أنور القاسم
من يراقب مسلسلات رمضان تشغفه انتاجات هذا العام، التي تعتبر الاضخم من حيث الانتاج والاوسع تمثيلا وتنوعا وابداعا في تاريخ الدراما العربية قاطبة، ويظهر الصراع علي استقطاب المشاهدين العرب علي اشده بين الدراما السورية والمصرية، فقد قارب الانتاجان المصري والسوري مئة عمل، خمسين لكل منهما هذا العام.
وفي الوقت الذي تطغي المسحة الاجتماعية والمشاكل المعاصرة وصناعة النجم علي معظم المسلسلات المصرية تتشعب اهتمامات الدراما السورية، بحيث تغطي الكثير من القضايا التاريخية والسياسية والادبية والاجتماعية.
ولعل ابرز هذه الاعمال واضخمها مسلسل أبناء الرشيد الامين والمأمون، الذي تبثه دبي، فهذه الملحمة تستلهم التاريخ وتستحضر الخلافة العباسية والصراع السياسي علي العراق، في اسقاط علي ما يحصل حاليا، فالأمين العربي الصافي النسب لا يفقه من العربية سوي الشعر واللهو والخمر ـ وهو حالنا اليوم ـ بينما يتمتع المأمون ذو النصف الفارسي بذكاء سياسي وعسكري حاذق. وأهمية هذا العمل كونه من اعمق قصص التاريخ العربي اثرا وعبرا.
فيما يتحفنا رائد الفانتازيا العربية التاريخية المخرج نجدت انزور بعملين ضخمين ايضا هما المحروس ومسلسل المارقون، الذي يعالج مشكلة الارهاب، ويحشد له ـ اضافة الي الفنانين السوريين ـ 200 من خيرة الفنانين من عشر دول عربية واجنبية، وتستأثر بعرضهما حصريا قناة ال بي سي اللبنانية.
بينما يبرز المسلسل التاريخي الديني خالد بن الوليد بقوة ليتحدث عن حياة سيف الله المسلول في تقديم الفضائل واستنهاض الهمم والغرف من كنوز التراث العربي ورجالاته.
ويبرز مسلسل مرايا مجددا وبقوالب منوعة ليقدم لوحات كوميدية سياسية اجتماعية ناقدة لا تكتمل متعة مشاهدات رمضان دونه.
ولا شك ان بعض المسلسلات المصرية ستشكل منافسا قويا هذا العام بعد التعلم من تجربة مسلسلات العام الماضي الكبيرة التي هاجمها النقاد وشكلت صدمة للجمهور، مثل المرسي والبحار ليحيي الفخراني، و احلام عادية ليسرا و عيش ايامك لنور الشريف.
وربما تشكل بعض الاعمال المصرية هذا العام نجاحا خاصا، لتنوعها ولنجومية ابطالها مثل سكة في الهلال ليحيي الفخراني علي قناة دبي و حضرة المتهم ابي لنور الشريف و مواطن بدرجة وزير لحسين فهمي، اضافة الي توقع استقطاب مسلسلي حليم و السندريلا جمهورا عربيا عريضا لما يتمتعان به من حب لدي شرائح كبيرة من المجتمعات العربية.
لكن الملفت في دراما هذا العام افتقادها كليا لأي تناول للقضية الفلسطينية أو للمأساة العراقية أو حتي لحرب لبنان، وكلها قضايا مصيرية، تم تجاهلها فنيا ربما تأسيا بتجاهلها سياسيا.
حضور خليجي وغياب مغاربي رغم اغراق الدراما الخليجية بمحليتها، الا انها بدأت تخط طريقها وسط صراع منتجي الفن الكبار، فقد انتجت دول الخليج حوالي عشرين مسلسلا في اكبر انتاج عبر تاريخها، وتتنافس علي هذا الانتاج السعودية والكويت والامارات، ومن اهم الانتاجات في رمضان مسلسل الامبراطورة علي قناة ام بي سي وهو عمل اجتماعي يعالج الصراع علي السلطة والحكم، والمسلسل الكويتي صاحبة الامتياز والمسلسل التاريخي اسد الجزيرة ومسلسل اسوار الذي يناقش مسألة الضغوط التي تتعرض لها الفتاة السعودية، وغيرها العديد من الاعمال المميزة.
ويبدو ان التوانسة الشطار في التجارة قد اغوتهم الصناعة، فاتجهوا نحو الانتاج المحلي، حيث سيطر علي تسعين بالمئة من خارطة البث الرمضاني لهذا العام، وكان اهم الاعمال العروي و اسرار عائلية، وغلب عليها الطابع المحلي والفكاهة. اما المغرب فقد هجر الاعمال المحلية كليا نحو الدراما السورية والمصرية، اسوة بليبيا وموريتانيا واليمن.
عودة المعتزلات لعل ابرز الظواهر في اعمال رمضان الحالي هو الاحتشاد اللافت للفنانات المحجبات، وخاصة في المسلسلات المصرية، حيث تعود الفنانة الكبيرة سهير رمزي الي الفن بعد احتجاب طويل لتظهر في بطولة مسلسل حبيب الروح، فيما يغص مسلسل قلب حبيبة بالفنانات المحجبات، الذي تقوم ببطولته النجمة العائدة من الاعتزال سهير البابلي، بمشاركة الفنانة السورية جمانا مراد.
بينما عادت النجمة المحجبة صابرين التي صامت عن الاعمال الفنية بعد مسلسل ام كلثوم لتمثل في مسلسل كشكول لكل مواطن، واقتفت أثرها الفنانة عبير صبري التي تظهر في اصعب قرار.
أما الفنانة الكبيرة عفاف شعيب فتقوم ببطولة اول مسلسل اجتماعي هو القاهرة 200 بعد ان كانت تحصر مشاركاتها في الاعوام الماضية بالمسلسلات والاعمال الدينية.
بدورها تخوض الفنانة المتحجبة حديثا حنان الترك بطولة من نوع آخر تركز علي معاناة الاطفال في مسلسل اولاد الشوارع.
ويشارك عدد كبير من المحجبات في بطولة مسلسلات او أعمال منوعة منها مسلسل قلب الدنيا، الذي تلعب دور البطولة فيه الفنانة مني عبد الغني.
وتظهر الفنانة الشابة مي عز الدين في اول بطولة تلفزيونية بغطاء رأس يشبه الحجاب في المسلسل التلفزيوني بنت بنوت، الذي تدور احداثه في حي شعبي، ويعرض حصريا علي دبي.
كما تظهر الفنانة فيفي عبده بغطاء الرأس في اضخم عمل مصري لهذا العام وهو سوق الخضار، والذي تستأثر بعرضه قناة الراي الكويتية.
وتتميز دراما رمضان الحالي النسائية، سواء الشامية أو الخليجية أو المغربية، بالتركيز علي اللباس الشعبي والتقليدي في ظاهرة جديدة، ربما تقربا من الحياة الطبيعية للمجتمعات العربية والبعد عن الفانتازيا التي اكتسحت الشاشة الفضية في السنوات الماضية، غدت ظاهرة عامة في الاعمال العربية.
من كاريكا الي ويكا! بعد موجات الجزر المتواصلة التي ما زالت تختبرها الساحة الغنائية العربية، ليس في الانتاج بطبيعة الحال، بل في التسويق والمردود المادي، وقعت ضالة المطربين علي رمضان عله يعوض بعضا من الخسائر، حيث يشهد هذا الشهر الفضيل ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الدراما العربية، وهي صراع المطربين والمطربات علي المسلسلات الرمضانية.
لعل ابرز العائدين للغناء بعد غياب طويل المطربة وردة الجزائرية، التي تقوم ببطولة المسلسل المصري آن الأوان، الذي يدور في إطار كوميدي اجتماعي حول سيدة تمتلك شركة لإنتاج الكاسيت تهتم بتقديم الغناء الجيد والفن الراقي، في وجه موجات من الغناء الهابط ومطربات التعري واقحام الجسد، الذي اخذ يطغي علي مفهوم الطرب.
وتشارك في هذا العمل ايضا المغنية اللبنانية تينا في أول تجربة لها في التمثيل، بينما يجسد المطرب خالد سليم دور المطرب الحقيقي الذي يبحث عن فرصة، ويعد هذا أول عمل تليفزيوني لخالد، كذلك الحال بالنسبة للمطرب سعد الصغير الذي يجسد في المسلسل دور مطرب شعبي.
من جانبه قرر المطرب مصطفي قمر أن يقتحم التليفزيون عن طريق مسلسل بعنوان علي يا ويكا تدور أحداثه حول شاب ينشأ في احدي المناطق الشعبية وينجح في تحقيق طموحاته بالجهد والمثابرة.
ويخوض المطرب عصام كاريكا اول تجربة تلفزيونية في مسلسل حياتي انت مع المطربة روجينا. كما يقوم المطرب السوري مجد القاسم ببطولة اهم عمل مسرحي لهذا الموسم وهو القباني، الذي يدور حول سيرة المسرحي الكبير ابو خليل القباني في عمل مسرحي غنائي من اخراج رفيق الصبان.
ومن المنتظر ان يشكل مسلسل السندريلا حدثا مميزا لهذا الموسم لما لسيرة الفنانة الكبيرة سعاد حسني من ثراء ولظروف وفاتها الغامضة، ويضم هذا المسلسل بدوره عددا كبيرا من المطربين، بداية من المطربة غادة رجب التي تخوض تجربة التمثيل لأول مرة، وتجسد شخصية الفنانة نجاة الصغيرة، كما تظهر المطربة الجديدة مي كساب في اول عمل تلفزيوني في مسلسل لا أحد ينام في الاسكندرية، بعد ان ظهرت لاول مرة كمطربة في دويتو غمض عينيك مع مجد القاسم في العام الماضي.
كما تشارك كساب المطرب مدحت صالح بتقديم فوازير رمضان من خلال عدد من الاستعراضات والاغنيات المشتركة.
وبهذا يصبح رمضان مربدا، ليس دينيا فحسب، بل اقتصاديا وتجاريا وثقافيا وفنيا. كاتب من أسرة “القدس العربي” [email protected]