الخيال في الشعر هو الواقع الحقيقي. . في إصدارين لليمني عمار النجار

حجم الخط
0

يتوسل السرد في لغته لصيد الصورة بين المختلف و الأثير:

محيي الدين جرمة فاجأ الشاعر اليمني عمار النجار زملاءه وقراء ه في ساحة الثقافة اليمنية بكتابين يمثلان إبداعا وعلامات امتياز مقارنة بإبداعاته وبعناوينه السابقة والمتمثلة بـ’ الصيرورة. . شجرة تثمر فؤوسا’ 2002 و’الإنسان والفراشة’ والأخيرة كانت ترجمت للإنجليزية في 2005. وهما عملان أيضا عكسا خصوصية اشتغالاته وبصمته في الاختلاف لا التشابه. في’الرقص مع العجوز’و’خطوات الرمادي’ يذهب النجار بعيدا في إبداعات جديدة تضمنتهما مجموعتاه الجديدتان الصادرتان عن مؤسسة الشرق الثقافية – بصنعاء حيث يقدم احترافية لافتة برؤية تملك أثرها وحركة تأثيرها الحر. كما يخوض جولات فارقة السفر، ويموضع اشتغالاته الجديدة ليعزف منفردا أغنية تحلمها الكلمات وتشتاقها حنايا اللغة وشغف التلقي. تجربة تختط لنفسها مسارا أفقيا دونما كلل أو اتكاء على حداثتها الباكرة. تحصي في الورقة عزلات خضراء يستودعها النجار قصائد في شكل ومضات تأسر مؤولها بقدرة مدهشة في رسم اللا توقع ودونما إبهام. يجنح الراقص مع العجوز إلى اصطياد المسافة، توق تسبقه إلى الفهم بإحساس وبلاغة صور تتدفق من مصبات، تتخللها طرائق أسلوبية تحمل جهد تراكميا وتستضيء بشغف الحلول وأكثر من طيف إبراق ولغة تعكس هوية غزارتها وعشب سيلانات شعر بنكهة العنب. يندر أن لا يتهيأ قارئ تجربة عمار النجار مسبقا لما لها سياقات أفق مختلف ولغة نابهة كغواية لا تعترف بخطأها وخطاياها. وبخاصة حين يتعلق الأمر بصروح شاعر. شاهق لا تسلم نصوصه من تندر الهشاشة والتلصص على الشعر. فكم دأب الشاعر في السر وفي العلن أن يحتاط لاستقبال ثمار أشجاره وجناها. الشاعر كان مارس شبه قطيعة مع القصيدة من 3 سنوات أو أكثر. وعد ذلك بالنسبة لبعض الشعراء نوعا من التصريح الجارح للشعر والنبذ. أو كشبه طلاق مع القصيدة. غير أن الشعر تبقى له علاقة السحر بصاحبه فيما يغدو الشاعر هما ونايات كتب وانفساحات معنى ومناجم انتظار. صوره تلد حضورا حتى في أقسى غيابات الشاعر عن قصد اللحظة الماتعة. الشاعر يتماهي في تفاصيل عباراته وصوره. يمكر برهافة الاحتشاد الماثل بصمت. لينأى حتى إشعار آخر وبشيء من العمق ونظرة البحر عن قطيع ما تورده إبل الشعر في وبر الأسواق ونفط الغابة المحترق. القصيدة في هاتين المجموعتين تفيض بحرية الشعر في الشعر وبالشعر. فحينا يغرف من أكثر من نبع وطورا يحتسي الجدول من قطراته. ومضات آسرة يجنح الشاعر خلالها لتوظيف السرد في التجربة وفي كشف جديد ليمنح نكهة للصورة الشعرية التي تولد فضاءات ودروبا ليصل الشاعر ونوعية متلقيه إلى غايته ويخبر أساليبه في إدارة اللحظة الشعرية كما يجترح غربة الغناء محررا نصوصه من تماهي المباشر وتقرير مسرد اللغة ليضيء تفاصيل شعرية مختلفة ومثقلة بخفة الومضة وعتب البرق السارد. العتبة نصوص معشبة بوهج الصورة كعناقات الوتر الماثل في جنة الإصغاء، كما في استهلال الشاعر كمدخل استلهام دلالة الإهداء ‘إلى ذكرى الموسيقار محمد القصبجي’ فبين موسيقى وذكرى نتوجس أننا ننسى عبور الشاعر كراء يؤثث الطريق في ‘خطوات الرمادي’ لسيرة الماء وتركيب المغايرة المشعرنة والمعجونة ببصر المتراكم في تثاقف الشاعر إنسانيا بحضارة الكلمة وحوارها. بما يفضي به اشتغاله من توسل السرد إلى جوهر الشعر: القصيدة: أو قصد الحكمة المقطرة. ولنفاجأ بأن من أدلى بما يشي بقطيعة مع الشعر أو ‘استقالة’عنه كما سبقت الإشارة بتصريح سابق. غير أن الشعر بقي في وريد الشاعر ومزاجه الطقسي الحي: يستفز المعنى في الدواخل. وكما يشرح المطر الجهات، فقد انتظرنا ولم ينتظر ‘الرمادي’. بيد أنه بقي يقاوم العراءات بينما يراهم كما يقول: ‘يلجأون للدواء. ليقاوموا النهاية رغم أن الأدوية كلها تحمل تأريخ انتهاء’ (خطوات الرمادي). الشاعر هنا يأخد بفطنة مخيلته في الدهاب بعيدا عن المنمط وبديهيات الهدر باسم الشعر كما يخوض في ذلك أدعياء كثر وفي اليمن بخاصة. ليبقي على مساحات ضوء دافئة الملامح. بتلك الافضية غير المطروقة كمن يؤثث ‘طريقا للطريق’. هي السيرورة إذا مطلق لغته وهوائها الذي بلا نرجسية. وحيث الشعر فائض الأمكنة يحيل إلى رؤى تبهج متعة التلقي وتأويلاتها. فقد لا تشعرك سوى بتوق مختلف لثورة تضيف على مستوى الفعل الشعري. القصيدة في تجربة عمار النجار ليست ترفا للاستهلاك في عموميته. لكنه يقودها باتجاه خيال سينمائي متسقا مع تنوير الشاعر وتماسه بثقافات الشعوب بتجربته المجربة وصوفية مبتكرة. وتمتلك مرجعيتها الخاصة المستقاة من مختبره وتصويره كلما يمتح بلا ريشة سوى من خفة خياله حين يكتب من كشف إلى آخر. ثمة نصوص مكينة لمفردات تخلق فضاء محاكاتها: لتتفرس أمداء الماء وخيارات الصورة بتنويعات المشهد واللحظة. كما في طبيعة الهايكو بأجواء سفره وبراحه الواسع. لغة تضخ الشعر عنوانا ونظرية في اقتصاد اللغة وتهيب الوتر المشاكس، لتفضي إلى مسارات تمتح من رف معرفة متراكمة الوجع والتصوف المهجوس بالأنسنة والاستيحاد. كما يحيل إرثها إلى بدايات باكرة الطلول. النقطة وجود أفق في شعر النجار وتضاريس حكمته وبهار شعره المبثوث في مسام جمله ونصوصه المقتصدة اللسان. وهو ما تنتجه المسافة الشعرية في تأمل أنطلوجي وجودي متفرد عبر تحديث الصورة مع العمل بحيطة النأي كثيرا عن البناء النمطي أو الاجترار. فيما تمتاز تجربته بامتداد حداثة مزامنة لصيرورة ضالعة الفكر والمشي بخيالات مجاوزة. تحلم كمن يتخيل خارج أمكنته المألوفة. كأعمى يقوده الشعر في ‘خطوات الرمادي’ يقارب الشاعر النجار معرفة عبر القصيدة ويحلق في سماء من اشتغال الكلام والمفارقات بحلاوة فراغها الممتلئ. قصيدة النثر في مخيال الشعر توجد قبل الشاعر. رئة ثالثة لهواء واقع بديل يؤثث بومضاته المضيئة عالما يثور في امداء كثيرة. كما يستحدث مختبر الشعر لديه تقنيات الفنان وأسلوبيته المتطورة صمتا غير مشوب بتكهنات. واذ تتضح الرؤية في لحظات ‘الرقص مع العجوز’ تتخلق هنا قصيدة تجربة تتغاير في الشكل وفي كتابة داخل الكتابة. لتعتني بالشكل بطاقة شعريته المفتوحة على نوافد آهلة بلا تحفظ مفارقاتها المستمدة من ساقط ضوء لا ينقطع. وتبرز القدرة في إبداع الجديد في الأسلوب ووظائفه التي يمارس عبرها الشاعر مدنية عالية في إدارة الشعر كمؤسسة على طريقته وتمرده ولغته الجارحة أيضا بفنها ودهشتها تماما: كأغنية أثره بالتجريب والتنقيب وصب القصيدة بتعاقد حذر قد لا يألفه سوى لا مألوف كتابة ناشطة تبرئ نايات الشاعر وأشجاره وقصب سبقه وصوره. أخلص إلى القول بأن الشعر في هاتين المجموعتين من يصنع خيالاته بنفسه. فلا يطيق الواقع بقدر ما يصنع واقعا. ليقترح كون الخيال في الشعر هو الواقع الحقيقي. يقول في ‘خطوات الرمادي:’لا جدوى من محاولة العودة إلى نهر لن ينتظرك حتى تعودي’وفي هاتين المجموعين تلمس تركيبات الشعر صافية وعذبة بملوحة وجع البحر’ يلتقط نهارات غير النهارات التي تعاني الإظلام المزمن. والشاعر حين يختبر الرؤى في مخاض الشكل يكتب: ‘النار التي لم تحرق أصابعي أتاحت لي رؤية الأشياء في ضوئها بعيون صافية من ملوحة الوجع’. ولعل الشاعر في ‘الرقص مع العجوز’ و’خطوات الرمادي’ يحرر ظلاله القديمة فلا تجد في خطواته من أثر لقدم خيالات أو رماد سابق وصور بعينها فقد جاوزها بصمته وبصمته في آن. ومن زاوية أخرى لا ينافسه في الشعر سوى اختلافه. كما تسيل أوردة صوره في جهات كثيرة بينما يتوسل السرد في لغته مفضيا إلى صيد الصورة في فراشة المعنى المختلف وشعرية الأثير. كاتب يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية