الدراجة
عبدالعالي بركاتالدراجةيمكنك أن تتخلي عنها ولو بصورة مؤقتة، لن تكون في حاجة اليها طيلة موسم عملنا معا، أنت تعرف ما يستدعيه، لا بل ما يفرضه ذلك من تنقل وأسفار بكيفية جماعية، لا بد أنك اطلعت علي البرنامج، مدير الفرقة يشير الي أننا سننتقل عبر أوروبا، لكن رغم السعادة التي يجلبها لي خبر من هذا القبيل، فانني أصاب من جراء ذلك باكتئاب قاتل، وكل يوم يقربني من موعد هذا السفر، أدنو من الحالة اياها، ولا يخلصني منها سوي الاستماع الي بعض أشرطة المطربة اللبنانية فيروز . يقولون ان لديها صوتا ملائكيا، وكنت دائما أتساءل حول المقصود بذلك، لكنني أفضل أن أنصت الي أغانيها ولا أعبأ بما يقولونه عنها.. كنت أتمني ان يعرض علينا مدير الفرقة عملا جديدا، لكن ليس بسبب تقادمه أو كثرة العروض التي قدمناها بشأنه، بل بسبب ذلك المشهد الذي أضطر الي أن أتناول فيه عدة حبات من البطاطس وأزيد من ست بيضات حتي ينتبه المتفرجون الي أنني أكول.انه ينبغي علي أن أفعل ذلك في كل عرض جديد، ألا تري أن هذا مدعاة للضجر، أم أنك ستقول انك تغبطني، لكوني علي الأقل، أجد ما أسد به رمقي. أعرف ارتباطك الجنوني بتلك الدراجة، لكن يجب أن ترضخ للأمر الواقع، فهذه هي ظروف العمل الفني دائما، اذ يكون ممارسه ملزما بالتخلي عن بعض عاداته الحميمة من أجل الفن طبعا، انها مسألة صعبة، أعرف ذلك، نفس الأمر كان يستشعره مدير الفرقة، لقد طلب مني أن أقنعك بضرورة التخلي عن تلك الدراجة، وأظن أنه قد حاول اقناعك بنفسه لكنك كنت عنيدا، لهذا أرجوك، ان الفرقة في حاجة ماسة اليك.أسمعت ؟ حتي أننا لا ندري كيف نشرع في العمل من جديد بدونك، يجب أن تعي حجم المسؤولية الملقاة عليك. طيب، طيب تناول قهوتك، وكف عن التأمل هكذا، لا تقل انك تصغي الي الموسيقي، انها مجرد هراء، يتعمدون اثارة أعصابنا بواسطتها، أعرف المسؤول عن قسم البرمجة، انها بالأحري مسؤولة، أقصد أنها سيدة، التقيتها في المرة الثانية صدفة بأحد شوارع الرباط. انها بالطبع، لا يمكن ان تصادفها سوي هناك، وكانت قد نسيتني، وحين حاولت أن أذكرها… أوه، أعتذر عن اثارة هذه التفاصيل التي يبدو أنها تافهة، ثم انها علي ما أظن لا تهمك، لكن فقط، كن متأكدا من أنه لن يفيدك في شيء اصطحابك الدراجة معك، وهي فوق ذلك ستخلق لك متاعب كثيرة، انها ليست من ذلك النوع الذي يتحول الي حقيبة، لا شك أنك علي علم بهذا الابتكار، لو كانت كذلك، لأمكن القول : ما من مشكلة، لكن هناك برنامجا مكثفا حسب تأكيد مدير الفرقة نفسه : أسفار عبر مجموعة من المدن الأوروبية، مع الأسف، لا أحمل معي نسخة من المطبوع الذي سلمني اياه، والمتضمن للتفاصيل الكاملة للبرنامج الذي سينطلق في مطلع الأسبوع القادم. لا، لا، رجاء، لا تحاول أن تومئ بالنفي، يبدو أن التأمل قد استغرقك طويلا، لكنني أري انك تحدق في الرصيف مليا، ماذا هناك؟ لا تقل انك تحرس دراجتك من هذا الموضع، مع أنك شددت وثاقها، ثم ان هناك الحارس، فضلا عن النادل، فهذا الأخير يرقب كل شيء، عيناه مفتوحتان علي الدوام، ولهذا أفضل المجيء الي هذه المقشدة، فضلا عن أنها… لكن، رجاء، كف عن التحديق هناك، كنت اتصور انك ستأتي بدونها، غير ان ذلك لم يفاجئني. كان مدير الفرقة يتحدث اليّ عنك، هو الذي طلب مني أن أقنعك بالعدول عن اصطحاب الدراجة خلال فترة الجولة الفنية علي الأقل. كان في حالة يائسة، حتي أنني أشفقت عليه وطمأنته بأنني سأتمكن من اقناعك، وأنا علي يقين من أنك لن تخيب أملي، أرشف أرشف قهوتك، انها تكاد تبرد، لكن لا يهمك، سأنادي علي النادل ليحضر فنجانا آخر، اذا شئت ذلك. الجميع يحبها ساخنة، اوه ! أعتذر مرة أخري، انني أتحدث كيفما اتفق! وهذا أمر سيء.أتمني أن لا أكون قد أسأت اليك هذه المرة أيضا، أرشف أرشف قبل أن تبرد القهوة… كان يحرسها هناك فوق الرصيف، ولاحظت وهو يتقدم نحوها أنه يسرع في مشيته مع أنني لم أر أي داع لذلك. استمر يتمشي دون أن يلتفت أو يتوقف لحظة. انحني وانشغل بفك وثاقها، فيما كنت أناديه، لكنه بالتأكيد كان يتظاهر بعدم السماع ولم ألحظ أنه رفع رأسه نحوي أو التفت الي ما حوله، بل صعد اليها فورا وابتعد عن الرصيف.انتظرت أن يلوح الي مبتعدا لكن بدون جدوي، واصل قيادة دراجته بعيدا من غير أن يخبرني بمقصده، ولست أدري ان كان قد اقتنع بضرورة التخلي عن خدماتها مع الشروع في الجولة الفنية التي ستدوم أربعة وثلاثين يوما اذا سارت الأمور علي ما يرام.كان يتأمل الرصيف طوال مجالستي له، وكانت ملامحه صارمة، لكنني لا أظن أنه كان يصغي الي الموسيقي في تلك الأثناء، أعرف ذوقه بهذا الصدد، ولو لم أكن أحثه من حين لآخر علي رشف قهوته لما فعل. مع الأسف، لدي شعور بأنه لن يتخلي عن دراجته ولا أظن أنه قد يقتنع بأنها يمكن أن تخلف له متاعب من أي نوع، كما حاولت أن أفسر له، عند انطلاق الجولة الفنية، لقد امتطاها وانصرف وأخشي أن يصر علي اصطحابها معه في هذا الموعد….. قاص من المغربQSR0