الخيارات الوطنية بعد حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية

حجم الخط
0

الخيارات الوطنية بعد حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية

د. بشير موسي نافعالخيارات الوطنية بعد حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية يعتبر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية حدثاً هاماً في مجريات الشأن الفلسطيني، بالرغم من أن التوصل إلي اتفاق مكة كان يعني في حد ذاته أن معظم المسافة قد قطع وأن تشكيل حكومة الوحدة هو مسألة وقت لا أكثر. والأهمية التي يحملها هذا الإنجاز متعددة الأبعاد. فمن ناحية، تحمل الحكومة بشري وضع نهاية، حتي إن لم تكن قاطعة، لحالة الانفلات الأمني والصدامات الدموية المؤسفة بين المسلحين الفلسطينيين التابعين لهذا الطرف أو ذاك، والتي حولت حياة الفلسطينيين إلي جحيم ورسبت مرارة عميقة في الضمير العربي والإسلامي. وستساعد الحكومة الجديدة علي رص صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، ولو بدرجة أعلي نسبياً من الوضع السابق، لاسيما في مواجهة حالة الحصار الأورو – أمريكي التي عصفت بالحياة الفلسطينية وحاولت فرض تنازلات سياسية كبيرة علي حكومة حركة حماس بقوة المساعدات المالية والاقتصادية والضغط الدبلوماسي. وكون الحكومة الجديدة، من ناحية ثالثة، هي حكومة وحدة وطنية، يتمثل فيها عدد من القوي والتيارات والشخصيات المستقلة، فستكون أكثر قدرة علي رقابة عملية التفاوض التي سارت دائماً بدون رقابة وطنية حقيقية وملموسة، بغض النظر عن جدوي المسار التفاوضي في المرحلة الحالية. الحكومة الوطنية التآلفية، باختصار، هي مصدر قوة إضافية كبري للوضع الفلسطيني وللقضية الوطنية، وينبغي الحفاظ عليها بكل الوسائل حتي الانتخابات القادمة.بيد أن من الخطأ النظر إلي الحكومة باعتبارها مخلص الفلسطينيين من كل الإشكالات السياسية الداخلية التي أجهدتهم خلال السنوات القليلة الماضية، ومنذ عقدت انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة علي وجه الخصوص. عدد من هذه الإشكالات يتعلق تعلقاً وثيقاً بالموقع الذي تحتله القضية الفلسطينية، دولياً وإقليمياً، وكون الساحة الفلسطينية مفتوحة علي الدوام للتدخلات السياسية الدولية والإقليمية. ويتعلق عدد منها بالسياق التاريخي الفلسطيني، وطبيعة التحولات التي تعيشها الخارطة السياسية الفلسطينية، بما في ذلك مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية. ويتعلق عدد آخر بحجم الفساد الهائل الذي طال الطبقة السياسية الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو وإقامة سلطة الحكم الذاتي، الفساد الذي ساعدت علي تجذره وانتشاره القوي المانحة والشريك الإسرائيلي علي السواء، بهدف تحويل المناضلين الفلسطينيين السابقين والقيادات الوطنية إلي أدوات طيعة، عرضة للضغوط والتهديد بالحرمان. ويتعلق أيضاً، وعلي نحو هام بلا شك، بالاختلافات العميقة بين القوي الفلسطينية الرئيسية حول مستقبل القضية الوطنية، حول الأهداف التي يسعي إليها الفلسطينيون في هذه الحقبة من تاريخ نضالهم، وحول تعريف الثوابت الوطنية. هذه إشكالات كبري، تتطلب وعياً عميقاً وظرفاً موضوعياً مواتياً للتعامل معها، ولا يجب أن ينظر إلي النجاح في تشكيل حكومة الوحدة باعتباره الخطوة النهائية لمواجهتها.التدخلات الدولية والإقليمية في الشأن الفلسطيني، بهدف تأليب قوة أو تيار علي آخر، لن تتوقف. الدول العربية، مثلاً، وبالرغم من سعي أكثرها خلال العقدين أو الثلاثة الماضيين إلي التهرب من مسؤولياتها تجاه المسألة الفلسطينية، لم تجد سبيلاً إلي عزل شعوبها عن فلسطين أو التقليل من أثر القضية الفلسطينية علي شأنها الداخلي. وهي لذلك، أو بعض منها علي الأقل، تحرص علي أن تكون وجهة النظر المسيرة للعمل السياسي الفلسطيني أقرب إلي وجهة نظرها. وقد رأت هذه الدول في صعود القوي الإسلامية الفلسطينية، ومن ثم فوز حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، خطراً عليها وعلي سياساتها؛ والمنطقي توقع أن تستمر هذه الدول في دعم الموالين أو المتفقين معها في الساحة السياسية الفلسطينية. وإن كانت التحركات العربية في هذا المجال تتسم بمراعاة الحساسيات التقليدية للفلسطينيين، وينظر إليها عادة بأنها مشروعة، ما لم تدفع باتجاه شر سافر، فإن التحركات الأمريكية والإسرائيلية أكثر فجاجة ووضوحاً، ولن تصب أبداً في صالح الفلسطينيين. ولكن هذه التدخلات مدفوعة هي الأخري بتعزيز القوي والشخصيات الأقرب إلي تصورها للأمور، وهي لا تخفي عداءها للقوي الإسلامية الفلسطينية ومحاولتها مراجعة المسار السياسي الذي درجت عليه قيادة سلطة الحكم الذاتي خلال العقد ونصف العقد الماضيين.ولا تستدعي رؤية التحولات التي تشهدها الخارطة السياسية الفلسطينية كبير ذكاء وبصيرة. ففتح، التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ نهاية الستينات، أفسحت الساحة منذ سنوات لصعود تيار إسلامي وطني ونشط، يقرأ تاريخ القضية الوطنية بوعي، ويدرك حقائق الصراع علي فلسطين ومتغيرات الوضع الدولي. ساهم الإسلاميون مساهمة واسعة في النضال الوطني خلال العقدين الماضيين، لاسيما في غمار الانتفاضتين الأولي والثانية؛ وهم بذلك قد أسسوا للموقع الذي باتوا يحتلونه برصيد نضالي طالما اعتبره الفلسطينيون شرط الثقة والمصداقية. ولكن الصعود الإسلامي الفلسطيني لا يمكن فهمه بدون رؤية التراجع الذي تعانيه فتح، القوة القائدة السابقة للحركة الوطنية. فمنذ تبني وثيقة البنود العشر في منتصف السبعينات وحتي ما بعد تأسيس سلطة الحكم الذاتي وفتح تقود الحركة الوطنية في اتجاه واحد، لم تتوقف ولو مرة لمراجعة جدواه أو نجاعته. أوصل هذا الطريق الفلسطينيين إلي حكم ذاتي مقطع الأوصال، تصاعد في حركة الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، وتحكم إسرائيلي غير مسبوق في مصير الفلسطينيين ومصير السلطة نفسها وعملية السلام. والغريب أن العقل السياسي لفتح يبدو الآن عاجزاً عن التعامل مع الوضع الذي أوصلت قيادة العمل الوطني الفلسطينيين إليه. بل أن مؤسسة السلطة والامتيازات التي ولدت من رحمها ومن عملية سلام بالغة الغرابة أصبحت منبع فساد هائل، طال أغلب الطبقة السياسية الفلسطينية الوطنية، ومصدر تنازع أصاب فتح بالانقسامات الداخلية والشلل.لم تتعامل الطبقة السياسية الفلسطينية، بما في ذلك الشريحة الأوسع من قيادة فتح، تعاملاً حكيماً وبصيراً مع صعود التيار الإسلامي الفلسطيني. وبدلاً من رؤية الإسلاميين باعتبارهم رافداً جديداً لقضية وطنية بالغة التعقيد، وما يزال أمامها زمن طويل قبل أن تحقق ولو الحد الأدني من أهدافها، فقد غرقت الطبقة السياسية الفلسطينية في هموم الامتيازات والقوة، وذهبت إلي تفجير صراع إلغائي مع الإسلاميين لا جدوي منه. ترتبط التحركات العربية والدولية النشطة بهذا الصراع، كما يرتبط به الخلاف العميق حول عملية السلام والأهداف الراهنة للحركة الوطنية الفلسطينية. والمدهش أنه في حين تتسم الساحة السياسية الإسرائيلية بتعدية بالغة، بما في ذلك الاختلاف الجذري حول عملية السلام مع الفلسطينيين، فإن الطبقة الفلسطينية السياسية تطالب الإسلاميين بقبول برنامجها السياسي بدون تحفظات، بل وتعتبر أن القبول بهذا البرنامج شرط أولي للشرعية والمشاركة في سلطة الحكم الذاتي. وتقاوم الطبقة السياسية الفلسطينية، بمن في ذلك الرئيس محمود عباس، المحاولات الداعية إلي إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية علي أسس جديدة، تضمن تمثيل القوي السياسية الإسلامية وتضمن تمثيلاً عادلاً وشاملاً لقوي وفئات وتجمعات الشعب الفلسطيني.تحت ضغط شعبي فلسطيني، وبتدخل عربي علي أعلي المستويات السياسية العربية، وبفعل انعكاس المتغيرات السياسية الوطنية علي موازين القوي الداخلية، توصلت قيادة السلطة وحركة حماس إلي اتفاق تاريخي في مكة المكرمة. وقد أسس هذا الاتفاق لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. علي المستوي العربي، ثمة مؤشرات عديدة علي أن الدول العربية ستعمل الآن بالفعل علي كسر الحصار والتعامل مع الحكومة الجديدة بما يفيد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. وهناك مؤشرات إضافية علي أن دول الاتحاد الأوروبي، أو أن عدداً منها علي الأقل، ستتعامل مع الحكومة علي هذا المستوي أو ذاك؛ كما ستلتزم كل من روسيا والصين سياسة مشابهة. مثل هذا المناخ سيصنع انفراجاً ملموساً في الوضع الفلسطيني، ويحصر العوامل والقوي التي دفعت باتجاه الانقسام الداخلي والصدام. ولكن تقارير عديدة تفيد بأن توجهات التسلح والحشد علي الأرض ماضية في طريقها؛ وكأن عقلية الاستئصال لم تتخل عن مشروعها بعد. قوات حرس الرئاسة، مثلاً، ما تزال تنمو عدداً وتسلحاً، وبرامج تدريبها وانتشارها لم تتغير كثيراً. ثم جاء تعيين دحلان مسؤولاً عن الأمن القومي، وهو الذي تحيط الشبهات بدوره في تفجير الصدامات الأخيرة، ليثير مزيداً من القلق. وبالرغم من تصريحات الرئيس عباس المتتالية، التي تفيد ببدء التحرك العملي لإعادة بناء منظمة التحرير، فإن شيئاً من هذه الوعود لم يتحقق حتي الآن. ثمة خشية من أن تتحول الحكومة إلي حكومتين، واحدة تدير شؤونها مجموعة وزراء حماس ومن يتعاطف معها من الوزراء المستقلين، وأخري تقودها مجموعة وزراء فتح والمتعاطفون معها من المستقلين. من أجل أن تنجح حكومة الوحدة في مواجهة هذه المخاطر، وفي التأسيس لمناخ وطني جديد يساعد علي التعامل مع القضايا الأخري الأكبر، لابد من توفر شرطين ضروريين: الأول، أن تدرك القوي المختلفة، وتلك التي تورطت في المشروع الاستئصالي الانقسامي علي وجه الخصوص، أن الفلسطينيين، والإسلاميين بينهم، قد صمدوا بالفعل في مواجهة الحصار، وأن سياسة الضغوط والتجويع والتفجيرات الداخلية لن تحقق نصراً سياسياً. والثاني، أن تنهض قيادات فتح التاريخية لتحمل مسؤولياتها تجاه الحركة وتاريخها وتجاه الشعب والقضية الوطنية. علي هذه القيادات أن تعيد التوكيد علي ثوابت فتح وتاريخها، وعلي أن حضور الحركة في الساحة الفلسطينية وفي المساهمة الفعالة في تقرير مستقبل القضية الوطنية مرهون بتعاملها الحكيم مع المتغيرات الكبري التي شهدتها الخارطة السياسية الفلسطينية خلال العقدين الماضيين. إعادة بناء منظمة التحرير ليس ترفاً هامشياً، وليس مطلباً للقوي الفلسطينية الإسلامية غير الممثلة في المنظمة، ولكنه أيضاً مطلب قطاع كبير من الفلسطينيين، بما في ذلك أولئك الذين لا ينتمون لقوة سياسية معينة. وإن نجح الفلسطينيون في إعادة بناء المنظمة، وإحياء دورها مرة أخري كمظلة لكافة القوي والتجمعات الوطنية، فربما سيمكن توفير ساحة لتفاعل التوجهات المختلفة وتحديد سقف لمنع الخلافات من التفاقم. أولئك الذين يعتقدون أن المستقبل القريب يحمل تسوية ما تعيدهم إلي المواقع التي أخرجهم الشعب منها مخطئون، وأولئك الذين يتصورون أن القضية الوطنية مهددة بهذا الموقف أو ذاك مخطئون أيضاً. لا دولياً ولا إقليمياً ثمة ما يؤشر إلي تسوية سريعة للصراع علي فلسطين؛ والدافع الرئيسي لمساعي التهدئة الأمريكية يرتبط بأهداف السياسة الأمريكية في العراق وإيران لا في فلسطين. ثمة طريق طويل علي الفلسطينيين أن يقطعوه قبل أن يروا النور في نهاية النفق؛ وعلي هذا الطريق ليس هناك أهم وأكثر حيوية من الوحدة الوطنية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية