دمشق ‘القدس العربي’ ـ من أنور بدر: دعونا نعترف أن الدراما السورية التي حققت بعض النجاحات فيما سبق عانت من مطبات أساسية أيضا، أهمهما يتجلى في ارتهان المسلسلات السورية لرأس المال الخارجي، حيث ظلت أغلب شركات الإنتاج السورية تعمل كشركات إنتاج منفذة لصالح شركات إنتاج أو فضائيات عربية، لكن الأخطر من ذلك غياب أي إستراتيجية رسمية للتسويق.
وترك الأمر للعبة الشطارة الفردية لهذا المنتج أو تلك الشركة، مع انعدام أي إمكانية لتسويق المسلسلات السورية محليا، فالتلفزيون السوري وحتى بعد وجود قناة ‘سوريا دراما’ يبقى تاجرا فقيرا، يمنّ على بعض الشركات بشراء إنتاجها أو بعضه من مسلسلات ليست هي الأفضل دائما.
بالطبع مازالت أصداء أزمة عامي 2007 و 2009 تتردد في أي نقاش لهذه المسألة، فمجرد امتناع بعض أو أغلب الفضائيات الخليجية عن شراء أو عرض الأعمال الدرامية السورية في الموسم الرمضاني كان كفيلا بخلق أزمة، وكنا نسارع في سوريا للحديث عن كونها أزمة سياسية تستهدف الممانعة السورية، دون إغفال دور الدراما المصرية أولا والخليجية تاليا في تكوين ملامح هكذا أزمة.
القيادة السياسية التي اهتمت بشراء تلك الأعمال لصالح التلفزيون السوري خففت من حجم الخسائر دون أن تلغي وجودها، مقابل حرص على ربط العاملين في قطاع الدراما السورية بتلك القيادة، والتي بلغت لقاءات بعضهم مع رئيس الجمهورية حدّ تندر الوسط الفني، لكنها أصبحت الآن فواتير لازمة التسديد في زمن الثورة، فلم تقبل القيادة السياسية بأي موقف وسطي لفناني الدراما، بل وصل الأمر ببعضهم حدّ الاعتذار عن أول بيان للفنانين بأنهم ‘متورطون أو مغرر بهم’!! بينما الذين تجرأوا على توقيع بيان الحليب لأطفال درعا الذي أعدته كاتبة السيناريو ريما فليحان فكان التخوين بانتظارهم، إضافة لبيان مقاطعة من قبل منتجي الدراما وبعض المشتغلين بها.
الآن ونحن ننتظر إطلاق مدفع رمضان لبدء الموسم الدرامي بعد أيام، نجد أن هذه الدراما ومنتجوها قد بدأوا الحديث عن أزمتها المستعصية في ظل الانتفاضات الشعبية التي تعم الخارطة السورية، ولهذه الأزمة بالطبع أكثر من وجه، فهي أدت أولا لوقف العمل بالكثير من الأعمال التي رصدت لها ميزانيات ضخمة، والأعمال التي استكملت مازالت حتى تاريخه تشكو تأخر التسويق الخليجي تحديدا، وليس الأمر مجرد تسييس خارجي للأزمة فقط، بل الأهم هو غياب المعلن في ظل الانشغال الجماهيري بالثورات العربية، والتي ولغت أصداؤها في كل البيوت تقريبا، فمن سيتابع هذه الدراما الآن والناس مشغولون بدفن شهدائهم، والتحضير لمظاهرات اليوم التالي؟! وإذا كانت هذه الحالة قد دفعت بالعقدي ألقذافي إلى إلغاء شهر رمضان وما يصاحبه من طقوس دينية، فإن باقي الأنظمة العربية التي كانت تحلم معه بإلغاء يوم الجمعة وطقوسه التي ارتبطت بالتظاهر، تبدوا أكثر عجزا أمام التقويم الهجري وأكثر خوفا من الطقوس الرمضانية التي ستبدأ بُعيد الإفطار لتمتد إلى ساعات متأخرة من الفجر، ولن تكون هذه الجماهير مشغولة كعادتها بموائد الإفطار والخيم الرمضانية بقدر انشغالها بالعمل الثوري، وإن كانت الدراما الرمضانية قد غطت مساحة الطقس الرمضاني سابقا، فإن الانتفاضة الشعبية وممارسة حق التظاهر الليلي ستغطي مساحة هذا الطقس الآن، وستغيب المسلسلات بالضرورة عن موائد الإفطار التي اجتهد من أجلها صانعوا الدراما السورية.
بيان المخرج نجدت أنزور اعترف مبكرا بوجود أزمة، محاولا ربطها على طريقة السياسة السورية بوجود مؤامرة خارجية وقرار يستهدف هذه الدراما، قائلا: إنّ هناك قراراً عربياً غير معلن يقضي بمقاطعة الدراما السورية، أو شرائها بأبخس الأسعار. بينما لم يتوان فراس إبراهيم عن إعلان تفاؤله بأن النظام السوري قادر على تجاوز هذه ‘الغمة’ حسب تعبيره، قبيل إطلاق المدفع الرمضاني، وآخرين كانت الديماغوجيا الثورية كافية لإعلانهم أن هذه الأزمة السياسية ستنعكس قوة على الدراما السورية، خاصة وأن الدراما المصرية بدت مشلولة بعض الشيء، ولسان حالهم يردد ‘مصائب قوم عند قوم فوائد’. وقد يكون الاختلاف في وجهات النظر مسألة صحية ومشروعة أيضا، لكن ما هو غير صحي وغير مشروع أن يبادر بعض المنتجين إلى إصدار بيان مقاطعة بحق الفنانين والمشتغلين بالدراما السورية ممن وقعوا بيان الحليب أو أعلنوا انحيازهم للثورة الشعبية ومطالب الجماهير.
وإن كان تخوف المنتج أو الشركات المنتجة على رأس مالها الموظف في صناعة الدراما قابلا للنقاش، غير أن موقف القطاع العام ممثلا بوزير الإعلام الجديد عدنان محمود يبدو غير متسق مع الموقف الرسمي للحكومة التي تتجاهل الاعتراف بالأزمة، بينما هو يفرض على المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني إلغاء أربع مسلسلات كانت مدرجة في الخطة الإنتاجية، وهي ‘المصابيح الزرق، شرف قاطع طريق، أنت هنا’ وأخيرا ‘المفتاح’، مع أن هذا الإجراء يكاد يُفرغ قرار تحويل مديرية الإنتاج إلى مؤسسة عامة للإنتاج في أيار/ مايو من العام المنصرم، لأن جوهر هذا القرار يعني الاستقلالية المالية والإدارية للمؤسسة، التي وقفت مع مديرتها الأستاذة ديانا جبور عاجزة أمام قرار السيد الوزير، مكتفية بعملين فقط كانت قد باشرت بهما قبل انطلاق الانتفاضة الشعبية في 15 آذار/ مارس المنصرم.
الأعمال التي توقفت والأخرى التي استكملت، وما نجح منها بإيجاد فرصته إلى بعض الشاشات العربية، وتلك التي اكتفت بالشاشات الوطنية الرسمية وشبه الرسمية، ليست إلا مظاهر لأزمة الدراما السورية بين ضغط التوقيت الرمضاني من جهة، وحرارة الشارع المنتفض من جهة ثانية، وهذا سيكون مدار حديث لاحق لنا في ‘القدس العربي’.