الخوف الذي يفقدنا العقل

حجم الخط
0

الخوف الذي يفقدنا العقل

د. علي محمد فخروالخوف الذي يفقدنا العقلالمشاهد الثلاثة التالية تعكس الحالة المأساوية العبثية التي وصلت إليها الممارسة السياسية في أرض العرب:أولا: في عاصمة عربية كبري ضمُّنا مجلس حضره عدد صغير من الكتاب والسياسيين. كان الداعي، وهو رئيس حزب ليبرالي معارض، راغباً في أن يطرح علينا سؤالاً يتعلق بنوع العلاقة التي يجب أن تقوم بين حزبه وجماعة الإخوان المسلمين كحركتي معارضة للنظام الحاكم. عندها تباري الحاضرون في إبداء الرأي بين مؤيد لقيام تعاون وبين معارض للاقتراب من أي إسلام سياسي. ولأن غالبية الحضور من الليبراليين انقلبت الجلسة إلي بكائيات ونقد لاذع لكل ممارسات الإخوان المسلمين السياسية. فلما جاء دوري أجبت بطرح سؤال متواضع معاكس. قلت للسائل: ماذا كان وراء تكوين حزبكم في الأصل؟ قال: إيقاف مهزلة التمديد لفترات حكم الحاكم ومنع الإتجاه نحو توريث الحكم للأبناء قلت في هذه الحالة أليس منطقياً أن تركزوا علي هدفكم الأصلي وتضعوا يدكم في يد الإخوان المسلمين من أجل هذا الهدف المشترك وتؤجلوا خلافاتكم الإيديولوجية مع الحركة الإسلامية إلي مابعد تحقيق ذلك الهدف؟ ثانيا: كان إنتصار حركة حماس فرصة تاريخية لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية الفلسطينية علي المجتمع الدولي بعد أن استطاع الحلف الأنكلو أمريكي ـ الصهيوني إدخال العالم في متاهات نقاط فرعية لا تمت بصلة للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وفي الوقت نفسه غطًّي علي الطبيعة الامبريالية النازية للوجود الصهيوني في فلسطين. وبالفعل فقد قامت حماس منذ البداية بأخذ زمام المبادرة وطرح الأسئلة الصعبة علي الجلاًّد ومسانديه قبل أن يجلسها علي كرسي المحاكم الأمريكيون والأوروبيون، نيابة عن الصهاينة، بدلاً من أن تنبري الأنظمة العربية وجوقة الواقعيين الـعرب الجدد ليساندوا حماس في طرح الأسئلة علي الصهاينة وحلفائهم والمطالبة بإجابات واضحة من قبلهم تتزامن مع إجابات حماس علي الأسئلة التي يطرحها عليها المجتمع الدولي، فإنهم أصيبوا بالتلعثم بل وبالإلحاح علي حماس لتتنازل عن ثوابتها ولتنخرط في اللعبة إياها التي أضاعت القضية الفلسطينية برمتها. أما في فلسطين المحتلة فآه من المتساقطين علي طرقات النضال الوعرة تعباً وانتهازية وهم يمارسون ألعاب السياسة الفئوية علي حساب القضية والوطن الذي يتقلًّص ويصغُر منذ السقوط في أوسلو وغيرها من منتجعات مفاوضات العبث ـ المهزلة.ثالثا: يستطيع الإنسان أن يختلف مع إيران في سياستها في العراق أو الخليج، بل وأن يختلف معها في وجهات نظرها الفقهية. لكنها تظل دولة إسلامية لها حقوق الإنتماء إلي أمة وعالم الإسلام. إنها اليوم تتعرض لابتزاز ولضغوط ولمناورات من قبل الحلف الأمريكي ـ الأوروبي ـ الصهيوني في موضوع ملف الطاقة النووية. ومرة أخري بدلاً من أن تطالب الأنظمة العربية دول الغرب بتقديم أجوبة صريحة واضحة عن موقفها تجاه الترسانة النووية الصهيونية الهائلة قبل أي حديث أو موقف بشأن المشاريع النووية الإيرانية المستقبلية، فإنها تكتفي بغمغمة جملة عامة من مثل ضرورة إبقاء منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل. ومرة أخري تضيع فرصة ذهبية في ممارسة التضامن الإسلامي من جهة وفي طرح الموضوع النووي بقوة ووضوح وعناد أمام الرأي العام العالمي كله من جهة أخري. الذي تشير إليه تلك المواقف؟إنها تشير الي العجز عن اختيار الأولويات وتقديمها علي كل ما عداها، والي إضاعة الفرص التاريخية لاستخدامها من أجل إعادة التركيز علي لبٍّ المواضيع القومية والوطنية، وإلي التردد في ممارسة الحدود الدنيا من التضامن الإسلامي. كل ما يفعله ممارسو السياسة العرب مع الأسف هو العيش في خوف ورعب من سطوة المافيا الأصولية ـ الصهيونية في واشنطن أو الخوف من بعضهم البعض، وحينما يدخل الخوف يخرج العقل وتموت الإرادة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية