أسامة أنور عكاشة
لم تكن الدراما التلفزيونية المصرية في يوم من الأيام بعيدة عن السلطة، متحررة من قيودها الرقابية، أو خالية من التوجيه والإرشاد، فهذا الفن على وجه الخصوص بدأ ظهوره في فترة الستينيات، ولم تعرفه مصر في عصرها الليبرالي. رغم ذلك استطاع الفنان المصري أن يقيم فن الدراما التلفزيونية، ويرفع أعمدته الراسخة، آخذاً في الإبداع وصناعة الجمال المتقن، إلى أن صار لدينا تاريخ عظيم، وثروة هائلة من الأعمال الفنية، تم تكوينها على مدى أربعين عاما أو أكثر. بعد ذلك بدأت مرحلة الانحدار التدريجي، وأخذت ملامح الضعف والوهن تظهر على وجه هذا الفن، ثم اختفى الوجه الذي كنا نعرفه وإن تغيرت ملامحه، وأطل علينا وجه آخر لا نعرفه، ساد وتمكن وأحكم سيطرته، وقف على أرض لم يمهدها، وسكن بنياناً لم يتعب يوماً في تشييده، لكنه ظن نفسه سيداً على هذا البنيان، مستحقاً له، لا لشيء سوى أنه استطاع الدخول إليه. جرى ما جرى وبات أمراً واقعاً، وبطبيعة الحال والزمن، صار هناك ما يعرف بالدراما التلفزيونية القديمة، والدراما التلفزيونية الحديثة، لكن هل جاءت الدراما التلفزيونية الحديثة لتبهر المتفرج بتطورها؟ وتأخذه في تجربة جمالية مختلفة، وتحقق له متعة فنية لم يعرفها من قبل؟
المسلسل التلفزيوني وأهمية الكلمة
المسلسل التلفزيوني من أكثر الفنون المرغوبة في مصر، وهو وريث المسلسل الإذاعي، الذي كان سائداً قبل ظهور التلفزيون، من خلاله كان المصريون يستمعون إلى الكلمة المكتوبة بعناية، ويتابعون أحداث الحكاية الدرامية المؤلفة، ويشعرون بموهبة الممثل وقدراته التمثيلية من خلال صوته فقط، ويكملون بخيالهم بقية العناصر المفقودة، التي لا تستطيع الإذاعة أن تحققها. لذا ارتبط المسلسل بالسماع أولاً، ولا يزال البعض من الأجيال السابقة، يستخدم فعل السماع حتى في حديثه عن المسلسل التلفزيوني، فيقول استمعت إلى المسلسل، ولا يقول شاهدت المسلسل. ذلك أن المسلسل التلفزيوني لم يقض على المسلسل الإذاعي، ولم يلغ وجوده بمجيئه، وهناك أوقات كان فيها المصريون حريصون على متابعة الاثنين معاً، خصوصاً في شهر رمضان الكريم، وحالياً تحظى المسلسلات الإذاعية القديمة، بحياة جديدة وفرصة وجود آخر من خلال اليوتيوب. نأتي إلى السماع مع الدراما التلفزيونية الحديثة، ماذا يقال وماذا يستمع إليه المتلقي؟ وهذا يقودنا إلى الكلمة المكتوبة في الأساس، التي تتحول إلى منطوقة في ما بعد، فنحن إذن أمام الكاتب، كاتب الدراما التلفزيونية، الذي يجذبه موضوع معين، فيعكف على تناوله والتعبير عنه، مثله مثل أي كاتب أو مبدع آخر، فقط يختلف الوسيط الذي يوصل من خلاله الموضوع والأفكار إلى الجمهور. هناك كتاب صنعوا مكانة رفيعة لكاتب الدراما التلفزيونية، إلى درجة أجبرت الجميع على الاعتراف به، حتى من لا يقيمون وزناً إلا للكلمة المطبوعة فقط، ويظنون أن الأدباء والشعراء أعلى قدراً من كتاب الدراما التلفزيونية، هذه المكانة صُنعت بالكثير من الصبر وبذل الجهد، والسير الدؤوب في طريق طويل شاق، حتى صارت على هذا القدر من الألق والجاذبية والتأثير. وهناك من أتى وقد أتاحت له الظروف أن يكتب مسلسلاً تلفزيونياً، فيريد الحصول على هذه المكانة، دون أن يبذل جهداً، أو أن يتعب في كلمة تمتع الجمهور وتلامس مشاعره، والحق أن هناك من كتاب الدراما التلفزيونية في الوقت الحالي، من لا يرغب في هذه المكانة ولا يكترث بها أصلاً، وربما لا يعرف روادها وأكابرها، ولا يعنيه الذوق الفني في شيء، فالمسلسلات على كل حال تنتج ويتم تسويقها، والسوق كبير ومتسع ومستهلك، لا يعرف كساد البضائع، وإن أحجمت الملايين وعزفت عن المشاهدة، ستتلقى ملايين أخرى ما يعرض عليها، هو إذن يمارس مهنته ويتكسب رزقه بشكل مشروع، وإن كان من عديمي الموهبة. أما من يريد الحصول على هذه المكانة دون تعب، فيكون عادة من محدودي الموهبة، مع الكثير من الغرور الواثق الذي لا يتزعزع، يستطيع أن يكتب مسلسلاً من ثلاثين حلقة، يحتوي على ممثلين ينطقون كلمات الكاتب، لكن ماذا عن جودة هذه الكلمات؟ وماذا يحدث إذا تمت مقارنتها بكلمات وحيد حامد وأسامة أنور عكاشة وصالح مرسي؟
عقدة أسامة أنور عكاشة
لم يكن أسامة أنور عكاشة الكاتب الوحيد، الذي يتربع بمفرده على عرش الدراما التلفزيونية المصرية، بل كان معه عدد من الأنداد أو المنافسين الأقوياء، وعاصره الكثيرون من الكتاب على تنوع مجالاتهم، وألوانهم الدرامية التي تميزوا بها، واختلاف مستوى القدرة والموهبة لديهم. كما أنه لم يكن الكاتب الأول الذي لم تعرف مصر من قبله فن الدراما التلفزيونية، بل إنه جاء ليجد هذا الفن قائماً مستقراً، فقام بصقله والانتقال به إلى الذرى العالية، ولا يستطيع أحد أن ينكر فضل أسامة أنور عكاشة على الدراما المصرية، وإن اختلف البعض مع أفكاره وأسلوبه، فمن الصعب الاختلاف على تمكنه ومدى فنيته وجمال الدراما التي يقدمها. لأسباب كثيرة صار اسم أسامة أنور عكاشة، الاسم الأول الذي يكاد يكون مرادفاً للدراما التلفزيونية في مصر، منها أنه وهب القسط الأكبر من حياته للدراما التلفزيونية، وسخّر موهبته من أجلها بإخلاص تام. لذا نشأ بعد رحيله فراغ كبير، وحاول البعض تعويض غيابه، أو الجلوس فوق مقعده، وكانت النتيجة دائماً هي زيادة الشعور بالفراغ، وأحس الجميع بالمشكلة، حتى من يرون أن الأمور على ما يرام طوال الوقت، وأن الفن المصري بخير وأنه أعظم فن في العالم. والدليل على ذلك أنهم حاولوا صناعة أسامة أنور عكاشة آخر، ناسين أن أسامة أنور عكاشة هو من صنع نفسه، وهو من اعتنى بموهبته وحصنها بالقراءة والتعلم، وثابر واجتهد وقاوم الرفض حتى حصل على فرصته، وأي دعم تلقاه في ما بعد كان يستحقه تماماً. استمرت محاولاتهم لسنوات، وبعد أن تأكد الفشل الذريع، قرروا أن يأتوا بأسامة أنور عكاشة نفسه من جديد، عن طريق تقديم بعض أعماله التي كتبها قبل وفاته، ولم يهيأ لها التنفيذ حسبما يقال، ولا يهم أي شيء سوى أن نجد مسلسلاً تلفزيونياً، مكتوبا في مقدمته أنه من تأليف أسامة أنور عكاشة، ولا تبحث عن الجودة والجمال والمعنى والقيمة، ولا تسأل هل هذا أسلوب الكاتب الفذ؟ وهل هذا مستوى قلمه وخياله ومفرداته؟ أو هل حققت هذه الأعمال النجاح ولاقت القبول لدى عشاقه؟ بالطبع كانت أعمال أسامة أنور عكاشة التي ظهرت خلال حياته، تتدرج وتختلف من حيث القوة والضعف، إلا أن أضعفها خصوصاً في مراحله المتأخرة، لا يمكن مقارنته أبداً مع ما يعرض باسمه بعد وفاته. صحيح أن نصوص الكتاب يمكن إفسادها وتشويهها، عند تحويلها إلى عمل درامي، كبعض أعمال نجيب محفوظ على سبيل المثال، لكن في هذه الحالة يكون لدينا النص المكتوب الذي يمكننا الرجوع إليه، لكن من الصعب تصديق أن يتم تشويه أعمال أسامة أنور عكاشة إلى هذا الحد.
من مظاهر الخلل
خلل كبير أصاب الدراما التلفزيونية في مصر، من مظاهره ضعف الكتابة بشكل بالغ، ويلام في ذلك الكاتب الذي يتصدر لمثل هذا العمل، وهو غير مؤهل له، فعلى ضعيف الموهبة أن يقوم بتقويتها، وأن يتعلم ليعوض نقصها بالحرفية على الأقل، وعلى عديم الموهبة، أن يبحث عما هو موهوب فيه، ويستطيع القيام به حقاً. فليكن الكاتب كاتباً في البداية، ثم يفعل ما يشاء، ويتوجه حيثما يرى، فكم من أعمال كتبت تحت إشراف الدولة، لكنها كانت سليمة من الناحية الفنية، وكم تعاون أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد في مسلسلاتهم، مع منتجين من الدول العربية والخليجية، لكنهما لم يخضعا لذوق غير الذوق المصري، ولم يقدما قيماً خارجة عن قيم المجتمع المصري. كما أن هناك الكثير من الكتاب، الذين استطاعوا الكتابة والتعبير في ظل التضييق السياسي الشديد، فلطالما كانت مثل هذه التحديات موجودة، والكاتب الحقيقي الموهوب يستطيع دائماً أن يجد الطرق لتفاديها. يلاحظ ضعف الكتابة في اختيار الموضوع، فلا توجد مواضيع مميزة جاذبة، بالإضافة إلى التكرار الذي يكاد يجعل من بعض الأعمال نسخاً متشابهة، ويلاحظ أيضاً في عدم القدرة على بناء الدراما ككل، وصياغة الحوار الدرامي، وتصميم المشهد كوحدة صغيرة، تتكون من مجموعها الحلقة فالمسلسل وهكذا. كما نجد ضعفاً شديداً في رسم الشخصية وأبعادها الدرامية، فلا يرتبط بها المتفرج، ولا يتأثر بها سلباً أو إيجاباً. بالطبع لا يتحمل الكاتب وحده مسؤولية الخلل، وإن كان كل شيء يبدأ من عنده، فالإخراج أيضاً أصابه ما أصابه، والإنتاج حدث ولا حرج، والتمثيل الذي تحول إلى فن التبريق والزعيق.
كاتبة مصرية