الخوف من المنزلق في لبنان

حجم الخط
0

الخوف من المنزلق في لبنان

محمد كريشانالخوف من المنزلق في لبنانفي لبنان هذه الأيام ظاهرة ليست جديدة بالتأكيد لكنها تزداد اتساعا يوميا بشكل يبعث علي القلق: خطب في كل الاتجاهات ومؤتمرات صحافية وجماهير واسعة تتابع بإعجاب هؤلاء أو اولئك. المسألة لا يبدو فيها للوهلة الأولي ما يزعج بل إنها سمة حياة تعددية حية. وهذا صحيح لولا بعض الملاحظات المكدرة لما يفترض انه كذلك.كل واحد الآن من الفرقاء السياسيين حاليا يذهب بعيدا في تقريع خصومه والتشهير بهم أو حتي الاستهزاء بهم ثم تراه في نفس الوقت يؤكد علي ضرورة العيش المشترك معه والتوافق علي أساس أن البلد لا يمكن أن يحكم من طرف واحد. هذا الفريق وذاك وفي طرحه السياسي الذي لا يري فيه من هو في لبنان علي حق سواه يجعلك تسأل، رغما عنك، مع من سينسق صاحبنا إذن أو يتعاون ولا نقل يحكم. فاللهجة الإقصائية مع الدعوة إلي التوافق والتآزر والحفاظ علي الوطن لا تبدو بهذا الشكل علي الأقل متماسكة حتي لا نتحدث عن صدقها من عدمه. وعندما تتابع خطاب هذا الفريق أو ذاك تجد فيه عموما منطقا داخليا مترابطا في تقديره لوضع البلاد والتحديات التي تحيق بها، مع لازمة التهديد بكشف المزيد، ولا ندري ما الذي لم يكشف بعد في لبنان. وحيث ان الحقيقة لا يمكن أن تكن عند الجميع مرة واحدة، وبهذا التناقض الصارخ أحيانا، فهي بالتأكيد موزعة بينهم بقدر أو بآخر مع أن كل حزب بما لديهم فرحون. في الهبة الشبابية الجماهيرية الواسعة التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، خرج الجيل الجديد في لبنان الذي عايش بعضه نهايات الحرب الأهلية المدمرة وبدايات الاستقرار وعودة الإعمار ناقما علي أمرين أساسيين: أولا الوصاية السورية علي بلاده ولو باسم الأخوة والمصير المشترك وثانيا هذه الطبقة السياسية في البلاد التي ما زالت تفرخ نفس السلالات ونفس الأمراض. ما الذي حصل الآن بعد زهاء السنتين من صرخة الغضب الشبابية الكبري؟ الذي حصل أن الوصاية علي البلاد ما زالت قائمة فقد عوضت الوصاية القديمة التي لم تختف بالكامل بوصاية جديدة دولية هذه المرة أطلت خجولة في البداية ثم اتسعت تدريجيا إلي أن استقرت سافرة بعد نهاية الحرب الإسرائيلية الأخيرة علي لبنان فيما بقيت ذات الطبقة السياسية جاثمة علي مفاصل الحياة تعيد إنتاج نفس الأخطاء بنفس الأساليب القديمة.إذا ما تركنا شق الوصاية وتشعباته وتحدثنا فقط عن هذه الطبقة السياسية فلا بد من القول إن هذه الطبقة لا يمكن أن تختفي. فجذورها ضاربة في تاريخ البلد وتقاليده في السياسة والحكم. ولكن اللافت أن لا زعامات حقيقية جديدة طفت علي السطح فلم يكن مطلوبا أن يستمر إلي الأبد توارث قيادة التيارات حتي صرنا نري أغرارا من كل الاتجاهات لا يكاد يفقهون شيئا ومع ذلك يلقون تلك الخطب العصماء المكتوبة بحمية واضحة في الجماهير الحاشدة. الشاهد في الموضوع اللبناني كله الآن أنه قد يصبح مكلفا للغاية للبلاد واستقرارها أن يستمر كل طرف في حشد الشارع وتجييشه بالخطب الحماسية والتحريضية في حدود متفاوتة ثم الزعم المشترك بالرغبة في وحدة البلد وتماسكها وحكمها التوافقي التعددي بالمعني السياسي والطائفي. فإما أن يتنازل كل فريق عما يراه هو الحقيقة الكاملة للوضع في البلاد ويتواضع قليلا في احترام غيره وضرورة التفاهم معه علي الحد الأدني وإلا فإن الأمور قد تسير، بغض النظر عن الإرادات أو التخطيط المسبق، إلي مواجهات مفتوحة قد تطول، ليست بالضرورة عسكرية، ولكنها مواجهات ديدنها المناكفة والغمز واللمز الذي ما ان يلقي في أوساط مشحونة ومحتقنة أصلا فلا أحد يمكن أن يتحكم عندها في تداعياته بين أوسع الفئات الشعبية. ساعتها قد يتدحرج الوطن، لا سمح الله، بين أرجل الصارخين باستمرار أنهم الأحرص في الدفاع عنه وفي صيانة العيش المشترك بين أبنائه.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية