سمير جبور الخريطة الحزبية السياسية التي افرزتها الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية الأخيرة لم تضف شيئا الى المشهد السياسي الداخلي في اسرائيل، ولم تحدث اي تحوّل يذكر في اصطفاف القوى الحزبية. فاذا كان حزب الليكود الذي يترأسه بنيامين نتنياهو قد خسر من قوته، فالاصوات التي خسرها لم تذهب الى قوى الوسط او ‘اليسار’، بل ذهبت الى قوى يمينية اكثر تطرفا يتزعمها قادة ايديولوجيون امثال نفتالي بينيت ويائير لابيد. وعلى حد قول داني دانون عضو الكنيست الليكودي ومن انصار المستوطنين ‘انا يساري مقارنة بهؤلاء الناس’. ويستنتج من نتائج الانتخابات ان المقترعين الاسرائيليين ارادوا تغيير قادتهم وليس تغيير سياساتهم. نتائج الانتخابات أشارت لتصدر كتلة حزبي الليكود-إسرائيل بيتنا، بقيادة كل من نتنياهو ووزير الخارجية ليبرمان للسباق بـ31 مقعدا، يليهم الحزب الجديد ‘يش عتيد’ (هناك مستقبل) بقيادة يائير لابيد بـ19 مقعدا، ثم حزب العمل بقيادة شيللي يحيموفيتش بـ15 مقعدا ثم الحزب اليميني المتطرف ‘البيت اليهودي’ بقيادة نفتالي بينيت بـ12 مقعدا. ومن الملاحظ ان المغزى البارز لاتحاد الليكود و’ اسرائيل بيتنا’ هو ازدياد التطرف القومي.كما ان ازدياد نفوذ اليمين الديني الشوفياني في قسم كبير من مركز الليكود عكس توجها نحو ألمزيد من التطرف. وحزب لابيد الجديد لا يتخذ مواقف معتدلة، ولا سيما في مجال السياسة الخارجية.ولعل السمة البارزة في هذه الانتخابات هي تجاهل القضية الفلسطينية والقفز على الحلول المطـــروحة، مما يدل على ان القوى السياسية الاسرائيلية المتنافسة تعتبر ان هذه القضية ليست مطروحة على جدول أعمالها وليس على جدول الاعمال الدولي ،وان اسرائيل لا تتعرض حاليا لا لضغط دولي ولا لضغط عربي.بغض النظر عمن سيشكل الحكومة الاسرائيلية المقبلة، لن تكون هناك قوة فاعلية لتغيير الموقف الاسرائيلي من القضية الفلسطينية. وما يعكس التغيير في تركيبة الكنيست الحالي، نرى انه يضم 38 من معتمري القبعات الدينية، الذين يشكلون من الناحية السياسية بيضة قبان تحول دون اي تقدم في العملية السياسية. ازاء هذه الخريطة اليمينية القديمة الجديدة يطرح السؤال: ما هي الخيارات التي بقيت للفلسطينيين في ضوء نتائج الانتخبات الاسرائيلية.؟.الحق يقال ان القضية الفلسطينية تواجه الآن محنة حقيقية ربما لم تعرف مثلها من قبل. ومكونات هذه المحنة الرئيسية هو الانقسام القائم بين سلطة ضفاوية وسلطة غزاوية. والوضع العربي في ظل التطورات الحالية يسير من سيء الى اسوأ. والبلاد العربية التي وقعت في فخ هذا ‘الربيع العربي’ الملعون تعيش حالات من الانقسامات والحروب الطائفية والاهلية تاركة الشعب الفلسطيني مكشوف الظهر العربي لاجل غير مسمّى. وعلى المستوى الدولي، لا تشعر اسرائيل بأنها تواجه ضغوطا من اجل وقف الاستيطان واجراء مفاوضات حقيقية مع الشعب الفلسطيني. ناهيك بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الفلسطينيون في جميع اماكن تجمعاتهم. زد على ذلك ما تتعرض له المخيمات الفلسطينية من مزيد من التشريد ومحاولات زجها في صراعات ليست لها مصلحة فيها. نهاية المفاوضات والحل السلميمنذ ان تولى بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة وهو يعمل على اجهاض حل الدولتين سواء عن طريق توسيع الاستيطان في المناطق المحتلة او بواسطة المماطلة واتهام الفلسطينيين بانهم افشلوا المفاوضات. وقبل ذلك تهرّب من جميع التزاماته وفق اتفاقية اوسلو وترك للفلسطينين جميع سلبيات اوسلو التي ادت الى انقسامهم واضعافهم. وفي حال ترؤس نتنياهو الحكومة الجديدة، وهذا من المرجح، فإنه سيلجأ مرة اخرى الى التهرب من اية التزامات ناجمة عن العملية السلمية ولا سيما وقف الاستيطان. وفي هذه المرة سيستعين بحزب البيت اليهودي بزعامة نفتالي بينيت واسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان ن وبجميع الاحزاب الدينية. ويستنتج من ذلك ان الخيار الذي بقي للفلسطينيين في هذا المجال هو التخلي نهائيا عن المفاوضات في ظل المعطيات الحالية ان على الصعيد الاسرائيلي اوعلى الصعيدين العربي والدولي. ومن الطبيعي ان يحجم الفلسطينيون عن الاشتراك في اية مفاوضات مستقبلية مع حكومة نتيناهو الا وفق اجندة واضحة وكشرط مسبق- وقف الاستيطان وازالة المستوطنات والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة واضحة الحدود والعالم. ترتيب البيت الفلسطيني ازاء هذه الاوضاع الآنفة الذكر، لم يعد امام الفلسطينين سواء في غزة او في الضفة سوى اعادة السلم الاهلي بالمصالحة ووضع برنامج وطني يراعي الظروف المستجدة، ولا سيما بعد اغلاق الباب على المفاوضات مع اسرائيل التي شكلت عاملا اساسيا للانقسام. ولا بد للقيادات الفلسطينية الا ان تعي خطورة الوضع الذي تمر به القضية الفلسطينية وتسير في توطيد اللحمة الوطنية وتوحيد الصف الوطني، والاتفاق على الامور الجوهرية من خلال التجرد والتخلي عن اية طموحات سلطوية. واذا ما استمر الانقسام، فإن الشعب الفلسطيني سيكون عاجزا عن التصدي للاخطار الجسيمة المحدقة به، ولا سيما ان التطورات الجارية في الوطن العربي تساهم في نسيان القضية الفلسطينية او ازالتها عن الخارطة العربية. تعزيز مكانة فلسطين على المسرح الدولييتوجب على القيادات الفلسطينية ان تواصل العمل الذي بدأته في الامم المتحدة بقبول دولة فلسطين عضوا غير كامل في الامم المتحدة. ويمكن استثمار التاييد الدولي الجارف الذي حظي به قرار الجمعية العمومية للانضمام الى الوكالات التابعة للامم المتحدة الملزمة بتقديم المساعدات الاجتماعية والصحية للشعب الفلسطيني. ولدى اعتراف محكمة العدل العليا بدولة فلسطين، فإن القيادة الفلسطينية ستكون قادرة عل اللجوء اليها لوقف الاستيطان وتقديم الشكاوي ضد اعمال الاحتلال العدوانية. اعتماد خيار المقاومة في ظل غياب الحلول السياسية، فإن البديل لها هو المقاومة المدروسة القائمة على استراتيجية عقلانية. ويمكن ان ترتدي هذه المقاومة ثوبا سلميا بتفعيل المجتمع المدني. والمقاطعة وشن حملات عالمية لمقاطعة البضائع الاسرائسلية وكشف الطبيعة العنصرية لحكومة نتنياهو. ويمكن ان تتخذ المقاومة طابعا عسكريا ايضا توجه فقط ضد قوات الاحتلال وهذه مشروعة وتلقى تاييدا دوليا. ولن تكون هذه عملية سهلة ولكن اذا ما احسن تخطيطها يمكن ان تشكل ضغطا على المحتل. وعلى السلطة الفلسطينية ان تعزز المقاومة داخل اراضيها وتتصدى لاقتحامات الجيش الاسرائيلي للمدن والقرى الفلسطينية. الانسحاب من السلطة وتسليم المناطق الى المحتلهذا خيار مطروح طوال الوقت حتى ان الرئيس الفلسطيني ابو مازن هدد مرارا بالاستقالة وتسليم المناطق الفلسطينية الى السلطة المحتلة لكي تتولى مسؤولية ادارتها ومواجهة المشكلات المعيشية التي يواجهها سكان المناطق المحتلة. وعلى الرغم من ان هذه الخيار مكلف وتنفيذه ليس سهلا، الا انه يمكن ان يشكل آخر ملاذ للفلسطينيين الذين وصلت قضيتهم الى حائط مسدود. وربما تساهم هذه الخطوة في قيام الدولة الثنائية القومية. والجدير بالذكر ان سياسة الجسور المفتوحة التي طبقها موشيه ديان المسؤول عن المناطق المحتلة في اواخر سنة 1967 كادت تؤدي الى قيام الدولة الواحدة عندما فتحت الحدود على الجانبين. الا ان اليمين الصهيوني بقيادة مناحم بيغن اجهض هذا الاحتمال باغلاق الحدود وعزل المناطق المحتلة مما ادى الى نشوب الانتفاضة الاولى. هذه هي الخيارات الاساسية المتبقية للشعب الفلسطين الآن. وفي الاوضاع الحالية، المطلوب من القيادات الفلسطينية ان تعي جسامة الاخطار التي تهدد القضية الفلسطينية والتصدي لمحاولات تصفيتها وعليها ان ترتفع عن الانانيات والحزازات والحساسيات والتوقف عن توجيه اللوم الى بعضها بعضا. الوقت عصيب ولا يحتمل المماطلة والتأجيل.’ كاتب فلسطيني مقيم في كنداqmdqpt