يتحدث الدبلوماسي والوزير السابق الجزائري عبد العزيز رحابي في هذا الحوار، عن رؤيته للعديد من الملفات والأزمات التي يشهدها محيط بالجزائر خاصة الوضع في الصحراء الغربية وكيفية التوصل إلى حل لهذه الأزمة خدمة لاستقرار المنطقة، كما تطرق في حواره مع “القدس العربي” إلى الوضع في ليبيا إذ أكد بأن الحل السياسي بدأ ينضج بعد يقين الليبيين وتأكدهم من حدود الحل العسكري للأزمة.
ويقف الدبلوماسي الجزائري عند مستجدات القضية الفلسطينية وتطبيع دول عربية علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي وانعكاسات ذلك على القضية الفلسطينية، وأيضا موقف ودور الجامعة العربية من القضايا التي تعرفها الدول العربية.
وفي ما يأتي نص الحوار:
*كيف تتابع الوضع في الصحراء الغربية، وما هي الأسباب التي جعلت هذه الأزمة تعود إلى المربع الأول أي الحل العسكري؟
**يصعب على رأي عام دول لا تعي حقيقة الاستعمار في أفريقيا، أن تفهم هذه الأمور بسهولة. هذه القارة مستعمرة منذ القرن الثامن عشر بحكم المنافسة بين بريطانيا وفرنسا ولقربها من أوروبا والثروات التي توجد فيها.
القارة الأفريقية لديها مسار تاريخي خاص، فـ 90 في المئة من دولها لم تستكمل تحررها إلى غاية التسعينيات من القرن الماضي، والجزائر بحكم أننا عشنا الاستعمار لمدة 130 سنة لدينا حساسية خاصة فيما يتعلق بتصفية الاستعمار، وكدا فيما يتعلق بقضية الحدود، وهي ليست بالمؤشر المادي يضبط تنقل الأشخاص والسلع بقدر ما هو شعور حاد بالأمن، لأن لدينا حدودا مشتركة مع سبع دول على طول أكثر من 6400 كيلومتر، وهي من الدول القلائل في العالم التي لديها حدود مشتركة مع سبع دول، ويكلفها تأمينها ماديا ومعنويا، خاصة أن الجزائر ليست ضمن أي حلف وفي أي منظومة دفاعية جماعية. وبالتالي هي تدافع عن نفسها بإمكانياتها الخاصة في ظروف اقتصادية لا تسمح وغير ملائمة.
وحدودنا كلها في حالة توتر أمني أو حروب أو وجود قواعد عسكرية أجنبية، والظاهر أنها في حالة محاربة الإرهاب الدولي، ولكن ذلك يدخل في الصراع بين القوى العظمى، الصين والولايات المتحدة وروسيا، في إطار صراع تموقع في أفريقيا.
وفي كل هذه الظروف تبقى قضية الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار، إذا امتثلنا إلى القانون الدولي الذي ينادي به الكل، واحترمنا الالتزامات التي تقدم بها المغرب لحل هذا المشكل عن طريق استفتاء تقرير المصير، وكان قد طالب به رسميا ملك المغرب الحسن الثاني في قمة نيروبي بكينيا سنة 1981 وفي الأمم المتحدة من طرف رئيس الوزراء المغربي محمد كريم العمراني سنة 1985.
وعلى هذا الأساس تم التدقيق في إحصاء السكان في الصحراء الغربية، الذي أجرته إسبانيا في السبعينيات، لمباشرة تنظيم الاستفتاء، ثم تراجع المغرب عن كل الوعود التي قطعها.
*لكن تُتهم الجزائر بأنها وراء البوليساريو وتستغلها لتصفية الحسابات مع المغرب؟
**الذي يعرف تاريخ ثورة التحرير الجزائرية، يعي بأنها مؤازرة للشعوب وتأييدها من أجل استقلالها يدخل في هوية الجزائر وعقيدة سياستها الخارجية، وقد أيدنا حركات التحرر في أمريكا اللاتينية والوسطى وآسيا وأفريقيا منذ حرب التحرير، والدليل على ذلك هو تدرب مانديلا مع جيش التحرير الجزائري قبل الاستقلال سنة 1961.
يعني تاريخيا موقفنا واضح ومستقر فيما يخص قضايا التحرر، فكيف نلوم بلدا دعم الجبهة الساندينية في نيكاراغوا، وmpla في انغولا وفي فيتنام، ويسكت عما يجري في حدوده؟
صحيح انه عندما لا تكون منخرطا في منظومة دفاعية متعددة الأطراف فإن الدفاع عن حدودك مكلف، لكن هذا هو تكلفة استقلالية وسيادة القرار الخارجي. على عكس الجار المغربي الذي يتمتع من مساعدة عسكرية مباشرة من دول الخليج وبتأييد دبلوماسي من بعض الدول الغربية خاصة فرنسا.
واعتبارا بأن قضايا الأمن لا تتجزأ، فلا يعقل التجند لمحاربة الإرهاب على أساس أنه يمس بالأمن والاستقرار الدوليين، وفي الوقت نفسه النفخ على النار وتغذية نزاع عسكري في المنطقة من خلال دعم المغرب في تعنته.
هذه الازدواجية في المواقف في قضايا الأمن لا تخدم الاستقرار في المنطقة، الذي يمر حتما عن طريق الحل النهائي والدائم للقضية الصحراوية في أقرب الآجال، والرجوع إلى المسار السياسي بمفاوضات مباشرة وحسب أجندة متفق عليها للخروج نهائيا من الأزمة.
*بالرغم ذلك تبقى الصحراء الغربية سببا رئيسيا في توقف قطار الاتحاد المغاربي كما يذهب إليه البعض؟
**من بين المغالطات الشائعة في الإعلام ومنافية تماما للحقيقة هي هذه الفكرة. النزاع في الصحراء الغربية بدأ سنة 1975 والمسار المغاربي بدأ سنة 1988 هذا يكفي للقول إن الاتحاد المغاربي قام ومشكلة الصحراء الغربية قائمة، لأنه قام بعد تفاهم رؤساء المنطقة في زرالدة بالجزائر على الفصل بين القضية الصحراوية والبناء المغاربي.
وعلى عكس ما يشاع تم الاتفاق على أن بناء الاتحاد المغاربي يخلق شبكة من المصالح المشتركة بين دول المنطقة ويساعد في حل النزاع، وفي هذا الإطار استقبل الملك محمد السادس وفدا صحراويا رفيعا في سنة 1989 .
المغرب تعنت وتراجع عن اتفاق مراكش، ومع ذلك أصبح يعتبر الموقف المبدئي الجزائري هو سبب الانسداد، وأكثر من ذلك المغرب يعتبر الموقف المبدئي للجزائر عدوانيا، مع أنه يعرف جيدا موقف الجزائر، ومع ذلك يطالبها بالتنازل عن شيء ليس ملكا لها. المغرب هو الذي جمد المشاركة في نشاط الاتحاد المغاربي.
*في تقديرك أي سيناريو أقرب اليوم في الصحراء الغربية، الحرب أم الحل السلمي؟
**الوضع متأزم، والحل هو بالرجوع إلى المسار السلمي السياسي، وهذه الحرب اندلعت لأن هناك انسدادا منذ 1991 للمسار السياسي، فهذه الحرب قد تسرع الحل السياسي.
إن اندلاع الحرب ذكرت المجتمع الدولي في هذا المشكل وفي هذا الشعب المنسي منذ 30 سنة وجعلت الناس تدرك حجم المشكل.
كل الدول تنادي الآن إلى حل سياسي سلمي يسمح للصحراويين بتقرير مصيرهم، وهذا في حد ذاته انجاز كبير. الدول العظمى والاتحاد الأوروبي يعترفون أن هناك تماطلا حقيقيا في معالجة هذا النزاع الذي يدوم منذ 1975.
* بالحديث عن المواقف من قضية الصحراء الغربية، كيف ترى فتح الإمارات قنصلية لها بمدينة العيون؟
**أكيد أن فتح قنصليات في العيون موقف مناف لكل اللوائح الدولية، لأن ليس هناك أي سيادة للمغرب على أرض ما زالت تصنفها الأمم المتحدة في مسار تصفية الاستعمار، فضلا على ان ليس لدول الخليج جالية في الصحراء الغربية المحتلة.
ويبقى فتح القنصليات لا يؤثر أساسا على مسار القضية لا في الاتحاد الأفريقي ولا في الأمم المتحدة، ويعتبر سابقة في العلاقات الدولية، ولا أعتقد أنها تخدم المصالح الدبلوماسية للدول التي فتحت هذه القنصليات .
بالحديث عن المصالح، أي مصلحة وراء التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، هل سيخدم مصلحة القضية الفلسطينية كما يراد يسوق له أم مصالح هذه الدول وفقط؟
قناعتي راسخة أن أي حل في المنطقة يمر عبر اتفاق سياسي مع الفلسطينيين بمؤازرة عربية شاملة، كنت أتوقع أن الإدارة الأمريكية والدول العربية في المنطقة تضغط على أصدقاء إسرائيل لإيجاد حل دائم للقضية الفلسطينية.
التطبيع يضعف المواقف الفلسطيني، قد يقوي علاقات هذه الدول مع الولايات المتحدة، لكن الرجوع إلى المبادرة العربية لديه فائدتين:
1 يقوي الموقف الفلسطيني ويعطيه قوة في المفاوضات.
2 يعيد شمل الدول العربية لتخرج بموقف موحد.
نلاحظ اليوم أن هناك تشتتا في الموقف العربي الذي قد يخلق تشتيتا للرأي العربي الداخلي. وهذا لا يخدم قضية السلم في المنطقة.
*لكن أين هي الجامعة العربية من كل هذا، ألا ترى بأنها تحولت إلى جسد بلا روح، عكس ما كانت عليه مثلا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؟
** الجامعة العربية لا يمكن أن تتغير ما دام الأعضاء المكونة للجامعة العربية لم تصلح نفسها. إصلاح الجامعة العربية يمر عبر إصلاح الأنظمة السياسية في العالم العربي، ونعني هنا إصلاحا سياديا داخليا بدون ضغوط أجنبية.
ومن دون نظام ديمقراطي ومجتمع مدني قوي وحريات، ودون تمثيل شعبي حقيقي، تبقى الجامعة العربية ليست بالممثل الحقيقي للمجتمعات العربية وتتصرف كنقابة ملوك ورؤساء. وعليه إصلاح المجتمع هو الذي يقود لإصلاح الجامعة العربية وليس العكس.
ومقارنة بالاتحاد الأفريقي الذي يتميز بنسبة كبيرة لبرلمانات وحكومات منتخبة ديمقراطيا، ومجتمع مدني نشط، وأحزاب ونقابات مستقلة وأيضا وجود مساواة بين كل أعضائه. عرفت الجامعة العربية منذ نشأتها مراحل سيطرت فيها مجموعات من الدول ”جبهة التصدي والصمود” إلى دول الخليج اليوم، لكن هذا لم يغير شيئا في كيفية تسيير الجامعة العربية. وما دام أيضا المواطن العربي يجد أن انشغالاته لا تهتم بها الجامعة العربية، من حريات وحقوق الإنسان، والتنمية وقضايا الأمن والسلم، مثلا هل ساهمت في استرجاع الأمن في العراق وسوريا؟
*كيف ترى مخرجات حل الأزمة في ليبيا، هل جلسة الحوار عبر المسارات التي رعتها الأمم المتحدة والاتفاقات المبرمة ساهمت في وضع قطار الحل السياسي على السكة؟
**المشكل الذي أطال في عمر الأزمة الليبية، هو تدخل القوى الأجنبية مباشرة في ليبيا بضخ أموال وأسلحة جد متطورة، في إطار حسابات وأجندات أجنبية. يجب أن نخرج من دوامة التوازنات العسكرية التي تضبط التمثيل الدبلوماسي في المفاوضات. يعني إذا كانت لديك القوة العسكرية في الميدان أنت من تضبط المفاوضات، ويجب أن ندخل في حل شامل ليبي-ليبي بمشروع سياسي يقبله الليبيون وليس الأجانب.
*لكن هل وصلنا إلى مرحلة الحل الشامل اليوم في ليبيا؟
**الفرقاء في ليبيا وصلوا إلى قناعة، ومفادها أن الحل يكون ليبيا بامتياز، وأن التدخل الأجنبي لا خير فيه ويؤجج الأزمة. ووصلت الأزمة في ليبيا إلى مرحلة النضج التي تظهر حدود الحل العسكري. لأن المشكل أخذ وقتا طويلا، وكلما طالت الأزمة فإنها تكون على حساب الشعب الليبي الذي له من الإمكانيات البشرية والثروات ما تؤهله لأن يكون قوة اقتصادية في المنطقة.
ليبيا هي بوابة أفريقيا وبوابة المشرق وعليه فإن استقرارها هو استقرار للمشرق وأفريقيا. والجزائر لديها حوالي ألف كيلومتر حدود مع ليبيا، ولديها تاريخ مشترك ومصير مشترك وكل ما يجري في ليبيا يهم الجزائر. والقناعة في الجزائر أن القوى الغربية ما زالت لديها حسابات ضيقة في المنطقة.
*كيف للجزائر أن تساعد ليبيا خاصة في هذه المرحلة الحساسة؟
**أظن أن أكبر مساعدة قدمتها الجزائر لليبيا، أنها احترمت قرار الشعب الليبي، حيث أنها لم تتدخل ولم تضخ السلاح ولم تفضل فريقا عن الآخر، وهذه تدخل في العقيدة الجزائرية وتصرفت كذلك في كل القضايا المشابهة.
وأيضا فإن أمن ليبيا يمس مباشرة الجزائر، بحكم الحدود والتاريخ، لذلك منذ 2011 دعت الجزائر إلى حل سلمي تتوفر فيه شروط الديمومة وليس حلا ظرفيا، والحمد لله تتوجه الأمور تدريجيا إلى الحل السلمي.
*أزمة أخرى على حدود الجزائر وهي الأزمة في مالي، لماذا يتم تعطيل اتفاق الجزائر ولصالح من؟
**المشكل في مالي بدأ بتوتر أمني بوسط وشمال البلاد، وله علاقة مباشرة بتموقع الإرهاب الدولي بمنطقة الساحل، هذه المنطقة هي فقيرة وتعرف نموا ديموغرافيا قويا، وتشهد فسادا وكل ثرواتها الطبيعية غير مستغلة بطريقة عقلانية.
وتحول الإرهاب من منطقة آسيا إلى المشرق ومنه إلى دول الساحل، أين وجد المنطقة خصبة.
الجزائر قدمت اقتراحات للفرقاء في مالي، ونجحت في لم شملهم بالجزائر وامضوا في شباط/فبراير 2015 اتفاقا على أساس أن السلم في مالي، يمر عبر اتفاق سياسي شامل بين كل الفرقاء، ويشمل ثلاثة جوانب، وهي الجانب السياسي والجانب الاقتصادي والعسكري، وبالتالي هو اتفاق شامل يتطلب إصلاحات سياسية وإدارية داخلية. كما يتطلب التزامات اقتصادية دولية، والجزائر التزمت بأنها ستشارك في هذا الجهد.
للأسف الشديد نلاحظ مؤخرا ربما لعدم استقرار المؤسسات الداخلية في مالي، تعطل مسار ”اتفاق الجزائر”. يبقى أن الحل مالي بامتياز والتخوف الجزائري قوي بخصوص نشاط الجماعات الإرهابية على حدودها الجنوبية خاصة وان شبكات تهريب المخدرات والسلاح والمتاجرة بالبشر أصبحت لها علاقة وطيدة بالإرهاب.
تتخوف الجزائر أن تتحول هذه المنطقة، مالي والنيجر وبركينافاسو، منطقة صراع بين الدول العظمى بسبب صراع اقتصادي ولكن أيضا من أجل التموقع العسكري.
*تابعنا في مالي مؤخرا إبرام صفقة تبادل بين السلطات المالية وجماعة إرهابية، واتهمت فرنسا بدفع فدية للإرهابيين، وكانت الجزائر قد ألقت القبض على اثنين من الذين أطلقوا سراحهم ويعتبرون إرهابيين خطيرين، ما تأثير مثل هذه الصفقات على أمن الجزائر والمنطقة؟
**دفع الفدية يعتبر تموينا مباشر للإرهاب وكانت الجزائر قد بادرت 2010 بمشروع لدى الاتحاد الأفريقي حول تجريم الفدية من باب الوقاية ومحاربة الإرهاب الدولي. اليوم أفريقيا هي المنطقة الوحيدة التي التزمت بذلك عكس الدول الغربية التي تحارب وتمون الإرهاب في آن واحد.