الرباط ـ «القدس العربي»: تعددت تسمياتها وتنوعت: «فيلاّ سيسنيروس» و«مدينة الرياح» و«لؤلؤة الجنوب» و«مالديف المغرب»… إنها مدينة الداخلة التي يلزم المسافر إليها، انطلاقًا من مطار الدار البيضاء الدولي، قضاء ساعتين كاملتين في الرحلة الجوية. أما إذا اختار السفر عبر البر فيحتاج إلى يومين تقريبًا، لأن المسافة بين العاصمة الاقتصادية للمغرب ومدينة الداخلة في أقصى جنوب البلاد لا تقل عن 1600 كيلومتر.
تشير المصادر إلى أن هذه المدينة كانت، خلال القرن التاسع عشر وبالضبط ابتداء من سنة 1884 تاريخ تأسيسها، مجرد ميناء صغير على الساحل الأطلسي، يقع عند مصب نهر «وادي الذهب» ويُعرف باسم «فيلاّ سيسنيروس». وتعود هذه التسمية المرتبطة بالفترة الاستعمارية الإسبانية إلى رجل دين اسمه فرانسيسكو خيمينيز دي سيسنيروس.
وخلال القرن العشرين، أصبحت الداخلة محطة هامة على خط الطيران المعروف بـ«الأيروبوستال» الذي كان يسهّل نقل البريد في جميع أنحاء العالم، ربطًا بين فرنسا وأمريكا اللاتينية وبعض البلدان الأفريقية. وقام كثير من الطيارين، بمن فيهم الشهير أنطوان دو سانت إكزوبيري، بالهبوط هناك. ويُعتقَد أنه كتب بعض أجزاء من كتابه «الأمير الصغير» خلال مكوثه في مدينة الداخلة.
وبعد «اتفاقيات مدريد» عام 1975 ضُمّت الداخلة إلى موريتانيا، ثم استعادها المغرب منذ 45 سنة. ففي يوم 14 آب/أغسطس 1979 ألقى وفود علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ سائر قبائل «وادي الذهب» بين يدي العاهل الراحل الحسن الثاني نص «البيعة» معلنين ارتباطهم الوثيق بالمغرب.
عرض طبيعي متنوع
ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف مدينة الداخلة عن التطور والتحول، إذ أصبحت اليوم مدينة حديثة بكل المواصفات الراقية، إذ شهدت نهضة عمرانية حافظت على جمالية موروثها المعماري، وتتنوع النشاطات فيها ما بين السياحية والصناعية والزراعية، فضلا عن توفرها على مرفأ للصيد بحكم غنى الثروة السمكية بها. واللافت للانتباه أن هذه المدينة أو شبه الجزيرة تجمع بين الطبيعة الصحراوية والشواطئ والكثبان الرملية والمحميات الطبيعية، ولا يتجاوز فيها معدل الحرارة 27 درجة، حتى في عز الصيف. وتتوفر بها حدائق ومساحات خضراء تمثل متنفسا للسكان، بالإضافة إلى عدد من المراكز التجارية والأسواق العصرية والمنشآت السياحية التي تستقطب زوارا من داخل المغرب وخارجه، كما يجد الزائر برنامجا متنوعا يشمل التعرف على تراث المنطقة وعادات سكانها وطقوسهم، بالإضافة إلى الرياضات البحرية وصيد السمك والجولات بالخيل أو بالدراجات أو السيارات رباعية الدفع.
منطقة الداخلة تعد مناسبة لمراقبة بعض أنواع الطيور، خاصة النحاميات الوردية التي تتجمع هناك في مجموعات كبيرة. كما يمكن العثور فيها على مختلف أنواع الحيوانات البحرية والزواحف وأنواع نادرة أخرى. ويشمل «منتزه الداخلة الوطني» المجموعات النباتية والحيوانية التي تتميز بها المناطق ذات المناخ شبه الجاف. ويشتهر المنتزه بوجود مجموعات فقمة الراهب المتوسطية المهددة بالانقراض. وهذا المنتزه التي تبلغ مساحته تبلغ 14.160 كم² وُضع عام 1998 على قائمة المواقع المرشحة للانضمام إلى التراث العالمي لليونسكو، بهدف حمايتها وحماية الأنواع الحية التي تعيش فيها.
روحانيات
الجانب الروحي حاضر بقوة في هذه المدينة، من خلال عدد من المساجد التي تشكل صروحا لممارسة الشعائر الدينية والنهل من ينابيع الدين الإسلامي الحنيف. ومن بينها مسجد «البيعة» الذي جرى تشييده من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، استحضارا لبيعة القبائل الموجودة في الإقليم للعاهل الراحل الحسن الثاني سنة 1979.
ويضم المسجد، الذي تم تشييده في حي الوحدة على مساحة إجمالية تبلغ 1900 متر مربع، قاعة صلاة للرجال وأخرى للنساء، بالإضافة إلى كتاب لتحفيظ القرآن الكريم وقاعة لمحو الأمية، وصحن ومقصورة وسكن للإمام وآخر للمؤذن ومرافق صحية، فضلا عن محلات تجارية.
وفي الآونة الأخيرة عملت وزارة الثقافة المغربية على تسجيل معلمين تاريخيين وثلاثة مواقع أثرية في جهة الداخلة ـ وادي الذهب في عداد الآثار الوطنية، من أجل تعزيز الحماية القانونية لها. ويتعلق الأمر بكنيسة «سيدة جبل الكرمل» و«الباب الرئيسي للحي الإداري» الموجودين في مدينة الداخلة، بالإضافة إلى المواقع الأثرية «لمحيكنات إينيفافن» و«الشياف» (وادي الجنة) و«أغيلاس» في إقليمي وادي الذهب وأوسرد.
وتعدّ كنيسة «سيدة جبل الرمل» من أقدم المعالم الأثرية في المدينة، إذ بنيت عام 1954 خلال الاستعمار الإسباني لأقاليم الصحراء، وتستمد اسمها من جبل يوجد في لبنان ويرمز إلى مريم العذراء. وفي سنة 1975 غادر معظم الإسبان مناطق الصحراء، وهو ما جعل كل الكنائس فارغة تقريبا، ما عدا القساوسة المسؤولين عليها وبعض الإسبانيين الذين قرروا البقاء. واليوم تأوي الكنيسة مهاجرين مسيحيين من بلدان جنوب الصحراء.
الشاي والخيمة
وما زال سكان الصحراء في الداخلة، كما في غيرها من مناطق الإقليم، محافظين على تقاليدهم الاجتماعية في الضيافة، ومن بينها بالخصوص طريقة تقديم الشاي، وفق طقوس خاصة، إذ يمكن أن يتم تحضيره في أي وقت من اليوم. وعلى الرغم من أن الشاي ليس هدفًا في حد ذاته خلال تجمع لعدد من الناس، فإن المناسبة تكون سانحة عادة لتبادل آخر الأخبار ومناقشة قضايا الحياة اليومية حول طاولة الشاي.
ويشير أحد الباحثين إلى أن هناك ثلاث «جيمات» يشترط توفرها حتى يُقام الشاي، الجيم الأول هو الجمر، والجيم الثاني أن تكون الجماعة، والجيم الثالث هو «الجرّ» ويعني الإطالة في الجلسة التي تنعقد لشرب الشاي.
وتعتبر الخيمة فضاء لانعقاد جلسات شرب الشاي، لكونها أول وحدة اجتماعية في المجتمع الصحراوي. بيد أن الخيمة لا تمثل مجرد وحدة مكانية للإقامة، بل تشير أيضًا إلى جملة العلاقات التي تربط أفراد العائلة نفسها. وبهذا المعنى، تمثل الخيمة مجموعة العلاقات الحية داخل الأسرة، وهي تسمية مستمدة من المسكن التقليدي الذي يبنيه الرجل الصحراوي تقليديًا باستخدام صوف الإبل وصوف الأغنام.
ويوضح مصدر إعلامي أنه بعد ما كانت الخيمة رمزًا لقسوة الحياة والعزلة في الصحراء، اكتسبت معانٍ جديدة في المغرب، حيث جرى تقديرها من جديد كرمز للحضارة والتراث الثقافي الذي يجب الحفاظ عليه. ومن ثم، فإن انتقال سكان الصحراء إلى المدن والعيش في الشقق والمنازل المستقلة لم يبعدهم عن حياة الريف والحنين إلى الحياة تحت الخيمة، حتى خلال عطلات نهاية الأسبوع. ويكمن الاختلاف في أن الخيمة اليوم تطورت، إذ تحتوي على تجهيزات حديثة تضمن الراحة، وتظل تشبه الخيمة الأصلية فقط في شكلها. وبعض الأشخاص لا يقتصرون على قضاء عطلاتهم في الخيمة، بل يقيمونها في حدائق منازلهم.
مشاريع عملاقة
بين حنين الماضي وجاذبية الحاضر، تستشرف مدينة الداخلة المستقبل من خلال عدد من الوُرَش الاستراتيجية العملاقة، التي تعرّفت عليها «القدس العربي» عن كثب خلال زيارة إلى الداخلة نظمتها وزارة الشباب والثقافة والاتصال ـ قطاع الاتصال ـ لفائدة وفد من الصحافة العربية والأجنبية المعتمدة في المغرب.
من بين تلك الوُرَش: مشروع «ميناء الداخلة الأطلسي» الجديد الذي تشهد الأشغال فيه تقدم ملحوظا قاربت 25 في المئة، مع احترام المعايير البيئية، ويعد المشروع بنتائج إيجابية مهمة على اقتصاد الجهة وإيرادات كبيرة للخزينة العمومية. وهو باب مفتوح للأسواق الأفريقية، كما يهدف إلى أن يصبح مركزًا تجاريًا دوليًا. وبالإضافة إلى النشاط التجاري، يسعى الميناء المنتظر إلى تطوير الموارد السمكية البحرية، من خلال إنشاء البنيات التحتية المينائية، من أجل توفير ظروف تنافسية لصناعة الصيد البحري بالمنطقة.
ثم هناك ورشة الطريق السريع تزنيت/ الداخلة على مسافة طولها يتجاوز ألف كيلومتر، وهو «مشروع طموح وطريق قاري محوري استراتيجي ستربط البلاد بقلب الصحراء وبإفريقيا. ويعد هذا المشروع الضخم بمثابة تعزيز للبنية التحتية المغربية وتسهيل الوصول إلى المناطق النائية وتعزيز التنمية الاقتصادية المحلي وفتح فرص جديدة للتجارة والسياحة والتكامل الاقتصادي بين مختلف مناطق البلاد.
الورشة الثالثة تتمثل في تحلية مياه البحر للاستعمال الزراعي في الري في الداخلة، وهو مشروع مبتكر باعتباره يستند إلى منهجية متكاملة: ماء، طاقة، تغذية. ويهدف إلى إنشاء وحدة لتحلية مياه البحر لإنتاج المياه عبر استعمال الطاقة الريحية المتجددة، بقدرة تناهز 30 مليون متر مكعب في السنة.
وسيمكّن هذا المشروع الرائد، وفق وزارة الزراعة المغربية، من توسيع المساحة المخصصة للزراعات ذات القيمة المضافة العالية والمحدثة لفرص العمل. كما أنه سيسهم في الرفع من مستوى إنتاج الخضروات البواكر في البيوت المغطاة، وفي المحافظة على الموارد المائية بالجهة واستدامتها. وسيتيح المشروع أيضا إحداث مدار جديد للسقي على مساحة خمسة آلاف هكتار في منطقة صحراوية تفتقر للموارد المائية.
الورشة الرابعة تتجلى في الطاقات المتجددة، إذ تتوفر مدينة الداخلة على إمكانيات هائلة لإنتاج الطاقة بالاعتماد على الرياح وأشعة الشمس، تجعل منها من أكثر المناطق الواعدة في مجال توليد الطاقة النظيفة في العالم.
وبحسب «المركز الجهوي للاستثمار»، فإن لمدينة الداخلة مجموعة من الخصائص المميزة، إذ تعد من أكثر المدن المغربية تعرضا للرياح ولأشعة الشمس، كما أن العديد من المواقع الريحية من الفئة 1 وفقًا للمعيار الدولي التي تعرف رياحا قوية تهبّ بشكل منتظم تصل إلى 35 كم في الساعة. ويستقبل الإقليم أكثر من ثلاثة آلاف ساعة من أشعة الشمس سنويا، تشكل إشعاعًا يزيد عن 5 كيلوواط في الساعة لكل متر مربع وفي اليوم. وتتراوح درجات الحرارة الدنيا بين 13 درجة و19 درجة مئوية ودرجات الحرارة القصوى بين 23 درجة و28 درجة مئوية. وبالإضافة إلى المناخ المعتدل، تتوفر المنطقة على عدة أراض مسطحة سهلة الولوج تمكن من إنشاء مواقع لإنتاج الطاقة، بالإضافة إلى وفرة الموارد البشرية المؤهلة والكفؤة، ووجود إطار قانوني ومؤسساتي يشجع على الاستثمار في مشاريع تطوير الطاقة المتجددة.