الخيال مريض، الرسم مريض: لمَ لا يكف الرسامون العرب عن الرسم؟

حجم الخط
0

فاروق يوسفمنذ عقدين من الزمن أو أكثر والفنون التشكيلية في العالم العربي تراوح في مكانها. ما من شيء مما صار يفعله الرسامون والنحاتون يُذكر بالأزمنة التي كان فيها النتاج التشكيلي قادرا على صناعة ذائقة الناس الجمالية. والناس هنا كناية عن النخب القليلة التي كانت (لا تزال) ترى في النظر إلى القطع الفنية محاولة لتنظيف عيونها من نفايات الواقع الكئيب. من ابتذاله البصري. أفضل ما رأيناه خلال العقدين المنصرفين كان عبارة عن استعادة رثة لما أنجزه فنانونا في العقود السابقة (هناك استثناءات نادرة طبعا). استعادة تحضر على استحياء، ذلك لانها تدخل إلى عالم الفن من باب التقليد والتماهي الممل والنسخ البريدي ليس إلا. في أحسن أحواله ظل الفن سجين ماضيه المضطرب. ما أن يلقي المرء نظرة سريعة واحدة على معرض حتى يضيق صدره فتتوق روحه إلى تنفس هواء الحرية خارج قاعة العرض. أما في أسوأ أحواله (وهو ما تجسده غالبية ما صار يُنتج مما يسمى وقاحةً بالأعمال الفنية) فلا تليق به أية صفة متاحة لغويا. ربما سيكون علينا حينها أن نتحدث عن انحدار وانحطاط في القيم الإنسانية والأخلاقية والتربوية، اما الجماليات فهي براء من كل ما يجري. لم يعد الجمال زخرفا معتوه الجهات. وإذا ما كان العقدان الأخيران قد تكرما علينا بعدد محدود من الفنانين الحقيقيين، المجاهدين والمكافحين والمعذبين وحاملي الألم والفاتحين في مجال الرؤيا الجمالية وتطوير أدواتهم ووسائلهم التقنية، فلا مناص من الاعتراف ان الجزء الأعظم من ذلك الزمن كان ملعبا للمهرجين والمحتالين واللصوص ومراهقي الفن والسماسرة والمناورين والمراهنين وملفقي الحكايات العاطفية الرخيصة وذوي الأساليب الملتوية التي تقيم مصائدها خارج الفن من أجل الكسب المادي السريع من خلال ما صار يسمى فنا.كان انحطاط الفن مرآة لانحطاطنا. قد يذهب ذهن القارىء إلى الانحطاط الثقافي وحده. ولكن الأمر يتخطى كما قلت ذلك الخط بكثير. فحين يكتشف نفر من المفلسين ضالتهم في الفن ويستعملونه وسيلة حاذقة للاستيلاء على أموال الحمقى والمغفلين والجهلة من الأثرياء الجدد، يكون الموضوع محرجا على المستوى الأخلاقي. لقد جرى اتفاق ضمني بين فنانين فاشلين وأصحاب قاعات قرروا أن يراهنوا على التودد إلى ذائقة شعبية (بالمعنى الرخيص) من خلال الفن، وهي ذائقة محدثي النعمة من ارتقوا سلم الفساد إلى أعلاه، وهو اتفاق يمكن أن يرقى إلى مستوى الجريمة الأخلاقية. لقد شيد الطرفان (الفنانون وأصحاب القاعات) معادلة نجاحهم على حساب كرامة الفن وحريته ورقي قيمه الإنسانية. ولأن الفن لا يُجرح إلا مرة واحدة، فقد جرت المياه الملوثة تحت الجسور، صار القلب لا يستقبل إلا دماءا مسمومة، امتلأت العيون بالقيح الذي يصور الشياطين على هيأة ملائكة، فانتهى أمر الفن. لقد فسد الفن، بعد أن مزجت عصارته النبيلة القليلة بالكثير من الصبغ الزائف. اليوم لا يمكن تمييز التجارب الأصيلة (وهي نادرة) من بين التجارب الزائفة الكثيرة التي تحيط بها من كل الجهات، بعد أن استولت عليها، قلدتها، استباحت فضاءها، مرغت عناصرها بالتراب الصناعي، باعتها بأرخص الأثمان بعد أن حلبتها. من المؤكد أن الفنانين العرب الحقيقيين ينظرون بأسى إلى ما يجري غير أنهم لا يملكون أن يفعلوا شيئا إزاء هذا الواقع الكارثي الذي لا يكف عن ابتكار تجلياته. حتى صيحتهم لن تصل. هكذا يعتقدون. لذلك فضلوا أن يصمتوا وينزووا جانبا. ستمر العاصفة. غير أن العاصفة لن تمر إلا بعد أن تحمل معها كل ما تبقى من أثر خالد للجمال. لن تبقي تلك العاصفة وراءها إلا القبح.بلدان قبيحة بآثار فنية وشعوب تثني على القبح باعتباره نوعا من الهوية.أرجو ان لا يلجأ احد من القراء إلى استعمال مفردة (التشاؤم) في وصف ما أقول. لنتأمل واقعنا قبل أن ننطق بحكم من ذلك النوع. فالشؤم صار يتقدمنا. يمشي بأقدامنا ويصنع مصيرنا. صار الشؤم قوسنا ومحيط الدائرة التي تحيط بنا. ومع ذلك فإن الحفلة لم تبدأ بعد. ما ينتظرنا سيكون أقسى وأكثر صرامة في تشدده ضد الفن الراقي والنبيل والبطولي والطليعي. والفن هنا مفردة غامضة صار يُساء استعمالها من قبل جماعات صارت موقع ثقة من قبل مجتمعاتنا ليذهب معناها إلى الفجور. سنقول انهم يقفون ضد الجمال ونحن نتأمل المقولة التراثية ‘الله جميل ويحب الجمال’. وهي مقولة، تبين أن لا أحد من العرب يؤمن بها. ما تعنيني هنا الآن الإشارة إلى حجم وضراوة الخيانة التي مارسها فنانون فاشلون وأصحاب قاعة (معتبرة) في حق الفن حين استعملوه لنشر القبح بين الناس، وهو ما مهد للأصوليين طريق الاستيلاء على حياتنا. لقد تم انتهاك خيالنا من قبل. وحين دخلنا إلى المنطقة التي تتحكم بها معادلة (حلال ــ حرام) كان هناك من بين الفنانين مَن جهز عدته للدخول إلى سباق، هو على يقين من الفوز به لما يعرفه من أسرار ذلك السباق. وهكذا يكون الفنانون قد أخذوا الفن إلى المجزرة، هناك حيث يقف فقهاء الظلام ليقرروا ما أحل (الله) وما حرمه من جسد الحيوان. هنا، في هذه اللحظة التاريخية، لم يعد الفن ضرورة. وكما أرى (هذه وجهة نظري الشخصية) فان على اولئك الفنانين، بما تبقى لديهم من شرف انتماء إلى الفن، أن يتركوا الفن، ولو مؤقتا. يتركوه ليرتاح منهم ومن رعاتهم الفاسدين. لقد أساؤا إليه كثيرا، غير أن تلك الاساءة ينبغي أن لا تصل إلى مرحلة الذهاب به إلى الجحيم ومن خلاله بكل ما تبقى من القيم الأخلاقية النبيلة. صار مخجلا بالنسبة لي النظر إلى قطع تافهة وسطحية وساذجة وبلهاء تُعرض على الناس باعتبارها أعمالا فنية وفي قاعات سبق أن شهدت عروضا فنية لافتة. هناك اليوم مَن لا يزال يتحدث عن التراث والهوية والأصالة متحمسا لعروض لا تمت إلى الف باء الفن بصلة. علينا أن نعترف أن الفن التشكيلي في العالم العربي قد مر خلال العقدين الأخيرين بحالة احتضار وقد ذهب بعدها إلى موته. من أجل أن لا يُساء فهمي، أرجو المقارنة بين ما كنا عليه وما نحن الآن فيه. رسامو اليوم لا يعرفون ما الرسم. لا أطالب هنا بالأصالة الشخصية في الإبداع، انا أعرف أن هذه المطالبة ستكون نوعا من الجنون، ولكن مطلبي الوحيد يذهب إلى محاولة التعرف علي شيء من مقومات الحرفة. ما من شيء من ذلك. أما النحاتون فإنهم يشكلون أقلية غامضة، لا ينظر أحد إلى نتاجها الابداعي إلا باعتباره قطعا لتزيين الجدران والحدائق المنزلية.كنا في مرحلة سابقة نسخر من امرأة ثرية تشتري لوحة لان ألوان تلك اللوحة تنسجم مع ألوان أثاث غرفة الاستقبال في بيتها. الآن صارت تلك السيدة الثرية تفرض الوانا على الرسام تكون منسجمة مع أثاث غرفتها قبل أن يرسم ذلك الرسام لوحته. صار الرسام خادما مذلا ومهانا ومستباح الخيال. أما الرسم فقد صار وسيطا، على قدر عظيم من البلاهة والميوعة والغنج بين سمسارين يدركان أن الحرير الذي صار بين أيديهم قد اهترأ منذ زمن بعيد. استعمال الفن هو عدوه. حتى وإن كان ذلك الاستعمال يجري من أجل غايات نبيلة فانه يقلل من قيمة المعنى الذي ينطوي عليه الفن. فكيف به إذا كان يجري من أجل غايات سوقية، طرفا معادلتها الربح والخسارة؟ وكما قلت سابقا فإننا قد خسرنا الفن منذ أكثر منذ عقدين. لم يعد الفن نصيرنا الجمالي ولا رفيقنا في ليل اسطورتنا الإنسانية السامية. صار الفن يخدم عدونا الفئوي والطبقي والأخلاقي. صار الفن أداة بيد الفئة (الطبقة) التي تراهن على الثبات والتحجر والتقليد والابتذال والرخص وصولا إلى الامساك بالسلطة والتسلل إلى التاريخ. لذلك لم يعد معنيا إلا بانتاج الأشكال المريحة لعيون أعماها الكسل الفكري وغمرتها المياه الآسنة. في الغناء والموسيقى صار الكومبيوتر يؤلف ويلحن ويغني، وهو ما يجري للرسم أيضا. شيء من هذا القبيل يمكنه أن يشكل خطرا، مؤكدا على أسباب حياتنا. الأسباب التي تجعلنا نقبل على الحياة برضا وتفاؤل ومحبة. لذلك أرجوكم أيها الرسامون أن تتركوا الرسم، لا ليتعافى من آثامكم وشروركم وضألتكم حسب، بل وأيضا ليكف عن الحاق الضرر بنفسه وبنا. الرسم في العالم العربي مريض. الرسم اليوم مريض. وهو ما يشير إلى أن المجتمع كله صار مريضا. ما نراه لم يعد صورة عما نتخيله، بل صورة عما مررنا (نمر) به من غير أن يتاح لنا تغييره. لقد استسلمنا زمنا طويلا فكانت النتيجة أن ذهب المجتمع كله إلى لحظة العمى الجماعي التي نعيشها الآن. الرسم كان جزءا من المشكلة لذلك أقول: ‘أيها الرسامون العرب كفوا عن الرسم’ qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية