عز الدين القلق
الناصرة- “القدس العربي”:
تستذكر مؤسسة الدراسات الفلسطينية سيرة عز الدين القلق في ذكرى استشهاده في باريس، وهو دبلوماسي فلسطيني بارع، ومثقف فلسطيني لامع، جمعَ بنجاح لافت بين السياسة والثقافة.
ولد عز الدين القلق في مدينة حيفا، سنة 1936. والده محمد سعيد، والدته فاطمة محمود اليحيى، أشقاؤه برهان وأمين وعبد القادر، وشقيقاته ميسر وجهاد ويسر وصفية.
وحسب تقرير مؤسسة الدراسات الفلسطينية، أَطلقَ محمد سعيد القلق على ابنه اسم عز الدين تيمناً بالشيخ المجاهد عز الدين القسّام، الذي أشعل استشهاده، في 19.11.1935، الشرارة الأولى للثورة الفلسطينية الكبرى في 1936.
كان القلق أول مسؤول رسمي فلسطيني يُدعى إلى قصر الإليزيه في حفل أقامه الرئيس فاليري جيسكار ديستان لضيفه الملك خالد عاهل المملكة العربية السعودية.
بدأ عز الدين القلق تعليمه الابتدائي في مدارس مدينة حيفا، قبل أن يضطر، عند وقوع النكبة عام 1948، إلى اللجوء مع عائلته إلى مدينة دمشق، حيث تابع دراسته الإعدادية في مدرسة ابن خلدون، والثانوية في مدرسة الميدان الثانوية. بعد حصوله على شهادة البكالوريا- القسم العلمي، التحقَ عز الدين القلق بكلية العلوم في جامعة دمشق، ونسج علاقات صداقة مع عدد من المثقفين السوريين الذين تميّزوا في مجال إبداعهم، مثل الناقد السينمائي سعيد مراد والأديب شوقي بغدادي، وشارك في نشاط الرابطة الأدبية “وحي القلم”، وبرز شغفه بالمسرح والموسيقى والفن التشكيلي، وخصوصاً بكتابة القصة القصيرة، إذ نشرَ، في سنة 1956، مجموعة من قصصه في الصحف السورية، كما ترجم، في سنة 1961، قصصاً عن الأدب الأميركي والأدب الصيني. انتسب عز الدين القلق خلال دراسته في جامعة دمشق إلى الحزب الشيوعي السوري، الذي كان ملاحقاً من سلطات الجمهورية العربية المتحدة، وسُجن لهذا السبب نحو ثلاثة أعوام (1959-1961) في سجن المزة. بعد الإفراج عنه، تابع عز الدين دراسته الجامعية، فنال، في سنة 1963، الإجازة في العلوم- قسم الكيمياء، وسافر إلى السعودية، حيث عمل مدة عامين مدرساً للعلوم في ثانوية اليمامة في الرياض.
في سنة 1965، قرّر عز الدين القلق السفر إلى فرنسا لمتابعة دراساته العليا، فدرس اللغة الفرنسية في مدينتَي رين وبواتييه، قبل أن يلتحق بجامعة بواتييه، حيث نال، في سنة 1969، دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية.
خلال وجوده في فرنسا، انضم عز الدين القلق إلى حركة “فتح”، وانتُخب رئيساً لفرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، وبدأ مسيرته النضاليه متنقلاً بين المدن الفرنسية من أجل التعريف بحيثيات القضية الفلسطينية وعدالة نضال شعبها، من خلال عقد الندوات وتنظيم التجمعات وإلقاء المحاضرات ونشر البيانات، وهو ما أثار انتباه أنصار إسرائيل في فرنسا. بعد استقراره في مدينة باريس، عملَ عز الدين القلق في المجال الإذاعي فترة من الزمن في إذاعة “مونتي كارلو”، وكان مسؤولًا عن ترجمة النشرة الإخبارية وإعدادها، وساهم، في سنة 1970، بالتعاون مع عدد من أنصار القضية الفلسطينية من المغرب والمشرق العربيين، في تشكيل لجنة مبادرة لدعم الكفاح الفلسطيني، وفي إصدار مجلة “فدائي”. كما تعاونَ مع ممثل منظمة التحرير الفلسطينية محمود الهمشري في العمل على رفع مستوى الوعي بقضية فلسطين في فرنسا، وخصوصاً في الأوساط اليسارية.
بعد اغتيال محمود الهمشري على يد الأجهزة الإسرائيلية، عُيّن عز الدين القلق، في مطلع أيلول/سبتمبر 1973، ممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي لم تكن قد حصلت بعد على تمثيل رسمي في فرنسا، فباشر مهماته النضالية والإعلامية والدبلوماسية، وراح يعمل بجد ودأب متواصلين، فبنى صداقات كثيرة في فرنسا وأوروبا، واتصل بالأحزاب والقوى السياسية، وخصوصاً اليسارية والديموقراطية منها، واستطاع بفضل شخصيته المتميزة من جهة، وتمكّنه من اللغتين الفرنسية والإنكليزية من جهة ثانية، أن يوسع حركة التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني في فرنسا، التي كانت تضج آنذاك بنشاط الدعاية والإعلام الصهيونيين. وفي سنة 1975، وبعد موافقة الحكومة الفرنسية على افتتاح مكتب اتصال وإعلام رسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، أقام عز الدين القلق مكتباً له في مقر وفد جامعة الدول العربية في باريس، الواقع في جادة هوسمان في الدائرة الثامنة، وهو المكتب الذي تحوّل سريعاً إلى خلية عمل متواصل من أجل فلسطين وقضيتها.
سُجن القلق في في سجن المزة في دمشق نحو ثلاثة أعوام (1959-1961)، لانتسابه إلى الحزب الشيوعي السوري، الذي كان ملاحقاً من سلطات الجمهورية العربية المتحدة.
وشارك عز الدين القلق في العديد من المؤتمرات في أوروبا وإفريقيا، كان أهمها مؤتمر اتحاد البرلمانيين الدولي في مدريد، حيث قابل، مع الوفد الفلسطيني، ملك إسبانيا خوان كارلوس، وتمخض ذلك اللقاء عن موافقة الحكومة الإسبانية على افتتاح مكتب رسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في مدريد. كما كان عز الدين أول مسؤول رسمي يُدعى، في أوائل سنة 1978، إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس للمشاركة في الحفل الذي أقامه الرئيس فاليري جيسكار ديستان لضيفه الملك خالد عاهل المملكة العربية السعودية.
وتشير مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أنه رغم المسؤوليات الكبيرة التي أُلقيت على عاتقه في المجالين الدبلوماسي والإعلامي، فإن شغفه بالدراسة والعمل في الحقل الثقافي لم يفارقه، فانتسب عز الدين القلق إلى المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس بصفة مستمع، وسعى لتوثيق الثقافة والتراث الفلسطينيين من خلال جمع الطوابع الفلسطينية، والبطاقات البريدية، والملصقات الفلسطينية، وقام أيضاً بتأسيس قسم للسينما الفلسطينية في مكتب المنظمة في باريس، نجح في استقطاب مجموعة من الشباب السينمائيين الفرنسيين التقدميين، “مجموعة فانسان”، التي أخرجت فيلماً وثائقياً عنه بعد استشهاده بقليل، حمل اسمه.
اغتيل عز الدين القلق، مع مساعده عدنان حمّاد، في مكتب منظمة التحرير في باريس، في الثالث من آب/ أغسطس 1978، على يد شابين اتهمتْهما قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالانتماء إلى “المجلس الثوري لحركة فتح” (أو جماعة أبو نضال- صبري البنا)، المنشق عن الحركة في سنة 1974. وبعد اعتقالهما على يد البوليس الفرنسي، جرت محاكمتهما، في آذار/ مارس 1980، وحُكم عليهما بالسجن مدة 15 عاماً، وأُطلقا بعد أن أمضيا نصف المدة في السجن.
وكان لاستشهاد عز الدين القلق صدى كبيراً في الأوساط العربية والدولية، وأصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بياناً رسمياً بهذا الشأن جاء فيه: “كان يعمل دائماً على إجراء حوار بنّاء مع السلطات الفرنسية”، كما أشادت معظم الصحف الفرنسية بدوره وصفاته. وشاركت جموع كبيرة بالصلاة على جثمانه في جامع باريس، كان ضمنهم الدبلوماسيون العرب المعتمدون في باريس، كما شاركت في وداعه حشود كبيرة من أصدقاء الشعب الفلسطيني الفرنسيين والأجانب، وتمّ نقل جثمانه إلى دمشق، حيث أقيمت له جنازة حاشدة شارك فيها عشرات الألوف من المواطنين الفلسطينيين والسوريين، وألقى خلالها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات كلمة تأبين للشهيد في مخيم اليرموك في دمشق، حيث دُفن في مقبرة الشهداء.
أسس القلق قسماً للسينما الفلسطينية في مكتب المنظمة في باريس، ونجح في استقطاب سينمائيين فرنسيين تقدميين، “مجموعة فانسان”، التي أخرجت فيلماً وثائقياً عنه بعد استشهاده بقليل، حمل اسمه.
برحيل عز الدين القلق، وهو في عزّ عطائه، خسرت منظمة التحرير الفلسطينية مناضلاً حقيقياً، ودبلوماسياً لامعاً، وأكاديمياً بارزاً، تابع، على خطى رفيقه محمود الهمشري، إرساء اللبنات الأولى للنشاط السياسي والإعلامي الفلسطيني في فرنسا، ونجح في استقطاب جمهور واسع من السياسيين والمثقفين والإعلاميين والنقابيين الفرنسيين، وعبّأهم لنصرة القضية الفلسطينية.
من مؤلفات عز الدين القلق مجموعة قصص قصيرة بعنوان “شهداء بلا تماثيل”، صدرت في بيروت عن منشورات فلسطين الثورة، عام 1978. وبعد استشهاده صدرت كتب تحيي ذكراه، مثل “الملصق الفلسطيني مجموعة الشهيد عز الدين القلق”. بيروت: منشورات فجر، 1979، و”فلسطين بطاقات بريدية من مجموعة عز الدين القلق”، إعداد الياس صنبر، فاروق مردم بك، جنفييف سيلييه.