بيروت ـ من إيلي عبدو: تفصل مسرحية ‘تيكي كارديا’ السورية التي تعرض حالياً على مسرح بابل في بيروت بين الحدث السوري الراهن وبين الخشبة. والانفصال في مدلوله الأولي تمرين على الحياد أو رفض متقصد للتورط بالسياسة. الخيانة الزوجية التي يتخذها النص كبؤرة حدثية تتصاعد منها إشكاليات عدة، يمكن أن تصيب الموالي والمعارض، كما أن الأثنين يمكن أن يتصرفا كما فعل ميشيل وبول بطلا العمل.
الواقعة الاجتماعية تستقيم على مسلك عادي ـ داخلي يتجاهل ترددات الخارج. لا شيء يلوث المسار الدرامي للنص، الأحداث تمضي بترتيب وعناية. وكأن فكرة الخيانة الزوجية التي يقوم عليها العرض لا تريد خيانة نفسها بشوائب عامة. ولكي تنجح هذه الترسيمة لابد من بنائها في مجتمع ناجز لا تعتريه أي مشكلات. المخرج جميل ارشيد تجاوز في نظرته لااكتمالية مجتمع بلاده ليحيلنا عبر اسماء الشخصيات والمدن إلى فرنسا.
ذاك أن التوازي بين الخيانة الزوجية وسوريا المحترقة لا يستقيم. لابد من فرنسا مكاناً لاختبار الحدث، سيما وأن النص مأخوذ عن مسرحية ‘الحقيقة’ للفرنسي فلوريان زيلير.
محاولة سورنة الحوارات وتأديتها باللهجة المحلية لم يخفف من وقع الانفصام الفاضح. وهو انفصام لا يتحدد بالتخلي عن الواقع الراهن الملتهب في سوريا إذ يحق لأي فنان أن يتجاهل كل ما يحصل في بلده ويلتفت إلى ما هو إنساني كما اوحى مخرج العرض في البروشور التسويقي للمسرحية. لكن الانفصام يتبدى هنا باكتمال الواقعة الإنسانية وانحسارها في فضاء واحد. أي أن الخلل يكمن في تبادل الخيانة بين كائنات تفتقر إلى الامتداد المجتمعي.
بمعنى آخر ليس الخارج السوري هو ما يغيب عن المسرحية وإنما الخارج بحد ذاته. ينكفىء النص نحو الفضاء العائلي الضيق ليخرج من رحمه فضاء الخيانة بين الأصدقاء وزوجاتهم، كل صديق يبادل صديقه الخيانة في لعبة ضيقة الأفق تقتصر أسئلتها على زمن العرض. هكذا تتصادم فكرة الخيانة داخل وعي الشخصيات وتفرز اتجاهات متضادة. من يخون من؟ هذا السؤال العبثي يتردد في ذهن المشاهد بدون أن يجد إجابة اخلاقية قاطعة. ما يفسر إطلاق المخرج على عرضه اسم ‘تيكي كارديا’ وهو مصطلح طبّي يُطلق على أحد أنواع الاضطراب الوظيفي الذي يصيب القلب.
لم تخرج سينوغرافيا العرض عن أحادية النص وانغلاقه الزمني، إذ تشابهت الفضاءات المسرحية تبعاً لحركة الأحداث وبداهتها. غرفة الاوتيل حيث نام ميشيل مع زوجة صديقه بول تشبه البيت الذي يلتقي فيه زوجته، وكذلك مسرح التنس وعيادة أليس . المكان إذا يسابق النص في انغلاقه ويجاوره في لعبة الزمن العائلي الخياني الجامد. الممثلون يلعبون هذه اللعبة أيضاً بأداء عادي يسعى إلى التصالح مع فكرة الخيانة المرتبة والنظيفة والبعيدة عن شوائب المجتمع الخارجي وتناقضاته.
هكذا تدور هواجس العرض وأفكاره داخل دائرة مغلقة وتتضاءل حمولته المعرفية. الخيانة التي تحمل بطبيعتها منطقا نفسياً معقداً تقتصر معالجتها على إشكالية الحقيقة واسئلتها المألوفة. وإذا صح أن معالجة النص تجنبت الوعظ المباشر الذي يذنب عادة مسألة الخيانة ويجرمها اخلاقياً فإن وعظاً مبطناً تلطى وراء نازع شكي ظهر في النص، كما لو أن سؤال الحقيقة الذي ورد عدة مرات على لسان الشخصيات أقرب إلى الجواب المدرسي حول إشكالية الخيانة. تيمة الحقيقة ليست سوى نهاية حتمية لمسار النص المختنق بفضائاته أوهي حل مقنع ينقذ الفكرة نفسها من مناخاتها الضيقة. العرض كان بحاجة للخروج من ثنائية الخيانة والحقيقة والاختلاط أكثر بشوائب وتناقضات وشقوق تجعله اكثر مرونة في إعلان مشهديته.
لا يكفي أن توضع فكرة الخيانة الزوجية في إطار إشكالي يبحث في هاجس الحقيقة داخل وعي الشخصيات التي لا تكف عن خيانة بعضها. لابد من فتح الفكرة على آفاق آخرى يخرجها من فضائها العائلي الضيق ويجعلها على تماس مع الخارج المجتمعي والسياسي والمعرفي. الكثير من الإشكاليات تقع في فخ الجمود لاسيما على المسرح وتتحول إلى وعظ مضاد وحين يكون العرض سورياً فإن الجمود يتضاعف ليس بسبب تجاهله للحظة الراهنة بل لانه يستبدلها بلحظة آخرى تتوسل العادية داخل مناخات ضيقة. لابد للخيانة أن تتلاصق أكثر مع الخارج وتتلوث به.
‘تيكي كارديا’ اشراف عام :مكسيم خليل
الممثلون: أويس مخللاتي وبتول محمد وأروى عمرين
وميّار اليكسان.