اسامة عبدالرحيم البشيريتقوم الانظمة الشمولية باتباع اسلوب معروف ومدروس بعناية، وهوتصديرالخوف الى شعوبها بمعنى ايهام الشعوب بأن هناك خطرا محدقا بهم وبحياتهم وأمنهم ومستقبل ابنائهم وقد يكون خطرا سياسيا أوأمنيا أوأقتصاديا أو أجتماعيا، وتتفنن هذه الأنظمة في ارهاب الشعوب وتخويفها مستخدمة كل الوسائل والادوات الممكنة، سواء المادية والاعلامية واللوجستية، مسخرة افضل رجالها وخبرائها، لتصدرالخوف وتنشر الاشاعات المخيفة بين الناس بطريقة منهجية متوحشة، لاضوابط لها ولااخلاق لها وتستند على مفهوم الغاية تبرر الوسيلة، والوسيلة ارهاب الناس وتخويفهم والغاية ان يظل الشعب متمسكا بالحاكم الظالم رغما عنه عملا بقاعدة: عدو اعرفه خير من صديق اجهله.
وهذا مافعله الطاغية المقبور ونظامه، حيث صنع الخوف والرعب فى قلوب الناس على مدى سنين حكمه عن طريق وسائل وادوات يملكها، ويتفنن فى استخدامها ووصلت المرحلة مداها عند اندلاع شرارة ثورة 17فبراير، التى كسرت حاجز الخوف وعكست قواعد اللعبة وقامت بتصدير الخوف الى الحاكم نفسه.
وعمد الطاغية واتباعه واعلامه وحكومته على ارهاب الشعب الليبي الطيب بشتى الطرق وايهامهم أن بقاءهم مرتبط بوجود الطاغية، وان الفوضى ستعم بدونه وأنه صمام الأمان وان ليبيا مصيرها الفناء بدونه واثارفزاعة الحرب الأهلية ووجود العصابات المسلحة والقاعدة واخاف الناس من حدوث اعمال نهب وانتهاك للأعراض وغيره من ترهات واكاذيب، التي للأسف وجدت صدى لدى العديد من أبناء الشعب الليبي ولااعلم هل صدقوه عن جهل او خوف او طمع اوقلة حيلة، او عملابمبدأ ان الشعوب احيانا تصنع جلاديها وطغاتها.
وقد نجح الطاغية فى مسعاه، واثار انقساما حادا بين ابناء الشعب الليبي وخلق فتنة لازلنا نعاني منها وقد هيج الرأى العام وتلاعب بعقول وبمشاعر البسطاء والمغفلين والطامعين وجعل الخوف يتغلغل في النفوس والعقول، الاان الله جعل كيده في نحره وانتصرت الثورة وخسر الطاغية.
وبعد تحريرليبيا عادت الينا مسألة صناعة الخوف، بشكل آخروبسرعة وبطريقة مختلفة ولأسباب غير مفهومة، فقد قام السيد محمود جبريل مع احترامي الشديد له وتقديري لدوره باثارة موضوع لم يخطر على بال احد وفي وقت حرج، فقد صرح بأن الطاغية يجهز لإقامة دولة فى جنوب ليبيا، ومعه آلاف الطوارق والمرتزقة، واحدث هذا التصريح بلبلة واثار الرأي العام واصاب الناس بالاحباط والخوف والتوجس، وتبددت فرحتهم بتحرير العاصمة فالتصريح صادر من أعلى مسؤول في الحكومة، وفجأة اكتشفنا ان الطاغية في سرت وأن الدنيا قاطبة سمعت بنبأ مقتله ورأت جثته، وتنفس الناس الصعداء بعد الخوف من انفصال ليبيا، كما ان في هذا التصريح ظلم وتجن على الطوارق وزرع للفتنة.
ثم خرج الينا السيد محمود جبريل بتصريح آخر، يعد تصديرا للخوف الى الناس وخصوصا أن الأمر يتعلق باهم مورد لهم ومصدر عيشهم ونمائهم، وهو النفط حيث قال ان النفط سينتهي قريبا وان ليبيا استنفذت الكثير من مخزونها، ولاادرى ماجدوى هذا التصريح ولماذا وعلى اى اساس بني، نحن نعلم ان النفط مادة طبيعية قد تنتهي ولكن لن تنتهي فجأة هكذا دون مقدمات كما ان الوقت غبر مناسب لمثل هذا التصريح.
ثم ياتي الينا بتصريح آخر عن احتمال وقوع معركة سياسية شرسة بعد تحرير ليبيا وخاف الناس وتوجسوا وترقبوا، فمعنى كلمة شرسة تحمل تأويلا وتفسيراكبيرا وتدفع للشكوك والحيرة فى ظل، واقع هش غير مستقر، وتنفس الناس الصعداء بإختيار رئيس جديد للحكومة وبعدها تم تشكيل الحكومة ولم تحدث معركة شرسة، ولااعلم سبب هذا التصريح ومادوافعه، ربما يريد ان يتمسك الشعب الليبي به.
وفي هذه الايام يخرج الينا المستشار مصطفى عبد الجليل بتصريح حول وجود اشخاص يعملون مع المجلس يتلقون تعليمات من الساعدي، ويحذر من الطابور الخامس واتباع القذافي كأننا نسمع بهم لأول مرة ولاادري لماذا تصدير الخوف الى الناس ياسيادة المستشار، هل تريدون التغطية على فشل وعجز المجلس الوطني والهاء الناس وتخويفهم بأتباع القذافي الذين نعتقد ان شوكتهم كسرت بمقتل كبيرهم الذى علمهم السحر؟
، واين هم الذين تلقوا تعليمات من الساعدي؟
، نأمل الكشف عن اسمائهم وأدلة ادانتهم، وينتابني شعور غريب بأن المجلس يخوف الناس حتى يتمسكوا به، رغم التقصير الواضح وعلامات الاستفهام المحيطة بمجلسنا الوطني الموقر.
واتذكر أن سيادة المستشار الفاضل، خرج علينا بتصريح غريب وخطير، بعد تحرير طرابلس باحتمال طلب قوات شرطة دولية لحفظ الأمن فى العاصمة، وحذر من الفوضى وقد افسد على الناس فرحتهم بتحرير العاصمة، رغم أن الأمور كانت تسير بشكل سليم ولازالت الى الآن ولله الحمد.
كماخرج علينا احد اعضاء المجلس الانتقالي، على قناة العربية وذكر أن الفوضى قادمة وسنحتاج قوات حفظ سلام وقد وضعت يدي على قلبي وقتها، وقلت ان الله لن يخذلنا وسنتجاوز المرحلة رغم تشاؤم السيد عضو المجلس، وقد سارت الامورعلى مايرام.
ولازلت اذكر ذلك المحلل المتشائم، الذي يخرج فى قنوات عربية ومحلية، يردد نفس الكلام المحبط الذي يفشل العزيمة ويضعفها وكأنها نهاية العالم وكأن ليبيا اصبحت الصومال بين يوم وليلة، ولم ينظر يوما الى الجانب المليء من الكوب.
وكثيرا ماتخرج علينا تصريحات من وزراء ومحلليين وسياسيين واعلاميين، لاتعدوا كونها صناعة للخوف لأسباب وأجندات غير معروفة ولكل مصلحة معينة حسب موقعه وما يصبوا اليه، ومن امثال تلك التصريحات المخيفة، الانزلاق الى الفوضى وبوادر الحرب الأهلية، والأزمة الراهنة، وصعوبة المرحلة، والتوجه نحو الاقتتال وغيرها من التصريحات المثيرة والرنانة التي لاتفيد الناس فى شيء، والشعب الليبي هو الضحية الذى يدفع الثمن من اعصابه ونفسيته وتفكيره وقلقه المستمر بسبب هذه التصريحات العمياء التي تعمق المشاكل بدل حلها، وتزيد من خوف الناس وعزلتهم وفقدانهم للثقة في انفسهم ومن حولهم، بل حتى فقدانهم الأمل فى ثورتهم التي ضحوا لأجلها بالغالي والنفيس.
اعلم ان الامورليست وردية تماما وان هناك صعوبات، ولكن الوضع ليس كارثيا بل هوجيد وجيد جدا، فما يحدث في ليبيا معجزة بكل المقاييس العلمية والاسترا تيجية فبالرغم من انتشار السلاح وعدم وجود جيش وشرطة وأمن، وحكومة فاعلة وغياب تام لمؤسسات الدولة وخروج شعب من نفق مظلم كله كبت وظلم وقهر، دام 42 عاما وبعد ثورة عارمة وحرب ضروس اكلت الاخضر واليابس، تسير الامور بشكل جيد خصوصا فى طرابلس وتتحسن الأوضاع يوما بعد يوم، رغم الصعوبات وبعض المنغصات والمشاكل التي تحدث من وقت لآخر.
علينا بالصبروالتآلف والحوار، ولنبتعد عن صناعة الخوف لبعضنا لأجل مآرب شخصية او بفعل نفسية متشائمة، او فهم خاطئ للواقع، وعلينا تحليل المشاكل وتشخيص العلل بشكل علمي وقانوني وفق معايير محددة وواضحة ومتعارف عليها، وان نحل مشاكلنا بهدوء وتعقل بعيدا عن فوضى التصريحات والتشاؤم واجواء الخوف.
نريد حكومة ومجلسا يريح الناس ويطمئنهم، وان يصنعوا لهم الامل والتفاؤل مقرونا بالفعل والإرادة، لاان يصنعوا لهم الخوف والرعب مقرونا بالعجز والفشل.
نريد حكومة متفائلة ونخب متفائلة وشعب متفائل، رغم كل الظروف وأكثر مااعجبني فى هذه الحكومة هو رئيسها الواثق والهادئ وتصريحاته المتفائلة المريحة للناس ووزيرالداخلية الذى يصدر تصريحات متفائلة مطمئنة ومقرونة بالفعل والاجتهاد.
لذلك نأمل من مجلسنا الموقر وحكومتنا الفتية، ونخبنا الثقافية والاعلامية والدينية والصحفية ان يشفقوا على حال الناس وان يرحموهم من قسوة التصريحات المحبطة التي تجعل الواقع مريرا وكئيبا.
اعلم ان الواقع صعب وهناك تحديات ولكني ايجابي فالايجابية تؤدي الى نوع من التوافق وازالة التشاحن والضغوط، وتعطي نتائجا فعالة ملموسة ستصب في مصلحة ليبيا فى النهاية، ومتفائل بمستقبل بلدي التي ستتجاوز المحنة ان شاء الله وستصل الى الضوابط الشرعية والقانونية والدستورية والاجتماعية والاقتصادية وستستقر عليها وتخطو خطى ثابتة نحو مستقبل زاهر مشرق بعد الم ومعاناة كبيرين، ولذلك نحن بحاجة الى التفاؤل مع العمل والارادة، ونحتاج الى صناعة الأمل بدل الخوف.
لانريد صناعة الخوف فى قلب وعقل هذا الشعب الطيب البسيط، ونرجوا من مجلسنا وحكومتنا الابتعاد عن هذا الامر، والا يتفنن فيه مثلما كان يفعل النظام البائد، فقد كسرنا حاجز الخوف وسنكسره ثانية ان لزم الأمر، ولا نريد ان يتم تخويف الناس وإلهائهم عن عجز المجلس والحكومة حتى يتمسكوا بالمجلس والحكومة فهذا زمن قد ولى.’ مستشار وباحث قانوني ليبي