الخيار الممكن
الياس خوريالخيار الممكنالكتابة صعبة في هذا الزمن الصعب. غير ان مواجهة المصاعب والتعلم من دروس الهزيمة والتراجع، هما الوسيلتان الوحيدتان من اجل بلورة مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية، ورسم افقها في الحاضر والمستقبل.يخطئ من يظن ان الهزيمة الانتخابية التي منيت بها حركة فتح ومعها القوي السياسية الأخري في منظمة التحرير، هي مجرد تصويت احتجاجي ضد مظاهر الفساد والشللية التي سادت في صفوف السلطة الفلسطينية. صحيح ان الفساد وروح السلبطة وانعدام الأخلاق لعبت دورا في تهشيم صورة الحركة الوطنية الفلسطينية، ويجب ان تمتلك الأطر المناضلة في حركة فتح المبادرة الي تطهير الصفوف من الانتهازيين والمتسلطين الذين اثروا علي حساب عذاب الشعب الفلسطيني وفقره. غير ان نتائج الانتخابات تشير الي ظاهرتين سياسيتين متلازمتين تكادان ان تنجحا في الاطاحة بتراث حركة وطنية عريقة بقيت الحركة العلمانية الوحيدة المقاومة في العالمين العربي والاسلامي.الظاهرة الأولي، هي موت السلام الفلسطيني ـ الاسرائيلي، وانهيار اتفاق اوسلو وخريطة الطريق. لقد قامت اسرائيل ومعها الولايات المتحدة بعملية اغتيال منظمة ومتدرجة لاحتمالات سلام يمتلك الحد الأدني من الاحساس بالعدالة. من كامب ديفيد الي زيارة شارون للمسجد الأقصي الي النزق الباراكي الذي اوصل الأمور الي الحائط المسدود، ممهدا لعودة الليكود بزعامة ارييل شارون الي السلطة. لقد وعت القيادة الفلسطينية هذا المنزلق الخطير الذي اراد ان يحول حلم الدولة الفلسطينية الي كابوس وصل الي ذروته في حصار المقاطعة، حيث مات ياسر عرفات بسم القهر والحصار. غير ان بناء السلطة الذي قام علي تهميش التنظيم واستبداله بالأجهزة، وجد نفسه اسير ما يشبه العجز عن ادارة انتفاضة شاملة تحتاج الي تعبئة كل طاقات الشعب. لذا لجأ تنظيم فتح الي تأسيس كتائب شهداء الأقصي، وبناء اطر للمقاومة الشعبية. غير ان هذا البناء بقي علي هامش التنظيم لأن التنظيم صار اسير السلطة. بدل ان تكون فتح ممسكة بالسلطة، امسكت السلطة بفتح، مما قاد، وفي ظل التصفية الوحشية والاعتقالات الجماعية التي مارسها الاحتلال، الي ما يشبه الفراغ التنظيمي، الذي قامت حركة حماس بملئه في مؤسساتها التربوية والاجتماعية وعبر جناحها العسكري.غير ان موت السلام، وخصوصا بعد القرار الاسرائيلي بالانسحاب الآحادي من قطاع غزة، الذي كان يعني رفض الاعتراف بالرئيس الفلسطيني الذي خلف ياسر عرفات كشريك، علي الرغم من السمعة السلمية التي يتحلي بها محمود عباس، لم ينعكس علي الموقف السياسي الفتحاوي الذي انتقل من الخطاب العرفاتي الذي يدعو الي السلام من خلال خيار الصمود، الي خطاب السلام من دون خيارات كما في خطاب سلطة محمود عباس. فجأة، وامام الاصرار الاسرائيلي علي تنفيذ المخطط الآحادي، بدت السلطة ومعها حركة فتح وكأنها فقدت خطابها السياسي، وحين تفقد السلطة خطابها فانها تمهد لسقوطها.هنا تبدأ مسؤولية مــــروان البرغوثي ورفــــاقه في تنظيم فتح. قبل السقـــوط الانتخابي لم يكن من الممكن هز اطر متكلسة، اما بعد الهزيمة الانتخابية، فان المهمة الأولي هي استعادة خطاب المقاومة الوطنية واستعادة التنظيم لنفسه بعد تحرره من دهاليز السلطة وسطوة الأب التي غابت مع ياسر عرفات.الظاهرة الثانية هي الصعود العام للحركات الأصولية في العالمين العربي والاسلامي، وهو صعود مرتبط بعاملين اساسيين: حماقة السياسة الامريكية وغطرسة القوة التي قادت الي اجتياح العراق من جهة، وفساد الأنظمة السياسية الديكتاتورية والتقليدية، التي فقــدت مع انهيار شرعيتها الوطنية كل شرعية. كان من الطبيعي، في ظل الحصار المالي العربي علي الفلسطينيين، وفي مناخ انسداد احتمالات الحل السياسي السلمي، ان ينعكس نمو المد الاسلامي الأصولي علي فلسطين.غير ان انعكاس واقع ما يطلق عليه اليوم اسم الصحوة الاسلامية ، ما كان ليطيح بفتح ومنظمة التحرير في الانتخابات، لولا الارتباك الذي خلفته مرحلة اللاتوازن السياسي التي اعقبت موت السلام.من هنا فان اعادة بناء الأفق المقاوم لفتح، واخراجها من دهاليز التباس السلطة والمقاومة، هو المهمة العاجلة، ليس من اجل حماية الخيار السياسي العلماني في فلسطين والمشرق العربي فقط، بل من اجل حماية القضية الوطنية، والحفاظ علي استقلالية القرار الوطني الفلسطيني.ان فتح المتحررة من اعباء السلطة، التي لا تملك من السلطة حتي اسمها، والتي تتخلص من الانتهازيين وبيروقراطية الأجهزة والمخابرات واصحاب القصور، تستطيع ان تستعيد الخطاب الوطني في فلسطين والشتات، وتعد الشعب لفصل جديد ومرير من معركة الاستقلال الوطني. هذا لا يعني بطبيعة الحال اللجوء الي الاساليب الحمساوية، علما ان فتح كانت اول من بدأ بالعمليات التفجيرية من دلال المغربي الي آخره، بل عبر بناء اساليب نضالية جديدة تمزج العمل المقاوم داخل الاراضي المحتلة عام 1967 فقط، وضد جنود الاحتلال والمستوطنين، مع رفض حازم للقيام بعمليات داخل الخط الأخضر وادانة العمليات ضد المدنيين، بعمل جماهيري منظم ومتواصل ضد الجدار وضد اشكال الاذلال الاسرائيلية التي لن تتوقف. تمتلك الحركة الوطنية الفلسطينية فرصة كبري لانقاذ نفسها وانقاذ الخيار الوطني العلماني الديمقراطي، وهذا يتطلب ثورة في الثورة، تزيل الاوهام، وتعلن ان معركتها مع الاحتلال لن تتوقف الا باندحاره وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة علي كل الأرض التي احتلت عام 1967. انه الخيار الوحيد، وهو خيار ممكن رغم كل الصعوبات.0