الدرس الموريتاني: الديمقراطية تنشأ حتي في الصحاري!
جواد موسيرالدرس الموريتاني: الديمقراطية تنشأ حتي في الصحاري! لا، ليست القصة قصة هامش ومركز أو صغر او كبر. المقاييس التي تري بها الدول العربية نفسها وبالأخص بعضها البعض لا زالت بالأولية، والحق أن ديمقراطية مترسخة أو حتي ناشئة هي أكبر وأنفس بكثير من الحجم الجغرافي او الثقل الإقتصادي للدولة التي تنشأ فيها، حتي وإن كانت هذه الدولة مجرد موريتانيا وإلا لما كانت سويسرا سويسرا والدنمارك دنمارك ولوكسمبورغ لوكسومبورغ. نحن لا نريد هنا أن نتسرع فنقارن موريتانيا بالدول المذكورة أعلاه ولكن ينبغي أن لا نحصر هامش الطموح والحلم خاصة وأن أصواتا لا زالت لحد الآن تصف ما يجري في العراق بالتحول الديمقراطي وأشياء اخري لا يسعنا حين سماعها إلا أن نردد الجملة المتهكمة لبوتين التي رد بها علي بوش خلال زيارتة الأخيرة لروسيا في معرض حديثة عن النمودج الديموقرطي العراقي: لا، ديمقراطية كالتي في العراق لا نريدها ، وأن نصرخ بملء حناجرنا، الديمقراطية جيدة ولو في موريتانيا… إن كانت هي إرادة الموريتانيين وليست إملاءات الدبابات الأمريكية.واحات الديمقراطية صالحة في كل الأحوال ولو لمزية تعيير الجيران اللاديمقراطيين، وتعيير العرب بديمقراطية موريتانيا، إن هي كتب لها البقاء، هو في كل الأحوال أقل إيلاما من تعييرهم بديمقراطية قامعهم الأول إسرائيل، خاصة وأن ما استطاع الموريتانيون تجاوزه من أجل الوصول إلي الديمقراطية هو أكبر وأعوص بكثير مما يجب علي العديد من الدول عندنا تجاوزه للوصول الي نفس النتيجة. فيكفي أن موريتانيا من أفقر دول العالم، سكانها شديدو المحافظة، بانتماءات وهويات قبلية كثيرة ومؤسسات الدولة هناك ليست بعراقة مؤسسات دول مثل مصر أو المغرب أو ما شابه… كلها ظروف لا تنتج عادة إلا التمزق والحرب الأهلية وفي الحالات الأقل سوءا إستقرار القبضة الحديدية، وما استطاع العسكر التخلي عنه من أجل سياسة مدنية هو، بمقاييس الإغراء الذي عادة ما يستولي علي المعنيين، شيء غير مسبوق ويجب الإعتراف لأصحابه به. والإعتراف هنا لا ينبغي أن يجيء من رؤساء دولنا الذين، منذ أن جاءت بهم إنقلاباتهم العتيدة قبل عقود، لا زالت خاصراتهم ملتصقة بكراسيهم المريحة، لأنه في كل الأحوال سوف لن يتم أو إن تم كما هو الحال مع الرئيس اليمني علي صالح الذي نقلت الأخبار عنه تهنئته للرئيس الموريتاني في اجتماع القمة الأخير في الرياض بجملة من الغرابة: أهلا بالولد الذي وعد فوفي ، فإنه يكتسي طابع النكتة الركيكة الثقيلة التي تستحق ليس الضحك ـ او بالأحري البكاء ـ عليها بل علي قائلها كذلك. في مؤتمر القمة إياه ترددت أخبار عن تهميش مقصود للرئيس الموريتاني من طرف الرؤساء والحكام العرب، بل حتي من أقرب جيران موريتانيا. المشكلة لا تكمن في الأساس في التهميش المقصود بذاته ولكن في الخلفية التي ذهب بها صاحب موريتانيا إلي لقاء نظرائة العرب أو ربما انتظاراته الخفية. ونحن هنا لا نعتقد أن صاحبنا كان بالسذاجة لينتظر نثر الورد علي هامته والتصفيق لطلعته البهية في مجمع لم يكن همه بالأساس قضايا الإصلاح أو الإندماج أو معالجة ملف العلاقات الداخلية، ولكنه قد يكون تمني، كما تمنينا علي الأقل، لو كان التحول إلي الديمقراطية يعطي لموريتانيا التي يعوزها الثقل السياسي والإقتصادي في المنطقة بعضا من القيمة المضافة. والحق ان انتظارات كهذه؛ إن هي وجدت اصلا، لا تعدو مجرد أوهام، لأنه كما أن الديموقراطيات تبحث عن وتتحالف طبيعيا مع بعضها البعض، فإن اللاديمقراطيات قد تتمكن استثناء ومؤقتا من التحالف ولو تحت مظهر اللامبالاة وغض الطرف عن ديمقراطية بلد غض لم يمتلك بعد القوة المعنوية التي تسمح له بتعزير لاديمقراطيات الإخوة الكبار. لا ننسي أن الدول العربية قادرة علي توحيد الكلمة ولو لغرض إعطاء المزيد من التنازلات التي إن عاد للشعوب القرار فيها، لرفضتها رفضا قاطعا. هذا لنقول ان ديمقراطية موريتانيا، اذا تمت قد تعطي للبلد فعلا ثقلا معنويا أمام الإخوة وهذا هو السبب الذي جعل الرؤساء تخفض العين منه وهذا بالذات ما يسفه موقفهم وهو ما أعطي عزلة ولد فال صبغة البطولية في جهة ما. المهم هو أن لا تتحول تجربة موريتانيا إلي لعنة علي اصحابها، وهذا يعود للموريتانيين أنفسهم. تحويل نقمة العزلة الجغرافية ـ حدثت أحد أصدقائي من لبنان عن موريتانيا فاكتشفت أنه لم يكن يعلم أن موريتانيا بلد عربي ـ إلي نعمة التميز الديمقراطي هو أحسن ما يمكن أن يحصل لبلد لا زال يحارب من أجل إزالة بقايا عبودية بدنية من العصور الوسطي ولا زالت النساء فيه يتعرضن لعادة التسمين الممنهج…ليس القصد هنا التعيير لا سامح الله، ولكن قيمة أي مشروع تقدمي أو ثوري وحتي إصلاحي تقاس بفداحة الوضعية والحالة السياسية والإجتماعية التي أتي لتجاوزها أو الثورة عليها أو إصلاحها، وهي لذلك تكتسي طابعا خاصا في شنقيط. إرث معاوية ولد سيدي احمد الطايع في هذا الصدد لم يكن بالإرث الذي يندم علي زواله الموريتانيون، ليس فقط لأن من قام يالإنقلاب الأبيض إياه ينتمي بشكل ما إلي النظام السابق، ولكن لأنه لم يعد له في ميزان حسناته ما يشفع له أمام الشعب أو امام المنقلبين عليه قبل أو بعد زواله، ولأنه بطريقة أو بأخري لم يتم تطليقه طلاقا بائنا، فالحزب الحاكم سابقا ـ وهذه مزية أخري يجب أن يعترف بها لأصحابها ـ لم يتعرض كما هو الحال في معظم التغييرات ذات الطابع الإنقلابي العنوي للإجتثاث علي غرار البعث في العراق ـ رغم فـــارق الظــــروف ـ وأعضاؤه والمحسوبون عليه تقـــدموا بكل حرية للإنـــتخابات لتجريب حظهم كما باقي المرشـــحين دون نقــاط سلب او إقصاء. الموريتانيون تنفسوا الصعداء غير آسفين علي معاوية بأمل كبير في المستقبل. الإعتقاد أن النجاح سيكون حليفا للتجربة الجديدة، خاصة وأنها انطلقت بسلاسة لا مثيل لها، وأنها علي علمنا لم تصنع لها أعداء لا في الداخل ولا في الخارج. حتي محاولات معاوية في البدء المطالبة بما كان يدعيه حقه ومحاولة تأليب إنقلاب مضاد لم تنجح أمام سياسة الإحتواء التي اتبعها ولد فال، ولنتصور الوضع الذي كانت لتكون عليه موريتانيا لو أطلق ولد فال العنان للممارسات الكلاسيكية لما بعد الإنقلاب. وحتي مطالبات الدول الأوروبية وأمريكا بعودة الرئيس المخلوع الشرعي بإرادته ما فتئت تتآكل أمام الإعتدال والإشارات المطمئنة التي أطلقها هنا وهناك. بل حتي القلق الذي أبداه الجار الشمالي حيال تغير طارئ في موقف موريتانيا من قضية الصحراء الغربية، بحكم أن بعضا من العسكر الموريتاني، بما في ذلك ولد فال نفسه، طالما أبدي ميلا خفيا للأطروحة الإنفصالية، ما فتئ يتبدد مع التطمينات التي أرسلها تجاه المغرب. ولد فال حرص منذ البدء علي تسطير مهمته وأهدافه وتحقيقها بمنهجية وانضباط غير معهودين، دون تسرع ودون القفز علي إرادة الشعب. مسألة العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل رغم أنها في الأساس أشد ما يسبب الإحراج في تجربة ولد فال، إلا أن قرار عدم التسرع ببثرها مرة واحدة يدخل في نفس المنهجية التي بدأ بها التحول. رغم أن قطاعات واسعة من الشعب الموريتاني تعارض علاقات ديبلوماسية مع اسرائيل، إلا أن ولد فال ليس هنا ليقرر عنه. وحتي إن كانت في ذلك مصلحة فإن اتجاه البلدان العربية بالمبادرة تلو الأخري تجاه إسرائيل، ناهيك عن أن العديد منها يملك علاقات ديبلوماسية كاملة معها، يجعل من خطوة كهذه في هذه المرحلة بالذات ضــرباً من الشَعْبَدَة (من الشعب Populism)، وفي كل الأحوال، بما أن الشعب الموريتاني في الأخير هو من سيكون صاحب القرار، فإنه سوف لن يختار إلا الصحيح. في النهاية العلاقات مع إسرائيل بدأت تحت حكم فردي ويجب أن لا تنتهي أو تستمر بقرار فردي من ولد فال أو من غيره، بل بقرار الشعب وهذا ما سوف يعطيه معني وثقلا آخر. الملف الآخر المحرج هو ملف العلاقة مع القوي الإسلامية أو السلفية في موريتانيا. حين قدومه وجد ولد فال سجون الحكومة مليئة بالسجناء الإسلاميين والمعارضين والإنقلابيين السابقين. ملف الأخيرين ما لبث أن طوي دون صعوبة تذكر، لكن ملف السجناء الإسلاميين لا زال عالقا ينتظر قرارات أكثر من شجاعة. المعضلة تكمن في الخوف من الإيديولوجيا الإسلامية الجهادية التي ـ إلي أن يثبت العكس من تجارب أخري ـ لن تهادن حتي نظاما ديمقراطيا، والقوي الإسلامية المعتدلة ستكون السباقة، إدا سنحت لها الفرصة، إلي استثماره لمصلحة الوصول إلي الحكم، وهو ما قد يجهض التجربة بأكملها في حال وَجدت هذه القوي معارضة من طرف قوي علمانية أو حتي من طرف العسكر علي شاكلة الجزائر. أما إذا كانت القوي تلك أو بعض أفرادها ذوي إتجاهات تكفيرية أو إنتماءات قاعدية، فإن الإفراج عنهم دون ضمانات سوف يكون من قبيل التسرع خصوصا مع النشاط المتزايد لها علي صعيد المغرب العربي تحت راية القاعدة ، والذي شهدنا في الأيام الأخيرة نموذجا منه مع تفجيرات الدار البيضاء والجزائر. والتجربة المغربية بالذات أثبتت أن حتي العفو عن السجناء ذوي القناعة القاعدية لن يشفع للنظام عندهم، فالإعتداء الإرهابي الأخير في أحد الأحياء الشعبية في الدار البيضاء نفذه أحد المشمولين بعفو ملكي. من ناحية أخري الإحتفاظ بسجناء العهد القديم يطعن في العمق في أي تجربة ديمقراطية مهما كانت متانتها حتي إن كان فكر المعنيين بالأمر لا يعترف بشيء إسمه الديمقراطية أو التعدد. لكن كون الكثير منهم يدخل بحكم معارضته للنظام السابق ودورهم غير الهين في إضعافه شعبيا ضمن خانة الحلفاء يجعل النظام الجديد يبدو ناكرا أو علي الأقل يكيل بمكيالين، خاصة أنه سرعان ما سرح المنقلبين السابقين والمعارضين غير الإسلاميين. خلاصة الأمر، موريتانيا حققت الأهم، لكنها لم تصل بعد إلي خط الأمان. حين تتطور الديمقراطية إلي مؤسسة قائمة بذاتها دون ارتباط بكاريزما شخص معين أو بظروف راهنة، وحين تكون قادرة علي حماية نفسها من أعدائها المباشرين والمنافقين الديمقرطيين ومن الردات إلي الخلف والإنقلابات المضادة، حينها فقط يمكن الحديث عن تجربة مترسخة وحينها فقط يمكن لبلاد شنقيط أن تعلن نفسها واحة للديمقراطية ويحق لها ان تتجه شرقا بنموذجها وأن تصدح في وجه الانظمة الشمولية هناك: الديمقراطية تنشأ حتي في الصحاري.. .ہ كاتب من موريتانيا يقيم في المانيا8