الخوف والتشوه النفسي

نسهر إلى أن تتجاوز الساعة الثانية عشرة، ثم نهرع لريموت التلفزيون؛ لنضغطه على القناة التي تعرض فيلماً ننتظره طوال الأسبوع، «فيلم الرعب». يجد الكثيرون في أفلام الرعب الرغبة الجامحة التي تمنحهم شعوراً بالإثارة يفتقدونه في حياتهم العادية، أو يطمحون لتواجده كجزء منهم؛ لمنحهم نشوة قد حرموا منها. وعند المشاهد القاسية شديدة الرعب، يشرع المتفرج في تغطية عينيه، ووضع يديه على أذنيه، حتى لا يرى ولا يسمع المشهد الذي أزعج كيانه، وجعله يشعر بضعفه من شدة الخوف. وقد يأخذ في تناول «الفشار» و»المقرمشات» التي في حوزته بطريقة هستيرية من شدة الرعب، أو احتضان فرد بجانبه، أو حتى الوسادة وكأنها درع يحميه من شعور مقيت لديه، يذكره مرة أخرى بأنه ليس هذا الشجاع كما يدعي، وأن عليه وصول مراتب أعلى من الشجاعة حتى يتغلب على مخاوفه. فيبدأ في استعادة رباطة جأشه، ويشرع في متابعة الفيلم مرة أخرى باهتمام إلى أن ينتهي.
ومع نهاية كل فيلم، يجد أنه لا يزال يشعر بالخوف، فيشاهد فيلما آخر. ويستمر الوضع هكذا إلى أن ينتهي به المطاف، إما إلى الاستسلام بأنه لم يستطع النجاح في تلك الاختبارات المتتالية، فيتوقف عن مشاهدة أفلام الرعب، أو على النقيض، قد يدمن الشعور بالإثارة التي توفرها المشاهد المرعبة، فيدمن على مشاهدة تلك الأفلام لتصنيع هالة من الخوف تجعله يشعر بالشجاعة، لكن في هذه اللحظة يكون قد خسر الشعور بالاستقرار النفسي الطبيعي.
«صناعة الخوف» هي سلاح الذي على الرغم من قسوته، لكنه يعلم جيداً الأوتار الحساسة الواجب إصابتها في النفس البشرية. فصناعة الخوف وسيلة لاحتواء غضب الشعوب، وكذلك كبت أي محاولة للتمرد والعصيان. وعلى هذا، طورت الدول «سلاح الخوف» بأشكال عديدة شتى؛ لتوجهه إما للشعوب التي تحكمها، أو لدول أخرى ترغب في السيطرة عليها، ورد هجمات عصيانها وغضبها. فصار الخوف صناعة المقصود منها استخدامها كسلاح فتاك يماثل أسلحة الحرب بالأسلحة الثقيلة، والحرب البيولوجية.
«صناعة الخوف» صارت جزءا أصيلا من الحرب النفسية التي سجلت بداياتها مع مستهل الحرب العالمية الأولى، ووصلت أوجها في الحرب العالمية الثانية، ثم دخلت دهاليز فرعية متطورة في ما بعد، حتى وصلت مرحلة متقدمة في عصر التكنولوجيات المتطورة الذي نعيش فيه حالياً. بيد أن الشعوب على الصعيد العالمي صارت مستنيرة، وفطنت إلى خبايا تلك اللعبة، وعلمت أن الخوف صار سلاحاً موجهاً نحوها، ليسوقها كقطيع لا رأي له؛ ليتبع أهواء الساسة، وليخدم أغراضا أخرى ليس لهم فيها ناقة ولا جمل. أضف إلى هذا، إدمان الشعوب على الشعور بالاستثارة، من جراء خوض تجارب تجعلها تنهل من فيض الخوف، قد دربها على مواجهة أي أخطار بلامبالاة؛ لمعرفتها أن أي شعور بالخوف زائل. ومن هنا، أدت كثرة صناعة الخوف لحدوث تشوه نفسي عكسي لدى الغالبية العظمى من الشعوب، فجعلت ردة الفعل المتواترة هي الشعور بالبلادة واللامبالاة، بدلاً من الشعور الطبيعي بالخوف.

«فيروس كورونا» نبه العالم إلى أن الخطر حتى يكون جسيماً، لا يشترط أن يكون قوياً، فأحياناً، الضعف يكون أقوى بمليارات المرات من القوة.

وفيما يبدو أن السحر قد انقلب على الساحر؛ فقد وضع انتشار «فيروس كورونا» مدى التشوه النفسي لدى الشعوب تحت المجهر. ففي بداية انتشار الفيروس، صار الشعور العالمي المتفشي حياله هو عدم التصديق، على الإطلاق. فأنى لهذا الفيروس الضعيف أن يكون فتاكاً، وهو من السهل القضاء عليه بأبسط المطهرات، وينجلي من على جلد الإنسان بكل سهولة، بواسطة الاغتسال بالماء والصابون فقط، كما يروجون. ومن ثم، لم يصدق العالم جميع النشرات ولا أعداد الوفيات، واعتقدوا أن إشاعة تواجد فيروس كورونا، مجرد وسيلة جديدة لصناعة الخوف، التي تخدم أغراضا سياسية أو اقتصادية لدول بعينها. فتم وضع الدول تحت طائلة التحليل، وتأويل النتائج التي تعود على تلك الدول عند إشاعة فوضى وبلبلة عالمية لفيروس ضعيف لا يضاهي الإيبولا Ebola ، أو حتى السارس SARS، اللذين تم اكتشاف المصل المضاد لهما سريعاً، على الرغم من قسوتهما، وبالقياس على ذلك كانت أنفلونزا الخنازير، وأنفلونزا الطيور، وقبلهما مرض جنون البقر، وجميعها سرعان ما اندثرت.
وبناء على ذلك، تشكك العالم قبل أي شيء في نوايا الدول، بل اعتبر المحللون أن الصين هي من خلَّقت ذلك الفيروس لتأميم استثماراتها مع الدول الأجنبية بدون الخوض في منازعات سياسية. في حين، خرج العديد من مواطني دول توطن فيها المرض يقسمون للعالم، وفي يدهم أدلة إلكترونية على أن الفيروس حاز على براءة اختراع منذ عام 2016، ويمكن على رواد الإنترنت التأكد من ذلك من خلال نشر رقم براءة الاختراع، الذي من خلاله يمكن معرفة أسماء من طور الفيروس، ومكوناته، بل أشيع أنه يتم تأجيل الكشف عن المصل المضاد لحين الانتهاء من تحقيق الغرض السياسي لدول بعينها. وبدون أدنى شك، سببت تلك البلبلة العالمية موجة عارمة من عدم تصديق تواجد الفيروس من الأساس. فخرقت الشعوب تعليمات وزارة الصحة، واستخفت بالتحذيرات، واستهانت بتطبيق قواعد الأمن والسلامة.
وفي تلك الأثناء، تنبه بعض العقلاء الذين استفاقوا من التشوه النفسي، إلى أن الوضع العالمي جد خطير، فصارت نوبات الخوف المضادة لديهم إما حذرة ،أو مبالغا فيها؛ لرؤيتهم موت العديد، وانهيار البورصات العالمية، بل الأدهى، تحول هذا الفيروس الضعيف لجائحة أو وباء عالمي Pandemic يضرب الآلاف كل يوم، ويميت العديد بدون تمهيد. والغريب، لا يوجد مصل عالمي موحد له حتى الآن، فهو سهل الانتشار كالنار في الهشيم، وقد أفضى ذلك، لاستفاقة متفاقمة من التشوه النفسي لدى المتشككين، الذين لم يصدقوا في ما قبل أن الخطر الذي قد يدمر العالم هو مجرد فيروس ضعيف، على عكس ما كان يشاع من أن انهيار العالم سوف يكون ناجماً عن حدث جلل كضرب الأرض بنيزك، أو زلزال، أو انهيار جليدي، أو طوفان، أو حتى نزول مخلوقات فضائية، أو تواجد متحولين في ما بيننا.
«فيروس كورونا» نبه العالم إلى أن الخطر حتى يكون جسيماً، لا يشترط أن يكون قوياً، فأحياناً، الضعف يكون أقوى بمليارات المرات من القوة. فلربما كان انتشار هذا الوباء عالمياً دعوة خفية لضرورة رجوع الإنسان إلى آدميته، ولحثه على عدم البحث عن الاستثارة والشعور بالنشوة بوضع نفسه في فوهة الأشياء، التي كانت تسمى قبل ظهور «فيروس الكورونا» بالخطرة. فالشجاعة التامة حالياً، وأقصى شعور بالاستثارة التي تحقق النشوة هو القدرة على تحمل ملازمة المنزل، من خلال حجر صحي اختياري، ويتم ذلك بالرجوع للطبيعة الآدمية الضعيفة الهشة، والشعور مرة أخرى بـ»الخوف».

٭ كاتبة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية