الخير أن تكون قائمة على خبرةٍ وتجربةٍ وثقافة: الكتابة النقدية والمذاهب المستوردة

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

نقرأ في هذه الأيام عن نوع من اليقظة في الكتابات الأدبية تدور حول النقد الأدبي والناقد، لا يخلو بعضها من الحماسة والتلويح بسَعة المعرفة بكتّاب النقد الأجنبي، وذلك عن طريق ذَرذَرة الأسماء الأجنبية لكتّابِ النقد وأعمالهم التي قرأوها في الترجمة في الغالب. والاطّلاع على ما لدى الآخرين أمر ضروري للكاتب لأنه يُشكِّل عنصر الثقافة الذي يؤكِّد عليه أول كتاب نقدي في التراث العربي لابن سلاّم الجُمَحي (757- 846) صاحب كتاب «طبقات الشعراء» الذي يؤكِّد على الثقافة، أي على «طبقات» من «الشعراء» إلى جانب التأكيد على عُنصرَي الزمان والمكان.
ومفهوم النَقد في العربية يقارب مفهوم النَقر، أي نَقر الدرهم أو الدينار لمعرفة قدر ما فيه من المعدن الثمين وما دونه من الشوائب. ولا يتيسّر ذلك للناقد أو الناقر إلا على قدر معرفته بالمعادن الثمينة وبالشوائب أيضا. وفي الإغريقية يكون أوّل ذِكر لمفهوم الناقد هو ما نجده في محاورة أفلاطون آيون، إذ يتحدث أفلاطون على لسان سُقراط مع آيون عن معرفته الواسعة بالشعر وبخاصة بشعر هوميروس، فيدعوه لذلك بإسم «رابسود» أي الذي يجمع الكثير من المعرفة بالشعر. فكان هذا أول وصف للناقد في التراث الإغريقي وهو ما يقارب في العربية من مفهوم» الأديب» الذي يأخذ من كلِّ عِلمٍ بطرَف، وهذا معنى الثقافة.
وفي تراث الشعر العربي نجد عنترة بن شداد يفتتح مُعلّقته بتساؤل العارف: هل غادر الشعراء من مُتردِّم! وهذا يفيد أن معرفته بالشعر عند من سبقوه تجعله يتجنّب الشوائب ويأتي بالجيد من الشعر، وهذه روحيّة الناقد: أي المعرفة بجميع ما سبقه من الشعر: أي الثقافة.
ومثل ذلك ما يُروى عن أبي نواس أنه قال: «ما نطقتُ بالشعر حتى حَفِظتُ لستّين من شاعرات العرب، فما بالكَ بالشعراء!» وهنا كذلك ينطوي هذا الكلام على روحية الناقد. فالشاعر هنا يشبه آيون في ثقافته الشعرية الواسعه فلا يأتي في شعره إلا بالأفضل، وهذا توجه الناقد.
والمتنبي الكبير كان يدرك أهميه الثقافة في ما يُنتج من شِعر. فهو القائل:

من مُبلِغ الأعرابَ أني بَعدَهم / صاحبتُ رسطاليس والإسكندَرا
وقرأتُ جالينوسَ شارحَ كُتبهِ / مُتَملّكاً مُتَبدّيا ًمُتحَضِّرا

ولا أحسبُ هذا إلاّ من باب «التَمَنفُخ» مثل قوله:

أنا الذي نَظّرَ الأعمى إلى أدَبي / وأسمَعَت كلماتي من به صَمَمُ

فلا أظن أن مكتبة دار الحكمة كانت مفتوحةً للرائح والغادي ليدخلها المُتنبي ويقرأ فيها ما تُرجم من علوم الإغريق وآدابهم، فقد كان الرجل مشغولاً بنظم المدائح لسيف الدولة حيناً ولكافور الإخشيدي حيناً آخر، انتظاراً لما في الكأس من فضلٍ ينالُه.
ولكن هَوَس الثقافة وتوسيع معارفِه يلحّ على الشاعر في الأقل ليكونَ لديه ما يؤهّله للتفريق بين الذهب والشوائب في شعر الآخرين، وبذلك يكون الشاعر الناقد خليفة»الرابسود آيون».
إذا استعرضنا تاريخ النقد والنقاد منذ أفلاطون إلى الوقت الحاضر مرورا بأصحاب النقد في تراثنا العربي مثل ابن سلام الجمحي في «طبقات الشعراء» وعبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» نجد أن الجميع يجعل الثقافة وسَعة الاطِّلاع في الآداب من شعر وغيره أساسا لممارسة النقد. ولكن ليس كلُّ مثقف واسع الإطلاع يسمى ناقداً إلا إذا كان يمتلك نظريةً في النقد تخصّه دون سواه.
وبهذا المعنى فإني لا أجد في تراثنا العربي بعد القرن الرابع الهجري من يستحق بجدارة اسم الناقد لأني لا أجد بعد إبن سلاّم والجرجاني من أصحاب النقد من يمتلك نظريةً في النقد تختصّه دون سواه. وفي العصور الحديثة، أي بعد الفترة العثمانية، نجد العديد من المتأدّبين العرب يمارس الكتابة النقدية وفي ذهنه نظرية ابن سلاّم ونظرية الجرجاني، يضيف إليها ما تعلّم من أصحاب النقد في أوروبا ويشير إليها صراحةً أو ضمناً، ولا أحسب من بين أمثال هؤلاء الكتاّب من يسمّي نفسه ناقداً. عندنا أدباء كبار وبعضهم يمارس النقد، ولكن أديباً كبيراً مثل طه حسين واسع الثقافة لم يدّع أنه ناقد، ولو أنه صاحب أول كتاب نقدي جادّ في عصرنا الأدبي الحديث. عندما أصدر كتاب «في الشعر الجاهلي» في أوائل العشرينات من القرن الماضي قال صراحةً إنه يتبع مذهب الناقد الفرنسي ديكارت صاحب نظرية الشك في تناول النصوص، ولم يدَّع طه حسين أنه صاحب تلك النظرية، لذلك لم يدّع أنه ناقد. وبعد طه حسين ظهر العديد من كتاّب الدراسات النقدية منذ أواسط القرن العشرين، ممن اطّلع على نظريات النقد الأوروبية، والفرنسية بخاصة. ولكن لا أحسب أن أحداً منهم قد ادّعى أنه صاحب النظرية الرمزية أو الواقعية أو الوجودية أو التفكيكية… ولو أنه كان يَصدر في كتاباته عن واحدةٍ أو أكثر من هذه النظريات الأوروبية في النقد.
ومن أبرز الأمثلة على أهمية الثقافة عند من يمارس النقد في مجال الشعر مثلاً ما نقرأ عند الشاعر الناقد الإنكليزي ماثيو آرنولد ( 1822- 1888). فقد نشأ هذا الشاعر في مدرسة «رَكبي» الشهيرة حيث كان والده هو مدير تلك المدرسة. وكانت الثقافة تعني الكثير في إنكلترا القرن التاسع عشر. وقد أتقن هذا الشاعر عدداً من اللغات مثل الإغريقية واللاتينية والفرنسية والإيطالية، وكان قد قرأ الكثير من آداب تلك اللغات وصار يقتطف الكثير منها بلغاتها الأصلية في كتاباته. وكان يشير صراحةً في «دراسة الشعر» إلى الإتّكاء على أمثلة التراث الشعري الأوروبي وبلغاتها الأصلية.
وهذا يعني في رأي الشاعرين الناقدين أن سَعة الثقافة وعُمقها هي التي تجعل من كاتب الدراسة النقدية ما يصح أن يُسمّى ناقداً.
والسؤال الآن: هل يوجد عند من يُسمي نفسه ناقداً، أو من يَمنحه آخرون هذا اللقب، من الصفات من ما يوجد عند آيون في القديم أو عند ابن سلاّم أو الجرجاني أو ماثيو آرنولد أو اليوت لكي يستحق هذه التسمية؟ لقد ذهب بعض أصحاب النظرية النقدية في فرنسا القرن التاسع عشر مثل زولا إلى أبعاد يَجدها بعضنا «مضحكة» في سبيل التحقق من صدق التجربة لدعم ثقافته «الواقعية» في نظريته النقدية. فقد نزل إلى مَنجم تحت الأرض لكي يفهم حقيقة مشاعر عُمّال المناجم قبل تصويرهم شخصياتٍ في رواياته. كما استقلّ آخر عربة قطار ظلّت ترجّه رجّاً لساعتين للوصول إلى «أقبح مدينة في إنكَلترا» كما قيل له، لكي يراها بنفسه قبل أن يتحدث عنها في رواياته! كل هذا لتكتمل ثقافة الروائي وتكون صادقةً في واقعيتها! ولتكون كتابته في نقد المجتمع الصناعي في بدايته نقداً يستند إلى تجربة.
ليس فخراً ولا مكسباً أن يقول المرء عن نفسه، أو يُقال عنه، إنه ناقد، بل الخير أن تكون الكتابة النقدية قائمةً على خبرةٍ وتجربةٍ… وثقافة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية