“القدس العربي”: على الرغم من أن تركيا لم تعلن رسمياً عن تقديمها الدعم العسكري لحكومة الوفاق الليبية في طرابلس، إلا أن الكثير من التصريحات والتلميحات والصور بالإضافة إلى تحول مجريات المعركة عسكرياً على الأرض أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن أنقرة قدمت بالفعل دعماً عسكرياً ولوجستياً مؤثراً قلص التفوق العسكري التقليدي لميليشيات خليفة حفتر الأمر الذي أثار غضب الدول العربية الداعمة له بشكل غير مسبوق.
وحسب تسريبات من وسائل إعلام تركية، ومشاهد مصورة، وتصريحات رسمية وغير رسمية من مسؤولين في طرابلس، فإن تركيا قامت فعلياً خلال الأسابيع الماضية بتقديم دعم عسكري نوعي لقوات حكومة الوفاق وهو ما مكنها من تعزيز قدراتها القتالية وساهم في حماية طرابلس والمبادرة للهجوم في محاور أخرى ما أفشل الهجوم المتواصل منذ ثلاثة شهور على العاصمة رغم الدعم الإقليمي الكبير الذي تلقته قوات حفتر، قبل أن تتمكن قوات حكومة الوفاق من السيطرة على مدينة غريان وتجبر قوات حفتر على التراجع في الكثير من محاور القتال.
وشمل الدعم التركي حتى الآن ناقلات جند مدرعة تركية الصنع، وصواريخ مضادة للدبابات والطائرات وبنادق رشاشة، إلى جانب الطائرات الاستطلاعية والهجومية بدون طيار تركية الصنع والتي كانت أبرز ما ساهم في تعزيز القدرات القتالية لقوات حكومة الوفاق.
وكان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي جرت بينه وبين ورئيس وزراء حكومة الوفاق الليبية فايز السراج سلسلة اتصالات قد تعهد بـ”استنفار كافة الإمكانيات لإفشال مساعي تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة” وسط حديث عن تفعيل اتفاقيات عسكرية مشتركة بين الجانبين تتعلق بـ”الدفاع المشترك”.
لكن هذا الدعم غير المباشر كاد أن يتحول إلى مواجهة مباشرة بعدما أقدمت ميليشيات حفتر على إطلاق تهديدات شاملة ضد كل ما هو تركي في ليبيا ونفذت تهديداتها باختطاف 6 مواطنين أتراك يعملون في ليبيا، وهو ما فتح الباب أمام إمكانية دخول تركيا كطرف مباشر في الحرب الدائرة في ليبيا المدعومة من أطراف دولية مختلفة.
وبعدما هدد المتحدث باسم قوات حفتر باستهداف كل المصالح التركية في ليبيا ومنع طائراتها في الأجواء الليبية واستهداف سفنها وغيرها من التهديدات، جرى اعتقال 6 مواطنين أتراك قالت أنقرة إنهم بحارة يعملون في إحدى الشركات الليبية ويعيشون في ليبيا منذ سنوات في عملية وصفها الرئيس التركي بـ”القرصنة”.
وعلى الفور أطلقت تركيا سلسلة تهديدات لقوات حفتر كان أبرزها على لسان وزير الخارجية ووزير الدفاع، والتلويح بأن تركيا سوف تعتبر قوات حفتر هدفاً شرعياً لها إذا لم يتم الإفراج عن الأتراك الذين جرى الإفراج عنهم بالفعل خلال ساعات فقط.
وتقول التسريبات التي نشرتها صحف تركية وكتاب مقالات مقربين من دوائر صنع القرار إن الجيش التركي كان بالفعل يستعد لتوجيه ضربات جوية وبحرية ضد مواقع قوات حفتر في ليبيا في حال لم يفرج عن الأتراك الستة الذين يعتقد أنهم جرى الإفراج عنهم بعدما أوصلت تركيا رسائل تهديد قوية وواضحة عبر دول أوروبية على تواصل مباشر مع حفتر.
في مقاله في صحيفة “ستار” التركية يقول يحيى بوسطان، الذي كان يرافق اردوغان في رحلته إلى قمة العشرين التي تزامنت مع واقعة اختطاف الأتراك في ليبيا: “علمت أن استعدادات عسكرية واسعة اتخذت بالفعل لتوجيه ضربة مباشرة لمواقع حفتر في ليبيا من الجو والبحر إذا لم يفرج عن الأتراك الستة”.
وتشير هذه التطورات إلى حجم الخطر الذي وصلت إليه الأوضاع في ليبيا وإمكانية تدهور الأمر إلى صراع مباشر بين القوى الإقليمية التي تدعم طرفي الحرب، حيث تدعم الإمارات والسعودية ومصر قوات حفتر عسكرياً من أجل السيطرة على العاصمة طرابلس.
وخلال الأيام الماضية، أظهرت وسائل الإعلام الممولة من قبل الإمارات والسعودية، حجم الغضب الذي ينتاب هذه الدول من الدعم التركي لحكومة الوفاق، وباتت هذه القنوات تنشر يومياً تقارير وأخبارا مكثفة تتهم تركيا بدعم “الإرهاب والميليشيات في ليبيا وإرسال أسلحة وطائرات إلى طرابلس”.
رسمياً تواصلت التصريحات الداعمة لحكومة الوفاق، وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، الخميس، إن على حفتر التخلي فورًا عن موقفه العدائي ومواصلة العملية السياسية مع حكومة الوفاق، مؤكداً على شرعية حكومة الوفاق في طرابلس.
وهاجم اردوغان، الخميس، حفتر مجدداً القول: “ما حدث (احتجاز 6 بحارة أتراك) هو أسلوب قراصنة بكل معنى الكلمة، فهو (حفتر) قرصان عن جدارة” وحول الدعم التركي لحكومة الوفاق قال: “لدينا بالفعل اتفاق عسكري، وقمنا بتعزيزه، الجهة التي تحاورها الأمم المتحدة في ليبيا بموجب القانون الدولي هو فايز السراج” وأضاف: “السراج وفريقه يستعيدون الأماكن الخارجة عن سيطرتهم يوما تلو الآخر” في إشارة إلى الانتصارات العسكرية التي حققتها حكومة الوفاق مؤخراً.
ووصف وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو، حفتر، بأنه “لا يمتلك حساً إنسانياً ويستهدف الشعب الليبي بلا رحمة” محذرًا إياه من مغبة اختطاف المواطنين الأتراك مرة أخرى بالقول “تصريحنا هذا (التهديد باستهداف قوات حفتر) ما زال ساريًا إذا قاموا بمثل هذه الخطوة تجاه مواطنينا مرة أخرى بعد اليوم”.
وقال في لقاء تلفزيوني، الخميس: “السراج، يبذل جهودًا من أجل توحيد بلاده، أمّا حفتر المدعوم من بعض الدول المجاورة مثل مصر والإمارات العربية المتحدة، فإنه لا يريد الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، وقد بدأ الهجوم (على العاصمة طرابلس) بسبب رفضه تقاسم السلطة”.
واعترف أمر الله إيشلر المبعوث التركي إلى ليبيا أن تركيا “تقيم تعاوناً واضحاً وتوفر الدعم اللازم بموجب القانون الدولي للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، بموجب الاتفاق السياسي الليبي المعتمد من قبل الجهات الفاعلة العالمية في روما والذي جرى التوقيع عليه لاحقًا في المغرب نهاية عام 2015” معتبراً أن “قوات حفتر هي عبارة عن ميليشيات غير شرعية وفقًا لجميع القواعد القانونية الوطنية والدولية”.