الخوف يبدل مواقعه وينتقل الي الجانب الاسرائيلي

حجم الخط
0

الخوف يبدل مواقعه وينتقل الي الجانب الاسرائيلي

عبدالله الحورانيالخوف يبدل مواقعه وينتقل الي الجانب الاسرائيليليبرر الحكام العرب عجزهم وتقاعسهم عن تحرير الأرض العربية، ومواجهة جيش الاحتلال الصهيوني، وجرائمه التي يرتكبها بحق أطفال الأمة ونسائها وشيوخها… نشروا عبر خطابهم السياسي والإعلامي، وعلي مدي عقود من الزمن، ثقافة الخوف والرعب في نفوس المواطنين العرب، تحت عنوان أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر.هذه السياسة الرسمية العربية خلقت حالة من اليأس والإحباط والخوف في نفس المواطن العربي، وبالمقابل صعّدت من الروح العدوانية الإسرائيلية، وزادت من التعنت الإسرائيلي في رفض أي انسحابات من الأراضي المحتلة، بل ورفعت من سقف المطامع الإسرائيلية في بسط هيمنتها علي المنطقة العربية سياسياً واقتصادياً وعلمياً من خلال ما سمته مشروع الشرق الأوسط الكبير. وبالتدقيق في أكذوبة الجيش الذي لا يقهر، والدولة التي لا تقهر، نجد أن هذه المقولة كُسرت عربياً ثلاث مرات: الأولي: في حرب تشرين أول (اكتوبر) 1973 عندما انتفض العرب، بقيادة عبد الناصر، بعد نكسة عام 1967 وأعادوا بناء قوتهم العسكرية واستخدموا طاقاتهم وقدراتهم المادية الهائلة، وخاصة النفطية، وأطلقوا شرارة حرب 73، وتمكنوا من قهر الجيش الإسرائيلي علي خط بارليف، وضربوا العمق الإسرائيلي، مما أوقع الرعب في كل نواحي الكيان الصهيوني، والانهيار في صفوف القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية. والثانية: عندما انطلقت الصواريخ العراقية في حرب الخليج الأولي في النصف الثاني من كانون ثاني (يناير) 1991 لتدك تل أبيب، وتزرع الذعر والخوف في نفوس الإسرائيليين، وتدفع مئات الألوف منهم إلي مغادرة إسرائيل. والثالثة: هي ما تقوم به الآن المقاومة العربية الإسلامية اللبنانية بقيادة حزب الله من بطولات في ضرب القوات البرية والبحرية الإسرائيلية، وإيقاع أفدح الخسائر بها، ومنعها من التقدم أمتاراً في الأراضي اللبنانية. فضلاً عن حالة الخوف والموت والهروب التي تحدثها صواريخ المقاومة في كل مناطق الجليل، ومستعمراته، والساحل، وصولاً إلي حيفا، وما بعد حيفا.وإذا كانت الحالة الأولي التي كسر فيها حاجز الخوف العربي، وانتقل فيها إلي الجانب الإسرائيلي، قد أجهضت، عندما لم تستكمل حرب أكتوبر 73، واكتفي بجعلها حرب تحريك بدلا من أن تكون حرب تحرير. وعندما شكلت نتائجها السياسية كارثة قومية، حين اكتفي بإجلاء القوات الإسرائيلية عن سيناء، بينما ظلت الأرض العربية الأخري في فلسطين وسورية محتلة، وظلت الحقوق الفلسطينية مغتصبة، وجري توقيع معاهدة سلام مصرية إسرائيلية أخرجت بموجبها مصر ـ أكبر دولة وقوة عربية ـ من دائرة الصراع العربي الصهيوني، ورفع الشعار القائل إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب العربية مع إسرائيل ، وتحول الصراع من صراع قومي إلي صراع جزئي مع إسرائيل يخص فقط كل بلد عربي تحتل إسرائيل أرضه أو جزءا منها، بينما انغمس العرب الآخرون في اهتماماتهم القطرية، وتخلوا عن واجباتهم القومية. وإذا كانت الحالة الثانية التي زرعت الخوف لدي الإسرائيليين، قد أجهضت هي الأخري أيضاً، عندما تكالبت أكثر من ثلاثين دولة ـ ومن بينها للأسف الشديد عدد الدول العربية وجيوشها ـ علي العراق، وقامت بتدميره ـ بحجة تحرير الكويت ـ وفرضت عليه حصاراً دام أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وانتهي باحتلال أمريكي بريطاني للعراق، بمساعدة عربية، وذلك لحماية إسرائيل مما كان يشكله العراق بقدراته العسكرية والاقتصادية والعلمية، ومشروعه القومي النهضوي، من تهديد للاحتلال الصهيوني، ومن خطر علي الوجود والنفوذ الأمريكي في المنطقة. فإن العنوان العربي الثالث الذي يرعب إسرائيل، مازال قائماً، ويؤدي واجبه، ويفعل فعله، وهو المقاومة الباسلة في جنوب لبنان، وامتدادها، عبر صواريخها، إلي العمق الإسرائيلي. فهذه المقاومة العظيمة لا تترك أثرها المرعب علي جنود الاحتلال الإسرائيلي فقط، من خلال قتلهم أو إصابتهم وتدمير آلياتهم، وقتل روحهم المعنوية، وإنما تمتد آثارها لتصيب الكيان الصهيوني بكامله. فلقد أجبرت المقاومة، كما تقول الصحافة الإسرائيلية، ما بين ثلث إلي نصف سكان الشمال الإسرائيلي البالغ عددهم حوالي مليون نسمة علي مغادرة مناطقهم، هرباً إلي مناطق الوسط والجنوب، بينما يقضي بقية السكان أيامهم ولياليهم مختبئين في الملاجئ ينتظرون مصيرهم المجهول. أما عدد الإسرائيليين الذين غادروا إسرائيل إلي الخارج فيقدر حتي الآن بعشرات الألوف، هذا فضلاً عن الأعداد الأكبر التي تفكر بالمغادرة فيما لو طالت الحرب، أو امتدت آثار الصواريخ إلي مدي أبعد مما وصلت إليه حتي الآن. هذه الآثار التي رصدت حتي الآن في الجانب المعنوي، أما آثارها علي الجانب الاقتصادي فهي كبيرة جداً، ولم يتم تقديرها بعد. فمئات المعامل والمصانع قد توقفت عن العمل، ومئات المزارع قد أحرقت أو توقف العمل فيها. وموسم الصيف السياحي، علي البحر، وفي المنتجعات السياحية والفنادق، قد توقف بالكامل تقريباً، سواء كان سياحة داخلية أو قادمة من الخارج، وعمليات الاستثمار القادمة من الخارج باتت مترددة بالتأكيد، إن لم تكن قد توقفت. وإذا ما أحصيت هذه الخسائر في الجانب الاقتصادي، فلنا أن نتصور حجم الخسائر التي ستوقعها في الناتج القومي أو الدخل القومي في إسرائيل. وإذا كان هذا هو حجم الخسائر المعنوية والمادية التي توقعها المقاومة في الجانب الإسرائيلي، وأهمها هز هذا الكيان وكشف ضعفه، وزرع الرعب والخوف في شرايين حياته،…… فإن أثرها المعنوي في الجانب العربي له نتائج مستقبلية أكبر. فهي تحرر النفس العربية من الخوف، وتبث فيها روح الصمود والمقاومة، وتشجعها علي التمرد علي حالة الكبت والقمع التي يفرضها عليها حكامها، وتعطيها مثالاً حياً علي أن توفر إرادة القتال والمقاومة كفيل وحده بأن يهزم أعتي الجيوش، وأن يزعزع أي كيان مهما ادعي التماسك والقوة. كما أن هذه القدرات التي تبديها المقاومة اللبنانية، تشكل درساً للمقاومات الأخري ـ وخاصة في فلسطين ـ حول أهمية التنظيم والتدريب ووحدة القوي المقاتلة علي الأرض، ووحدة القيادة، والحفاظ علي السرية، والابتعاد عن المظهرية والاستعراضية، والعصبوية التنظيمية، والنزعات، والنزاعات السلطوية والعائلية. وابتداع الأساليب والوسائل القتالية التي توقع الخسائر بالعدو، وتقلل من خسائر المقاومة، وتسخير سلاح المقاومة لمواجهة العدو فقط. ومن المبهج أن هذه الانجازات التي تحققها المقاومة، تأتي في عصر الهيمنة الأمريكية الذي يفرض نفسه علي العرب وعلي العالم، وفي ظل الصمت الرسمي العربي، بل وفي ظل تواطؤ بعض أطراف هذا النظام علي المقاومة وإدانته لها، مما يوجه رسالة إلي الإمبريالية الأمريكية، وحلفائها العرب وغير العرب، أن روح الصمود والمقاومة مازالت تكمن في جينات هذه الأمة. ومازالت قادرة علي مواجهة هذه الهيمنة الأمريكية مهما بلغت قوتها وسطوتها العالمية. وأن الأمة العربية، عندما تتوفر الإرادة لدي أبنائها المخلصين، قادرة علي استنهاض تاريخها، واستحضار تراثها النضالي العربي الإسلامي، وفتح أبواب المستقبل المشرق من جديد أمام هذه الأمة العظيمة صاحبة الرسالة الخالدة. وإذا كنت قد ركزت علي المقاومة اللبنانية وحدها، بقيادة حزب الله، للحديث عن الآثار التي تتركها المقاومة في جانب العدو، والمعاني الروحية والثورية التي تحدثها في النفس العربية. فإن ذلك يأتي في سياق الرد علي الهجمة التي تتعرض لها هذه المقاومة سواءٌ من إسرائيل، وحلفائها الأمريكيين، ومن بعض الأصوات الرسمية العربية. وللدلالة علي عظمة الآثار التي تحدثها مقاومة من بلد صغير بحجم لبنان وبإمكانيات محدودة، فكيف إذا كانت كل قدرت الأمة وإمكانياتها موضوعة تحت تصرف المقاومة، ومكرسة لدعمها، بما في ذلك المقاومة الفلسطينية الباسلة التي تصمد وتتواصل منذ سنوات طويلة، شاغلة الكيان الصهيوني، وحارمة إياه من الاستقرار، ومن الأمن والأمان، رغم مضي أكثر من ثمانية وخمسين عاماً علي قيامه، مؤكدة علي استمرار النضال حتي تتحقق الأهداف الفلسطينية في تحرير الأرض وعودة اللاجئين. وكذلك المقاومة العربية والإسلامية العظيمة التي تملأ أرض العراق، وتقبر جنود الاحتلال الأمريكي البريطاني وعملائه بالعشرات يومياً، مبشرة برحيل الاحتلال الأمريكي قريباً عن أرض العراق، فإن أثرها، ورغم تجاهل الإعلام العربي والعالمي لها، فإنها تدمر هيبة الإمبريالية الأمريكية وتمرغها في الوحل، وتعيد كتابة تاريخ العرب المجيد في أرض الرافدين. بل إن معركة العراق التي ما تزال جارية، أسهمت وتسهم في خلق أكبر حالة تحريض عالمية ضد السياسة الأمريكية، وربما تكون نقطة تحول رئيسية علي طريق انهاء عصر العولمة والهيمنة الأمريكية. ليكن شعارنا الدائم، كعرب، المجد للمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق. فهذا هو طريقنا الوحيد نحو النصر والتحرير. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية