اسلاك شائكة مكهربة علي طول الحدود بينها وبين العراق، ولربما ستنفذ الكويت فكرة الخندق الذي لا نعرف كيف سيكون، والحبل علي الجرار كما يقول المثل. وسايكس ـ بيكو الثانية اذ تتجلي بنقل الخطوط بين البلدان العربية من البعد الواحد، وهو الخط المستقيم علي ورقة، الي المجسم ذي الابعاد الثلاثة علي الارض، اي علي الواقع، فانها لا تكتفي بهذا فقط، بل انها تسعي لخندقة مدننا العربية، لا اقطارنا العربية فقط. ان ما يجري في العراق الآن هو التجسيد الحقيقي للشرق الاوسط الجديد الذي بشرت به امريكا. فمحافظة كربلاء دعت لحفر خندق يحمي المدينة، والسيد محافظ النجف دعا الي نفس الفكرة، حيث طالب بحفر خندق كبير يحمي النجف، واخيراً طلع علينا السادة حكام بغداد ببدعة الخندق العملاق حول بغداد .. هل فكروا ماذا يعني عمل بائس وغبي كهذا؟ فلنتذكر ان بغداد ذات الملايين الستة والنصف، مدينة تتربع علي اكبر مساحة بين مثيلاتها من العواصم العربية، لا بسبب عدد نفوسها، فهناك من المدن من هي اكثر نفوسا منها كالقاهرة، ولكن لان بغداد علي عكس بقية المدن، مدينة افقية، يفضل الناس فيها ان يعيشوا في بيوت وليس في شقق في عمارات، لذا فقد امتدت بغداد بشكل قلَّ مثيله، وتداخلت مع القري والنواحي والاقضية المحيطة بها، وارتبط المركز بالاطراف بوحدة منافع متبادلة، ونشاط يومي لا يتوقف، وان توقف او تعثر حل الدمار ببغداد والضواحي، والعراق كله .. هل فكر السادة العباقرة، اصحاب هذا المقترح التدميري بما سيجلبه مشروعهم هذا علي الناس، سواء البغداديون او سكنة الضواحي، والمدن والقصبات التي تحيط ببغداد احاطة الاساور بالمعصم؟ الم يكتفوا بانهم سوروا كل المؤسسات والمناطق بجدران الكونكريت المسلح .. عزلوا احياء بغداد بعضها عن بعض، وجعلوا تنقل المواطنين في ارجاء بغداد، ليس صعباً فقط، وانما مستحيلاً احياناً .. لقد عزلوا كل حي عن الحي الآخر، ثم عزلوا الناس في ازقتهم، وصولاً الي سجنهم داخل بيوتهم، وها هم يريدون عزل بغداد عن محيطها .. بغداد رئة العراق كله، قلب العراق كله، كفاكم تدميراً لها، وتمزيقاً لنسيجها الاجتماعي، وتشويها لوجهها الاعذب والاجمل والاحلي. كاتب من العراق يقيم في لندن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية