محمد اليونسي قبل أيام تلقيت على هاتفي رسالة نصية فحواها دعوة وحث لكي أبادر بتسجيل اسمي ضمن قوائم انتخابية ستخولني لاحقا حق المشاركة في الاستفتاء على تعديلات دستورية يقال أنها ستضع البلد على سكة ديمقراطية حقة ناوشت أحلامنا زمنا من غير أن نفلح في إقناع العالم من حولنا بأننا نستحق أفضل من سياسة القطيع وحكم الرعية.
لكن ما بال هذه الرسالة تتسربل بغير حروف الضاد؟ بل ما حكاية فاعل اتصالات يصر على مخاطبة عملائه بلسان موليير وليوطي في بلد مضى أكثر من نصف قرن على استقلاله وينص دستوره على أن لغته الرسمية هي العربية؟
إنه لأمر محير أن تتواصل وزارة الداخلية مع المواطنين في بلد عربي ذي خلفية أمازيغية نصف ساكنته أمي لا يتوفّق في تهجئة حروف لغته الأم بخطاب فرنسي يحفزهم على المشاركة في فعل سياسي يعوّل عليه لإحداث تغيير جذري يعيد للشعب هوية ضاعت في خضم قصف لغوي وثقافي استهلته الأمبريالية الاستعمارية وتستكمل فصوله المتبقية عولمة كاسحة لا تبقي ولا تذر.
المثير في هذا الباب أنك لا تكاد تعثر على قناة إذاعية كانت أو تلفزية، عمومية أو خاصة – تعتمد اللغة العربية واللهجات المحلية خالصة من شوائب الماضي الاستعماري في شبكتها البرامجية. فحضور الفرنسية كأنه قدر محتوم، حتى أنه توجد بالمغرب إذاعات تتنكر لجلدها المحلي طوال النهار ولا تتذكره إلا إذا جن الليل ولم يتبق من متابع إلا من جافاه النوم وأضناه الأرق.
وتبلغ الإهانة بالمغاربة مداها وهم يتابعون قنوات وطنية تقتطع الدولة تمويلها من عرقهم وقوت أطفالهم بينما هي تعرض برامج وإنتاجات يفترض في معديها والقيمين عليها إلمام بطبيعة المتلقي المحلي واحتياجاته، ودراية بآليات التواصل والتفاعل معه والاقتراب من همومه وانتظاراته. إنما وبغض النظر عن المحتوى الضعيف والمضمون المتهافت لجل هذه الأعمال، فإن ما يشعر الناس بالإهانة هو الإصرار في كثير من الأحيان على تغليف هذا المحتوى بلسان يذكرهم بمستعمر قاومه أجدادهم حتى ظنوا أنهم مخرجوه، ولكن ما استقلوا وما أخرجوه ولكن شبه لهم. وإلا فلم، إن كان الدافع انفتاحا على لغات وثقافات عالمية، إصرار قنواتنا على برمجة أفلام أميركية مترجمة إلى الفرنسية؟ وكأنما لا مجال للتثاقف والانفتاح في المغرب إلا بوساطة فرنسية. أم تراهم لأجل النخبة وريثة التركة الاستعمارية يجرون شعبا بأكمله ليتواصل مع العالم بعيون ومسامع وشفاه فرنسية؟ هكذا يفاقم الإعلام الناطق بالفرنسية في المغرب إحساس الناس بالاغتراب والإقصاء الممنهج للسانهم وهويتهم فينقلب الأمر لديهم إلى نفور وعداوة لا يجدون معها عزاء وتعويضا عن حرمان أشربوه من إعلامهم إلا في قنوات قادمة من الشرق يراقبون من خلالها كيف يحتفي المشارقة بعربيتهم وما تناسل من رحمها من لهجات عهدنا بها غريبة ثقيلة في الشفاه وعلى الأسماع، فإذا بها اليوم طلقة منسابة يتداولها الصبية في حواضر البلد كما قراه.
فكيف لمغربي إذن أن يشعر بوطنيته أو يزهو بمغربيته بينما جل معاملاته مع الإدارة والبنك والبريد تتم بالفرنسية؟ كيف له أن يتشدق بعروبته والبلد الذي عهدناه أمازيغـــيا عربيا قد استحال إقليما ملحقا بفرنسا يرطن ممثلوه في المحافل الدولية بالفرنسية. وكأن لم يترك فيهم أجدادهم من الأمازيغ والعرب لسانا يقيهم مذلة استعارة لغة من احتل أرضهم واستحل عرضهم وسعى للنيل من هويتهم وإحداث القطيعة بين شعب وعربية يكفي أهلها شرفا أن طارق بن زياد القائد الأمازيغي قام بها خطيبا في جند قهر بهم الأعاجم في عقر دارهم.
سيقرأ البعض في ثنايا هذا الخطاب نزوعا شعبويا يخونه العمق، فيجنح إلى السطحية والتبخيس ومحاكمة النوايا. وسيرى آخرون في طياته نكوصا ورجعية وتحاملا ضد توجه رسمي وكوني ارتضى الانفتاح فسلّم أمره لحتمية تاريخية تجر إلى الإفلاس كل أسطورة تقول بنقاء الدم والهوية واللسان. وإنا وإن كنا نقر بسلامة هذا المنطق وبعد النــظر لدى من يتبناه، فإن بلاغة هذا الخطاب واستشرافيته لا تصرفاننا عن التموقع في خندق المنافحين عن عربية أمست مهيضة الجناح في أرضها وبين أهلها حتى ليبدو وكأن الدوائر الرسمية لم تول اعتبارا لما يعتمل في النفوس من غضب، وفي الساحات من حراك يصبو رواده للانعتاق من تبعية للأجنبي اخترقت شتى مناحي حياتهم، ومن نفوذ للفرنسية يلمسه الناس في معاملاتهم الإدارية ومناهج الدراسة ووسائل الإعلام.
وإلا فلو كان من إشارات تترجم حسن نية لدى الدولة أو بشارات تنبئ بتجاوبها مع نبض الشارع، لتفطن دهاقنة مخزنها ودهاته للأمر، فتواصلوا مع المواطنين على هواتفــــهم وقنواتهم بلغة يفهمـــــونها وأبجدية يحسنون فك شيـــفراتها وما تضمر حروفها، لكف إعلامنا عن الثرثرة بلسان مستعار، ولتوقفت شبكات المحمول عن إغراق علبة رسائلي بخطابات سيصــــلني منهــــا بالتأكيد مرسال يدعوني لمباركة تعديلات دستورية تزف إلينا وعودا بعهد جديد وأمازيغية وإن ارتدت لبوس الرسمية، فإن واقع الحال لن يسمح لها بأكثر من موقع بجوار العربية على الهامش بينما تستأسد الفرنسية على رقعة مغرب اختار رسميوه أن يجعلوا منه حديقة خلفية لفرنسا. كاتب من المغرب