الدراسات الدولية لفنون الأداء: الأهداف موجودة ولكن كيف نصل اليها؟

حجم الخط
0

الدراسات الدولية لفنون الأداء: الأهداف موجودة ولكن كيف نصل اليها؟

زياد عدوانالدراسات الدولية لفنون الأداء: الأهداف موجودة ولكن كيف نصل اليها؟ لا أذكر عرضاً مسرحياً ساهم ونجح بالفعل في ترويج قيم سياسية واجتماعية، بل كانت هناك محاولات لم تشكل تياراً استطاع أن ينفتح علي جمهوره .القول السابق للمسرحي ريتشارد شكنر، الذي تجاوز سن السبعين، وذي الباع الطويل في المسرح والتجريب، والأكثر تأثيرا بمفاهيم الأداء والعرض المسرحي. أبدي ريتشارد شكنر رأيه هذا في مؤتمر مسرحي نظمه ما يسمي بالدراسات الدولية فنون الأداء والعرض واستضافته جامعة queen Mary في لندن في شهر حزيران (يونيو) الماضي. المؤتمر هو الثاني عشر وما يزال النقاش مستمراً. وستجري الدورة الثالثة عشرة في نيويورك بين 8 ـ 11 من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. وما زالت الأسئلة المطروقة كثيرة، واحتمالات الأجوبة أكثر. الي أين يسير هذا المؤتمر والذي تشارك به النخب المسرحية في عالمنا هذا؟ السؤال الرئيس الذي انطلق منه المؤتمر بدورته الثانية عشرة هو: كيف يمكن لفنون العرض أن تخدم حقوق الانسان، وما الذي يمكن لفكرة حقوق الانسان أن تقدم لفنون العرض والأداء؟ اجابات متعددة وعروض أخري حاولت جميعها الاجابة عن هذه الأسئلة، وطبعاً حالما تحضر السياسة يحضر الموضوع العربي! فكانت مشاهد التعذيب في أبو غريب وغوانتانامو مصادر لأبحاث مسرحيين من أمريكا وأمريكا اللاتينية، واستراليا، وشرق آسيا، كما كان هناك موضوع آخر عن اليوم الفلسطيني واهانات الحواجز الاسرائيلية قدمها باحثون من مختلف أنحاء العالم، وكل هذا باستثناء مشاركة عربية تساهم بمؤتمر مسرحي احتل الموضوع العربي قسماً كبيرا منه. غاب المحاضرون العرب فيما اقتصر الحضور العربي علي ثلاثة أشخاص كنت أحدهم، ولكن ليس هذا موضوعنا! مللنا! فكرة العروض والأداء هي فكرة جديدة، تبلورت في ثمانينات القرن العشرين، وشكلت تياراً ضخماً بات يدرس في بعض جامعات أوروبا وأمريكا تحت ما يسمي دراسات فنون الأداء أو ما يسمي performance studies. هذا المصطلح الجديد خلف اشارات استفهام عديدة حول الدور الاجتماعي للمسرح بالقدر الذي استطاع الاجابة عن أسئلة اشكالية عديدة. ولعل الفارق بين ما هو درامي وما هو معروض، أو بشكل آخر بين المسرح كنص والمسرح كعرض قد تبلور أيضاً في العقود القليلة الماضية. فخرج المسرح من حبكة نصوصه وشخصياته، لينتقل الي مصادر أخري كالسيرك والرقص، وبالتالي أصبح لدينا اختصاصات عديدة في مجالات عديدة في ظل المفهوم العام للمسرح كالكتابة والتي تختلف كلياً عن ادارة المنصة وعن التمثيل، وهي التي أفرزت ما هو درامي وما هو مسرحي. يخضع كل ما نقوم به لما يسمي بفنون الأداء، فيشمل المصطلح الطقوس الدينية، والمارشات، والمعلمين في صفوفهم، كما اجمع العديد من المسرحيين علي أن التحرشات الجنسية التي يعاني منها معتقلو غوانتانامو جزء مما يسمي فنون الأداء، وهو الحال الذي ينطبق علي مشاهد الانتظار اليومي الفلسطيني علي الحواجز الاسرائيلية. ولا زال المصطلح يكبر ويتوسع ليشمل نشاطات انسانية عديدة كالرياضة والخطابات السياسية، وحتي 11 أيلول (سبتمبر)، وليشمل أيضاً مصطلحات الكترونية كالحديث عن أداء الأجهزة الالكترونية. قدمت المسرحية كوكو فوسكو فيلماً عن تجربة لها تؤدي مع زملائها ما يتعرض له معتقلو غوانتانامو من تحرشات واهانات جنسية تعتبر آثاماً لدي المعتقلين ودينهم الاسلامي. حاولت فوسكو في شريطها التسجيلي هذا عن البروفات والعروض التي قدمتها أن تختبر كيف يمكن لفكرة العرض والأداء أن تصوغ المعني الحقيقي لماهية الاهانات التي يتعرض لها المعتقلون بعيدا عن الجمود الذي تبثه الأخبار التلفزيونية لما يحدث هناك. وكيف يمكن لمهارة الممثل أن تنقل الي الجمهور ما يعانيه الأسير في هذه المعتقلات. فكان اختباراً للحرية وعرض كل ما يمكن أن يحدث في الحياة بعيداً عن حساسيات الجمهور وجمود الرقابة علي الأعمال الفنية.المحاضرات والعروض والمشاركات بمجملها ترواحت بالاجابة عما يمكن لفنون الأداء والعرض أن تقدم للانسانية وحقوق الانسان والقيم التي لا يختلف البشر عليها. وطرح الأسئلة بهذا الشكل يشير الي الشك بقدرة الفنون والمسرح بشكل خاص علي السمو والترويج للقيم. سؤال بمكانه، ولنا أن نحصي كيف استطاعت السينما وفنون الأداء والعرض الترويج للجريمة والعنف والاباحة الجنسية بسرعة وسهولة، بينما لا زالت تعاني من عجزها عن التأثير بمجتمعاتها وتفعيل الأهداف والقيم التي تنطلق منها أفكار العرض. سأعود هنا الي جملة ريتشارد شكنر لا أذكر عرضاً مسرحياً ساهم ونجح بالفعل بترويج قيم سياسية واجتماعية، بل كانت هناك محاولات لم تشكل تياراً استطاع أن ينفتح علي جمهوره . لعل الجملة هذه بداية مشروع يدرس فنون الأداء والعرض وليس النتيجة النهائية للتجارب المسرحية والفنية بشكل عام. ولعل الأمر الأكثر أهمية هنا هو أن فنون الأداء والعرض لم تشكل نتيجة نهائية من خلال تجاربها، فهي خاضعة دائمة الي نقاش وسجال وحالما تطرح آراءها بأفكار جاهزة ونتائج حتمية تقع في مطب الخطابية والمباشرة. والنقطة الأكثر اثارة في مجال التأثير هذا هو أن تأثير العنف والجنس علي الشارع خارج دور العرض لم يأتيا من عروض دعت الي هذه المفاهيم بشكل مباشر. كما لم ينتج خطاب فردي من ممثل أو فنان أو أديب يقول ان العنف هو الحل، ولكن تراكم الأعمال التي تحتوي علي العنف والاثارة المجانيين وبشكل غير مباشر هي التي خلقت تياراًً انعكس علي الشارع وعلي الفرد والمجتمع. في اليوم الأخير من المؤتمر قدم المسرحي المكسيكي غوميز بينيا عرضاً آخراً في غرفة بلا مقاعد. كنا جميعاً واقفين هناك ننظر الي رجل يرتدي زي الهنود الحمر ويصرخ علي منبر أمام جمهوره بالانكليزية، ثم بالاسبانية وبلغات الهنود الأصليين القديمة. في ركن بعيد في الغرفة الواسعة كانت هناك فتاة ترقد عارية وكأنها بحالة سبات، وأمامها ممرضة صينية تضع ابراً صينية علي جسد الفتاة (الجميل). علي هذه الابر أعلام أمريكا وانكلترة و… اسرائيل، وكان العلم الأكبر والموضوع علي ابرة مغروسة في رأس الفتاة هو العلم الاسرائيلي. وفي الركن المقابل كان هناك شاب مستلق كأنه ميت والدماء تلطخ جسده وبجانبه امرأة منقبة. انفعل غوميز بينيا بخطابه وصاح عاشت فلسطين، عاشت بوليفيا، كوبا، ايران، ثم سأل الجمهور وكأنه محتار هل يمكن أن نصيح عاشت فرنسا؟ ضحكنا جميعاً، وانهال الجمهور صائحاً عاش العراق، ونيجيريا وهو يردد وراءهم أسماء الدول التي يتمني لها أن تعيش، الي أن صاحت فتاة عاشت انكلترة، فصمت (بينيا) وصمت الجميع! هذه الدول ليس لها أن تعيش من وجهة نظر العرض! بعدها سأل غوميز بينيا جمهوره أن ينزعوا الابر المغروسة عن جسم الفتاة وأن يشوهوا قدر المستطاع جسم الفتي وكتابة الشتائم علي جسده العاري. الي هنا يكون العرض قد استهلك ساعتين، بعدها طلب غوميز بينيا من ممثليه (الفتاة والشاب العاريين والممرضة والامرأة المنقبة) التوجه الي المنبر ليشكلوا لوحة الختام للعرض. ولكن لا زالت الصورة ناقصة، وهنا كان لا بد من سؤال الجمهور أن يشاركوا في اللوحة الختامية والتي ترمز الي خير عبر الفتاة العارية والفتاة المنقبة والنصف عارية والي شر عبر الشاب. واندفع الجمهور للمشاركة بهذه اللوحة. وبدأ التعري من قبل الجمهور.الي الآن ولا زال السؤال يتردد ما قيمة هذا كله، الي أن صاح غوميز بينيا، هيا شاركوا فهذا الشيء الوحيد الذي نستطيع المشاركة به. هذا ما تبقي بنا. هذا كل ما نستطيع القيام به في أيامنا هذه !المسرح هو المكان الوحيد المتبقي كي يقول المسرحي كل ما لديه، لا يوجد أثر للمسرح بالشارع، وما زالت محاولاته خجولة، اذاً وبالنسبة لغوميز بينيا كان لا بد من التوجه الاستفزازي الي الجمهور ولعل الخطوة هذه هي الأولي في حال أرادت قيم المسرح وفنون الأداء الخروج الي الشارع. ما هذا الشرط الغامض للفنون هذه كي تستطيع أن تروج لكل ما هو سلبي وخارج عن اطار القيم بشكل سريع، فيما لم تجد الوسيلة أو الوسائل التي تستطيع بها أن تخرج بقيمها الي الشارع كما فعل الجنس والعنف. حتي تجارب كبريشت أو أوغستو بوال ظلت مقتصرة علي جمهورها! هل هي أزمة الفن والمسرح. هل الأزمة بالدعم المالي لها؟ هل الأزمة بنخبويتها؟ هل هي في العلاقة واللبس بين استهلاك الفنون هذه للنقود والتمويل ومطالبتها بدر الأرباح بدلاً من مطالبتها بانتاج المعرفة والثقافة بدلاً من الربح المادي؟ كلها أسئلة تعطي مشروعية لتنوع الاختصاصات، وايجاد البدائل، وعقد المؤتمرات والتجارب المسرحية سعياً لايجاد السبل والوسائل التي يستطيع بها المسرح وفنون الأداء أن يؤثرا كما هو مفترض. لعل تجربة مسرح الرويال كورت في لندن وعروضه المناصرة للقضايا العربية هي المثال الأعلي فيما يتعلق بالعروض المسرحية المناصرة لقيم اليسار والتحرر، ولكن الموضوع الآن انتقل من سؤال ما القيم التي نؤمن بها الي السؤال حول كيفية عرض هذه الأفكار التي لا يشك أحد بصحتها، كقضية سجن أبو غريب، أو المأساة الفلسطينية. جميعها عروض بقيت أسيرة الخطابية ولم تستطع جذب الجمهور بتنوعاته اليها رغم موافقة الغالبية علي هذه الطروحات. أي انتقل السؤال من (ماذا) الي (كيف) وهو ما تفتقده تجربة مسرح الرويال كورت، وهو السؤال الذي ينطلق منه غالبية المسرحيين التجريبيين في أيامنا هذه. ما يثير الاحترام هو وجود مجموعة كبيرة (وهي كبيرة بالفعل) من المسرحيين والجمهور ممن يعتقدون بأن المسرح وفنون الأداء والعرض بما فيها السينما والتلفزيون والرقص قادرة علي التأثير الفعال والايجابي بالحياة والمجتمع. الهدف موجود ولكن الوسيلة لا زالت قيد البحث والدراسة والتجريب. استطاعت الفنون هذه اثبات وجودها عبر التسلية والترويج ومناقشة الأفكار الراسخة أو الطارئة علي المجتمع، ولكنها لم تستطع الي الآن أن تروج للقيم لتكون فاعلة. لعلها الميزة الأساسية للمسرح، فكل ما هو معروض أمامنا هو مجال للنقاش، ولا مجال للأفكار الجاهزة، ولكن التحية الي صبر المسرحيين هؤلاء الذين عرفوا شراسة المجتمع حولهم ولا زالوا يناقشون سبل الوصول الي الجمهور عبر كل السبل المتاحة بدءاً من النص والشعار وانتهاء بكسر ما يمكن من القوالب التي تعيق الأسئلة عل المسرح يجد دوره الاجتماعي بعيداً عن قيود الترفيه والاستهلاك والتحريم. مسرحي من سورية يقيم في لندن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية