الدراما السورية في رمضان: أين الثورة؟

حجم الخط
0

راجي بطحيش

فلنترك العلاقة بين الثورة والدراما السورية جانبا مع أنني أتمنى أن تكون الدراما هذه قد تغيرت في الموسم القادم بفعل نجاح الثورة بحيث يمكننا أن نتحدث عن دراما- ما بعد الثورة أو على الأقل تحلحل خطاب الحرية الغامض والملتبس غالبا وتحوله إلى خطاب مباشر (ليس بالمنظور الفني طبعا) وطبيعي. لا شك إن ما يميز الفن السوري عامة والدراما التلفزيونية خاصة والتي هي واجهة سوريا الحديثة ونافذة العالم العربي عليها هي أنها ما زالت تتعامل مع ذاتها ومع متلقيها بالتالي بصفتها ليست صناعة متكاملة بل عبارة عن مجموعة من الهواة من خريجي المعاهد يريدون ممارسة الفن وهنا يكمن الفرق بين الصناعة في مصر واللاصناعة في سوريا… ففي مصر يدرك القائمون على صناعة الدراما التلفزيون أنهم يقدمون سلعة تهدف إلى الربح والرواج من أجل تدوير عجلة الإنتاج بأعمال كبيرة تسند أعمالا صغيرة وأفلام سينمائية وهكذا أما في سوريا فالعملية مختلفة وهي تخضع لمعايير غرائبية هي أبعد ما تكون عن التجارة أو الربحية أو الترفيه، بل تكمن معضلة الدراما السوريا وميزتها في تلك الفوضى التي لا يبدو ان أحدا يضبطها والتي برزت خصيصا في موسم هذا العام، فربما أراد صناع المسلسلات وتحت ضغط الأحداث في بلادهم ومداهمة رمضان إتمام الأعمال وتسليمها للمحطات بالوقت دون مفاجآت أو خسائر غير ملحة.

وهكذا تابعت مسلسلات كاملة وحلقات من مسلسلات حيث أذهلني التشابه في المشاكل والتي من أهمها مط الحلقات وأخطاء المونتاج التي لا تغتفر فمن حلقات صافية مدتها لا تتجاوز 41 دقيقة هنالك أكثر من 40 / من المشاهد يتجول فيها الأبطال في الشقق من دون هدف أو يتأملون السقف أو ينظرون إلى صورة أو يبكون، فأن يقضي بطل مسلسل 3 دقائق شاشة متواصلة دون أو يقوم بشيء يدفع الأحداث قدما… أو أن تبكي ممثلة لمدة 5 دقائق متواصلة ثم يقطع عليها المخرج لنشاهد ممثلا يخرج من سيارة ويدخل إلى بناية ثم يعود مشهد البكاء ل 5 دقائق أخرى وكأن الأولى لم تكن تكفي لتقنعنا بمأساة البطلة، فهذه جريمة درامية لا يمكن تصديقها ولكنها حصلت وفي أكثر من حلقة انتقيتها عشوائيا ومن مسلسلات مختلفة، أما المشكلة التي لا تقل أهمية عن طامة التطويل فتتمثل بإضافة خطوط درامية للعمل لا علاقة لها بالأحداث الأساسية لا من قريب ولا من بعيد ومن ثم (انتظروا فهنا المفاجأة) ينسى الكاتب أو المخرج أو المونتير أو جميع هؤلاء، ينسى القائمون على العمل هذا الخط الدرامي الصغير ولا تتم معالجته في الحلقات التالية ولا يتم إقفاله حتى في نهاية العمل ظنا منهم أن المشاهدين اغبياء ويملكون ذاكرة مركزية وانتقائية ولن يعيروا خطا دراميا هامشيا الانتباه اللازم، ومن المشاكل أو المآخذ القديمة – الجديدة التي لا يمكن إغفالها هي تلك المشاهد المكررة والمتواترة وفي جميع المسلسلات السورية ومن دون استثناء والتي يحتدم النقاش فيها بين رجل وامرأة ويتحول إلى شجار وينهي المخرج الموقف الساخن بأسهل الحلول المتمثلة بأن يصفع الرجل المرأة بأحسن الأحوال وأن يجرها من شعرها على الأرض في الحالات الأخطر بحجة المصداقية الدرامية وعكس الواقع، المشكلة في هذا أنه إضافة للعنف ضد النساء على الشاشة ومنح الشرعية لذلك بواسطة شخصيات يتعاطف معها المشاهد البسيط فإن المرأة المعنفة في معظم الحالات ليست ضحية بل هي ماكرة وثرثارة وشريرة و’تستحق’ علقة وهذا ما تشدد عليه الحوارات الذكورية التي تعج بها الدراما السورية والتي تحوي تمييزا جندريا خطيرا وغير مقبول وخطاب لا يمكن تبريره بـ’إننا نعكس الواقع’ وخاصة أن هذه الدراما وغيرها تكاد تكون النافذة أو المتنفس الوحيد للكثير من الفتيات والشبان في مجتمعنا العربي وسط الجهل والقمع والفقر.. والغريب أن ما يقابل هذا الخطاب الشوفيني في كثير من الأحيان هو حوارات لنساء ورجال دمشقيين من الطبقة الوسطى لا يتوقفون عن الفذلكة والاستعراض الوجداني واللغوي في مواقف لا تستدعي ذلك غالبا… هنالك بالمقابل خامة جيدة لتأسيس صناعة تعرف أنها صناعة وليست رحلة مدرسية بحيث تمارس اللعبة الدرامية بشكل صحيح وليس بالضرورة أن يكون صادقا إلى أبعد الحدود… وشيء آخر… منذ متى كانت القهوة عبارة عن مهدئ.. بحق. لا يخلو مشهد ثان في المسلسلات السورية من ذكر القهوة أو تجهيزها أو الإنذار بذلك أو الحديث حولها لفض المجالس أو استخدامها كونها المشروب الرسمي المهدئ للأطراف في المواقف الدرامية والصدامات المشتعلة في الفجر والظهيرة والمساء وآخر الليل… شو مشكلتو البابونج؟

على هامش الموسم الفضائي الرمضاني* إجمالا بدا الموسم باهتا، جامدا ولنقل عاديا أمام ما يحدث حوله من ثورات وتغييرات تاريخية بالمنطقة وبالفعل فإن أفضل مسلسل رمضاني كان الزحف على طرابلس وتطويق معقل القذافي والرقص فيه والعبث بأغراضه الشخصية التي اتمنى أن تحفظ في متحف كي لا ينسى الشعب طاغيتهم بالقوة ليضطروا بعدها لتذكره بشكل مغاير وعلى صورة أشخاص آخرين.* مع انني شاهدت حلقات ليست بالكثيرة منه إلا أنني أعتبر ‘الريان’ من أفضل اعمال هذه السنة إن لم يكن أفضلها، فهو عرف كيف يوازن بين القصة الشائكة والحساسة في هذه المرحلة من تاريخ مصر وبين المتعة الحقيقية في المشاهدة الناتجة عن التمثيل وخاصة لخالد صالح وريهام عبد الغفور، إضافة إلى الإيقاع السلس والحيوي، بساطة الحوار وقوته في ذات الوقت.*لا اعتبر نفسي من محبي صباح وأذكر أنني في صغري كنت أخاف من شكلها وحركاتها وبعدها كنت استغرب من مظهرها ومن ذلك التمسك المستفز بالشباب والحيوية، أما ‘الشحرورة’ فقد تابعته ولمفاجأتي باهتمام وخاصة في نصفه الثاني، المميز في هذا العمل إضافة الى كشف شخصية صباح العابرة للأديان والقوميات العربية هو حضور كارول سماحة المحترف والشامل والملتزم إضافة لوجهة النظر الفنية اللبنانية في الدراما والتي يجب أن تعطى حقها ومساحتها اللاحقة في الفضائيات وخاصة ان نجاح ‘الشحرورة’ وأهميته يأتي بعد مجموعة من اعمال السير الذاتية الفاشلة من توقيع القاهرة ودمشق. ولكن هذا لا ينفي حدوث كوارث كتابية في العمل منها مثلا اكتشاف صباح أن ثمة حرب اهلية في لبنان.. هكذا من نافذة بيتها بعد اندلاع الحرب بأسابيع.* وإذا كنا في لبنان.. فالشعب يريد المزيد والمزيد من الأدوار لرفيق علي أحمد.* ما ميز القنوات الفضائية المصرية الرسمية منها والعامة خلال رمضان، عن غيرها من القنوات التي كانت بحالة اشبه بالغيبوبة هي البرامج الحوارية بعد منتصف الليل عن الثورة المصرية وما حولها وما بعدها، ولكن هذه البرامج وخاصة على القنوات الرسمية كانت تكرر نفسها وضيوفها باستمرار ولم تأت غالبا بجديد وكانت كمية الثرثرة حول الثورة والتشكيك والمخاوف من نتائجها ومصيرها تبدو وكأن الإعلام المصري لم يستوعب بعد ما حدث خلال 18 يوما ابتداء من 25 يناير وهو بحاجة لاستعادة الأمر مرة ومرتين وثلاثين…* نداء باسم كافة الفلسطينيين: أرجوكم لا تجلبوا ممثلين غير فلسطينيين لإداء شخصيات فلسطينية، ابحثوا عن الممثلين الفلسطينيين وكفى استسهالا واستهبالا.

قاص وكاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية