الدرس التونسي في ‘الانتفاضة الشعبية’: عبرة للأنظمة التي لا تعتبر

حجم الخط
0

د. عثمان الزياني’إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد للقيد أن ينكسر ولابد لليل أن ينجلي’. إنها أبيات مستوحاة ومستقاة من قصيدة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، فهي بنظاميتها ودلالتها الشعرية فيها ما يدل على استحالة التعايش بين الحياة بمعناها الميتافيزيقي والبيولوجي، وما يحضر فيها من موجبات الحرية الإنسانية والتحرر من جهة، ومن جهة أخرى القيد بما يحويه من تعبيرات عن الأغلال، والقهر، والاستعباد والاستبداد، والاحتقار، التي تتنافى مع مستلزمات الحياة والعيش للفرد والجماعة. ومكمن استحضار هذا البيت هو تحققه في الواقع التونسي، فالشعب التونسي أراد الحياة والعيش من دون الخضوع والامتثال لقهر السلطة، التي جسدتها الظاهرة ‘ العابدينية’، ففي تونس إلى تاريخ قريب كل شيء مصادر، الحرية، الحقوق، الإرادة الشعبية، حرية الاختيار، المشاركة السياسية، المعارضة السياسية، حرية التعبير، فالمواطن التونسي ظل لردح من الزمن يعيش تحت وطأة السلطوية والاستبداد، وجرد من إنسانيته وكينونته وتعرض لكل عمليات التشييء والتوظيف الاداتي، من الطغمة الحاكمة ومن يدور في فلكها، فما كان من نتيجة لذلك إلا انطلاق شرارات الانتفاضة والتمرد على المألوف، وبالتالي شحذت الهمم وتعالت الحناجر لترسم ملحمة تاريخية مستعصية على النسيان. إنها ملحمة قلبت كل المعادلات المفسرة والمنظرة لطبيعة التغيير السياسي، وعليه تم التأسيس لبراديغم التغيير الجذري بدل التدريجي، وأن الشعب هو من يملك القدرات والمقومات، وهو مصدر التغيير وحطم أسس كل النظريات التي تتهم الشعوب العربية على أنها شعوب بطبيعتها تحمل بذور الخنوع والخضوع، وهي من يمنح الفرصة للحكام للعبث بها ونهب مقدراتها وثرواتها، وهي ما خلقت إلا لتكون مسيرة.

إن الشعب التونسي كان مع الموعد في تلقين الدروس لكل من يهمهم الأمر، لكل الشعوب التواقة إلى الانعتاق والتحرر من ربقة الهيمنة والسيطرة والتسلط بمختلف أدواته وصوره، فأعاد كتابة التاريخ من جديد وأعطى إشارات قوية على أن الأنظمة السلطوية / التسلطية لا تعمر طويلا، شريطة أن تتوفر الإرادة الشعبية في التغيير وتكسير كل القيود، فالعبرة هنا ليست فقط في أن شعبا تحرر، وإنما الفضل في تداعياتها ونتائجها على الأنظمة العربية الأخرى، حيث أضحت على محك الخوف والرهبة والريب والشك للدخول في متاهات نفس المصير والمآل. إنها عاقبة كل مختال فخور، إن ميزتها أنها حركت وأحدثت رجات في ذلك المجال الراكد/السكوني على المستوى الاجتماعي والسياسي في العالم العربي، وأحدثت قطيعة مع المسلـَّم به في ما هو سياسي عربي، الذي يأخذ منحى قوامه حاكم عربي يستبد بحكمه وشعوب عربية تكتوي بناره، فأصبح كل شيء ممكناً في هذا الزمن الذي أصبح فيه العالم صغيرا تتلاقح فيه الثقافات والشعوب، وينبني فيه الوعي السياسي من دون حدود، وتتوحد فيه المطالب والطموحات والتطلعات الشعبية، وتتناقل فيه التجارب وفعل التحاكي، فتنامى الإدراك الشعبي بأن عصور الحكم البائد انقضت وولت بلا رجعة، ليحتفى بها في مزبلة التاريخ.

إن انتفاضة الشعب التونسي برهنت وبالتأكيد على أن الأنظمة التي هي على قدر من الإفراط في جبروتها وعنجهيتها أمام شعوبها آيلة للسقوط والاندحار، وتتساقط مثل أوراق التوت بفعل هشاشة نسق مؤسساتها، فانظر كيف سقط النظام التونسي وبصورة دراماتيكية، تدعو للشفقة حينا بسبب الطبيعة الإنسانية التي لا ترضى المذلة، وتدعو للتشفي حينا آخر بفعل تفننه في إذلال شعبه. إنها عاقبة من لا ضمير له أن يتغرب عن وطنه ويحزم أمتعته إلى المجهول، كما فعل في خصومه ومعارضيه، ويعيش على إيقاع كوابيس فقدان السلطة وما تستتبعه من توتر نفسي وقلق مزمن قد يؤدي به إلى التعجيل بهلاكه وقضائه، إنها ضريبة التسلط.

إن درس الانتفاضة الشعبية لم تأت تأثيراته فقط على مستوى الداخل التونسي، وإنما امتدت إلى الخارج العربي، وبينت انه على الرغم من حجم السلطوية والمغالاة في تطبيقها، فان التغيير ممكن شرط أن تتوفر الإرادة الشعبية، والشيء المثير في هذه الملحمة عفويتها لأنها استجابت لنداء الضمير وجمعت مختلف الشرائح والفــــئات المجتمعية، ومختلف التيارات والتوجهات السياسية في شكل تفكيـــــر جمعي متوحد في أهدافه، حيث لا شيء إلا التغيير واسقاط النظام الحاكم/ الفاسد، وبالتالي ما على الشعب التونسي إلا الاحتفاء بالنصر وضرورة تحصين مكتسباته، والسير في خطى البناء الديمقراطي الصحيح من دون الرهان على نخبة السكر التي سرعان ما تذوب في قوالب السلطة، فالشعب هو من يصنع الحاكم والنخب، وما عليها إلا تحمل المسؤوليات وكسب الرهانات المجتمعية.

وعلى المستوى العربي على الأنظمة العربية أن تتعظ وتأخد العبر، وتحدث قطائع مفصلية مع نمط الحكم السائد ذي المنزع السلطوي الاستبدادي والمضي إلى الانفتاح الديمقراطي الذي يجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. ‘ أكاديمي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية