الدبيبة يرمي جمرة إلغاء الدعم في أكف الليبيين  عن طريق «الاستعلام الوطني»

رشيد خشانة
حجم الخط
0

فيما يغرق قسم كبير من النخب في مناقشة تحوُل السياسات الأمريكية والروسية تجاه ليبيا، تهتم الغالبية الصامتة من المواطنين بالقضايا الحياتية الحارقة، ومنها تأمين الخبز وضمان استقرار سعر المحروقات.

يتوخى الأمريكيون والروس سياسة احتواء متبادل في منطقة الساحل والصحراء وشمال أفريقيا، للمحافظة على المواقع التي اكتسبوها في السنوات الأخيرة بعد إخراج القوات الفرنسية من المنطقة. ويؤكد عارفون بالملف أن موسكو تسعى لعقد قمة روسية/أفريقية في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية، في نهاية العام الجاري أو بداية المقبل. وستكون هذه القمة تكريسا للنفوذ الواسع، الذي باتت روسيا تحظى به في المنطقة. وستبني موسكو شراكات أفريقية جديدة مع تعزيز تلك القائمة، أسوة بالقمة الروسية الأفريقية التي استضافها فلاديمير بوتين في سوشي العام 2019. ومن أبرز تلك المناطق المنطقة الشرقية في ليبيا، التي يسيطر عليها حليفها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وأربعة بلدان أخرى هي مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى.
بالمقابل تعمل واشنطن، حسب الإعلامي والباحث الفرنسي بينوا دلماس، المتخصص في شؤون المنطقة، على الحيلولة دون توسُع الرقعة الجغرافية، التي تراقبها عناصر «فاغنر» مشيرا إلى أن العسكر الحاكمين في مالي تلقوا طائرات مسيرة من تركيا، من طراز بيرقدار، من دون تحديد عددها. وتسعى أمريكا إلى محاصرة التمدد الروسي في القارة السمراء بجميع الوسائل. وكان أحد المؤشرات القوية على ذلك الاصرار، استهداف طائرة نقل عسكرية روسية، من طراز «إليوشن» كانت رابضة في مطار القاعدة العسكرية بالجفرة وسط ليبيا، في الشهر الماضي. ورجحت مصادر مطلعة أن الطائرة قُصفت بطائرة أمريكية مُسيرة، ما أدى إلى تدميرها، حسب وكالة الأنباء الإيطالية «نوفا». لكن اللافت أن لا أحد تبنى هذه العملية ولا أحد احتج رسميا عليها أيضا، ما يعني أنها من قبيل العمليات السرية.
غير أن الروس ليسوا القوة العسكرية الوحيدة في منطقة الساحل والصحراء، فهناك تنظيم «القاعدة» الذي يتحرك، خاصة في المناطق الحدودية، تحت مُسمى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» والتي تنفذ عمليات إرهابية من وقت إلى آخر. وقد تبنت أخيرا هجوما جديدا على الجيش في مالي، أسفر عن مقتل عشرة جنود كلهم ماليون.
ويُثير النهج الذي يتوخاه العسكر الماليون كثيرا من الأسئلة والحيرة لدى الدول المغاربية، التي تخشى من تسلل جماعات متشددة عبر الحدود، من أجل الوصول إلى سواحل المتوسط، ومن ثم إلى أوروبا. وهذا أحدُ أسباب الخلاف، الذي اندلع الصيف الماضي، بين الجزائر وباماكو. كما أن تحالف اللواء المتقاعد خليفة حفتر مع الطغمة المالية، وتوالي الانقلابات العسكرية في هذا البلد، لا يحظيان بالارتياح لدى الجزائريين. ويتردد أن العسكر الماليين باتوا على قاب قوسين من التوقيع على اتفاق مع مجموعة «فاغنر» على نحو سيقضي على ما تبقى لفرنسا من آمال في مالي مستعمرتها السابقة. ويشير الكاتب السياسي مارك نيكسون إلى أن روسيا ستضع يدها في النهاية على بلد آخر، هو مالي، الذي سيعتمد على الشركة الأمنية الخاصة «فاغنر» في صيانة أمنه القومي. وبموجب الاتفاق، إذا ما تأكد، سينتشر قرابة ألف مسلح من عناصر الشركة في أنحاء مالي، كما سيتولى الروس تدريب الجيش المالي، وضمان الأمن الشخصي للحكام الجدد. ويُعتقدُ أن الكلفة المالية لهذه الصفقة تُعادل 9.1 ملايين يورو، تصرفها الحكومة المالية شهريا لمجموعة «فاغنر». وأتى رد الفعل الفرنسي مُحذرا من أن باريس ستنسحب نهائيا من مالي، في حال تم التصديق على هذا الاتفاق.

نزع سلاح الجماعات

وكان موقع «أفريكا أنتيليجنس» كشف العام الماضي أن الولايات المتحدة تسعى لإطلاق خطة جديدة، لنزع سلاح الجماعات المسلحة في ليبيا، عن طريق شركة «تشيمونكس إنترناشيونال». وأفاد الموقع الفرنسي أن هذه الشركة، التي تعتبر الشريك الرئيس لوزارة الخارجية الأمريكية، في مشاريعها الليبية، تلقت قرابة خمسة عشر مليون دولار العام الماضي، لنزع السلاح وحل المجموعات المسلحة وإعادة دمجها في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية. وأوضح الموقع أن المحاولات السابقة بالخصوص باءت بالفشل، وسرعان ما ركزت واشنطن على ضرورة انسحاب مرتزقة «فاغنر» باعتبارهم هدفا أول من نزع السلاح.
من هذا المنطلق اعتبر نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني أن التهديد الذي تمثله مجموعة فاغنر، يشكل خطرا ليس فقط على ليبيا، وإنما على منطقة الصحراء الكبرى. وهو أيضا الموقف الذي أبلغه الكوني إلى أيفا جوهانسن، مفوض الهجرة والشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي، التي التقاها أخيرا في بروكسل، لبحث ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد والإرهاب والجريمة العابرة للحدود.
وذكر الكوني، في أول رد ليبي رسمي، على قرار النيجر إلغاء قانون مكافحة الهجرة غير النظامية، أن القرار سيُفرز تداعيات كبيرة جدا على ليبيا. ورأى أن إلغاء هذا القانون يشكل تهديدا واضحا على الجنوب الليبي، من تسرب بعض المجرمين أو أفراد التشكيلات الإرهابية، إلى المنطقة. واعتبر الكوني أن تداعيات ما يجري في دول الجوار ستدفع ليبيا ثمنه الأكبر، حيث سيترك الأهالي أوطانهم في ظل القلاقل التي تعصف بهم، إلى المكان الأقرب، وحيث توجد فرص العمل. وأوضح أن أوروبا الآن أمام خيارين اثنين فقط، إما أن تساعد ليبيا من دون تأخير، على التصدي لكل ما يحدث، أو أن تتركها وحيدة، حتى يخرج الوضع عن السيطرة.
وأضاف الكوني أن ما يتعرض له سكان شمال مالي من ترويع وتصفيات على يد جماعات «فاغنر» وقوات باماكو، ستكون له تداعيات على ليبيا والجزائر. وانتقد صمت الاتحاد الأوروبي إزاء ما يحدث في مالي ودول جنوب ليبيا، مشيرا إلى أنه سيتسبب في هجرة أعداد كبيرة من سكان المنطقة نحو الجزائر وليبيا. وتربط الباحثة في معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية الفرنسي، كارولاين روسي، في دراسة ميدانية أنجزتها حول انتشار التطرف المسلح في غرب أفريقيا وشمالها، أن تلك الدول أصبحت عاجزة عن تأمين حدودها من الأخطار الخارجية، واستطرادا غير قادرة على احتواء التوسُع الإرهابي في قسم من أراضيها. وقالت روسي إن الدول المركزية في المنطقة مثل النيجر ومالي، باتت غير قادرة على كسب الحرب مع الجماعات العنيفة. من هنا أتت المطامع الروسية بتحقيق نقلة نوعية في وجودها العسكري، بتشكيل ما يُسمى «الفيلق الافريقي» وهو النسخة البديلة من مرتزقة «فاغنر» الموجهة للقارة السمراء، ولكن بشكل ومهام مختلفة، وربما أكثر فعالية في ليبيا والدول الأفريقية، حسب ما نقلت وكالة «الأناضول» عن صحيفة فيدوموستي الروسية. وبالإضافة إلى تقرير الصحيفة، صدر لاحقا تصريح أمريكي في شأن «الفيلق الأفريقي» لكن لم تصدر أية إفادة رسمية روسية بخصوصه، ولم تعقب عليه السلطات الليبية، ولا قوات «شرق ليبيا» التابعة للواء المتقاعد حفتر وأولاده.

مشاغل الناس

وفيما يغرق قسم كبير من النخب في مناقشة تحوُل السياسات الأمريكية والروسية تجاه ليبيا، تهتم الغالبية الصامتة من المواطنين بالقضايا الحياتية الحارقة، ومنها تأمين الخبز وضمان استقرار سعر المحروقات، وسط تواتر التصريحات الرسمية، التي تُمهد لمراجعة الأسعار، بدعوى محاربة تهريب الوقود عبر الحدود. وحذرت السلطات أصحاب المحطات من تزويد المخابز والجهات العامة والخاصة بأي نوع من الوقود، بالنظر إلى أن هذا الأمر تختصّ به «شركة البريقة لتسويق النفط» (قطاع عام).
من هنا يجوز القول إن المعضلة الكبرى التي تواجه حكومة الدبيبة هي قضية رفع الدعم عن الوقود، وهي قضية سريعة الالتهاب، إلى جانب وضع آلية مناسبة لتوزيع الوقود على المحطات، مع ضمان توزيعه على المواطنين فقط. ولذا سيشكل قرار رفع الدعم عن الوقود مأزقا حقيقيا لحكومة الدبيبة، فالإكراهات الاقتصادية تفرض عليه مراجعة الدعم، وإن جزئيا، لكن هذا الإجراء ظل دوما غير شعبي ومُثيرا للقلاقل، في البلدان التي طُبق فيها. وفي مناورة للتخلص من التبعات السياسية للقرار، رمى الدبيبة الجمرة في أكف المواطنين الليبيين، بإقرار ما سُمي بـ«الاستعلام الوطني» من أجل إتاحة الفرصة، نظريا، لكافة المواطنين للتفاعل وإبداء آرائهم تحت شعار «شارك برأيك بصنع القرار». وتمثل الاستعلام بالإجابة على أسئلة من بينها: هل تؤيد استبدال الدعم العيني للمحروقات بالدعم النقدي المباشر للمواطن، لتقليص الكميات المهربة وتحقيق استفادة مباشرة للمواطن؟

هل قُضي الأمرُ؟

لكن الظاهر من تصريحات رئيس الحكومة وكبار الموظفين في وزارة المال، أن القرار تم اتخاذه بعدُ، وهو الدعم النقدي بدل الترفيع من السعر. والمؤكد أن الدعم النقدي سيؤدي حتما إلى ترفيع عام للأسعار، لأن غلاء الوقود يؤثر في جميع القطاعات التي تستخدمه. وأوضح الدبيبة أن الفئة المستحقة للدعم هي «الفئة المحتاجة» التي سيجري تعويضها بمقابل مادي يناسب احتياجاتها، مشيرا إلى مخاوف المواطنين من انخفاض القوة الشرائية، وعدم الثقة في الحكومة وإجراءاتها، بشأن الإصلاح الاقتصادي.
ومن الخطوات الأخرى التي يمكن إدراجها في إطار الحملة الانتخابية السابقة لأوانها، اهتمام الدبيبة بأوضاع سكان مدينة طرابلس القديمة، حيث يعيش السكان في عمارات مهددة بالسقوط. ويُقدر عددها حسب رئيس لجنة حصر المباني الآيلة للسقوط بطرابلس، سامي حمادي، بـ130 عقارا متهالكا، بعضها غير صالح للسكن تماما، وبعضها الآخر يحتاج إلى صيانات وقائية. وقدر حمادي عدد المباني المتهالكة المتوقع حصرها في بلدية طرابلس المركز بنحو 3 آلاف عقار. ومن إمارات التوظيف الدعائي لهذه القضية، أن المكتب الإعلامي للحكومة استثمرها في الحملة الإعلامية للمرشح المُفترض للرئاسيات الدبيبة، مُعلقا بأن الاهتمام بالمباني السكنية المتهالكة، يندرج في إطار «توفير سكن آمن وصحي للمواطنين». والأرجح أن هذه الحملة غير المعلنة ستستمر خارج الروزنامة الانتخابية، وإن لم يُقر رئيس الحكومة بذلك صراحة، فيما حذر الخبير الاقتصادي محمد أبو سنينة من استبدال الدعم النقدي، بدعم الوقود، قبل مراجعة سياسات توزيع الدخل، والحد من تضخم الإنفاق العام غير الإنتاجي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية