د. يوسف نور عوضوصل النظام القائم في السودان – في الوقت الحاضر- إلى الحكم عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين، وكانت تلك أول محاولة للجبهة الإسلامية في الوصول إلى الحكم، والمعروف أن السودان الذي نال استقلاله في عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين قد تقلب في نظم حكم مختلفة معظمها عسكري، والقليل منها حزبي، وقد فشلت تلك النظم في إقامة نظام سياسي يؤسس للواقع السوداني بصورة سليمة، غير أن أطول فترة حكم مكثها نظام هي فترة حكم الإنقاذ التي تجاوزت اثنين وعشرين عاما، وبسبب التحولات السياسية الجارية في العالم العربي فإن نظام الإنقاذ بدأ يدعو أحزاب المعارضة للمشاركة في وضع دستور جديد للبلاد، وكان ذلك أمرا غريبا بكون النظام جاء بتوجهات إسلامية خالصة، وهو الآن يدعو خصومه للمشاركة في وضع دستور قد لا يكون مناسبا مع التوجه الذي أوصل النظام إلى الحكم، وذلك ما دعا تيارات إسلامية أخرى تقف في معارضة نظام الحكم القائم وتصف قادته بالفساد إلى إقامة نظام جديد يكون قادرا على وضع دستور إسلامي خاصة بعد أن صنفت منظمة الشفافية العالمية السودان في مرتبة متدنية، ولا شك أن القاعدة الإسلامية في السودان عريضة، لكن معظم أفرادها لهم توجهات صوفية، وذلك ما يجعل وضعهم لدستور إسلامي بعد وصولهم إلى الحكم أمرا صعبا جدا، وهذا الوضع هو الذي حفز بعض القوى السياسية كي تقول إن الأسلوب الأمثل للإسلاميين هو وضع الدستور خارج السلطة، وبعد أن يستطلع رأي الناس فيه تبدأ تلك القوى محاولة الوصول إلى السلطة من أجل وضع الدستور موضع التنفيذ، ذلك أن التجارب السابقة في الوصول إلى السلطة قبل وضع الدستور شكلت عقبة كأداء كان من الصعب معها التوصل إلى وضع دستور إسلامي يؤسس لنظام حكم قائم.ولا يبدو أن الموقف في السودان في الوقت الحاضر ينحصر في مسألة وضع دستور جديد، ذلك أن المعارضة السودانية بدأت تركز على إخفاقات النظام أملا في إحداث تغيير شامل في بنيته. وقبل أن نفسر هذا الوضع نتوقف عند وثيقة حزب الأمة في مبادرته من أجل تحقيق السلام الشامل في السودان والانتقال به إلى نظام حكم ديموقراطي.يرى حزب الأمة في وثيقته أن السودان في مفترق طرق، وأن وجوده مهدد بصورة كاملة وأن التدهور الحادث في البلاد من وجهة نظره يشمل سائر القطاعات التي تعتمد عليها الدولة.وفي ضوء ذلك يرى حزب الأمة أن انفصال جنوب السودان خلف وراءه مشكلات تبدو مستعصية الحل ولم تقتصر هذه المشكلات على علاقة الجنوب بالشمال وحدها بل شملت أيضا مشكلات في جبال النوبة ومنطقة النيل الأزرق ومازالت المشكلة في دارفور قائمة على الرغم من الاتفاقات المتعددة التي عقدت بين الحكومة وحملة السلاح في ذلك الإقليم. ويرى حزب الأمة من زاوية أخرى أن الأزمة الاقتصادية في البلاد تفاقمت بدرجة كبيرة، خاصة بعد أن فقدت الحكومة حصتها في نفط الجنوب، ويبدو ذلك أمرا مثيرا للقلق بكون حزب الأمة يركز على عائدات النفط في وقت يعلم فيه الحزب أن السودان غني بالموارد الطبيعية، وذلك أمر طبيعي في بلد يتدفق فيه النيل مسافة تزيد على ألفي كيلومتر. ويرى حزب الأمة أن الحكومة القائمة لم تبذل جهدا في تحسين علاقاتها مع المجتمع الدولي، وذلك ما جعل المجتمع الدولي يسعى حثيثا من أجل فرض حلوله على مختلف المشاكل التي تواجهها البلاد. وعلى الرغم من كل ما يواجهه السودان من مشاكل فإن حزب الأمة لا يرى أن الحكومة تبذل جهدا من أجل تغيير هذا الوضع، وكل ما تسعى إليه هو إجراء جراحات تجميلية لإبقاء الوضع كما هو، وذلك ما لا تقبله قوى المعارضة. كذلك يرى حزب الأمة أن هذا الوضع أوجد تيارين في داخل المجتمع السوداني، الأول يسعى لإسقاط النظام بالقوة والآخر يدعو إلى انتفاضة على غرار الثورة الشعبية التي حدثت عام 1964 والتي أسقطت نظام الفريق إبراهيم عبود والأخرى التي حدثت في عام 1985 وأسقطت نظام جعفر نميري، وذلك أيضا على نسق الانتفاضات التي حدثت في عدد من الدول العربية والتي أطلق عليها اسم ثورات الربيع العربي.ويرى حزب الأمة أنه خلال عقدين من الزمان شهدت البلاد احتكارا للسلطة والثروة وتأخيرا للتنمية ومحاصرة للفكر الثقافي و ذلك ما يؤدي من وجهة نظره إلى التفكك الاجتماعي واحتمالات التدخل الأجنبي المباشر كما يبدو في قرار مجلس الأمن رقم 2046 والذي يهدد بفرض التسوية على السودان بالقوة إذا ما فشلت المباحثات بين الشمال والجنوب في حل المسائل العالقة . ويحذر حزب الأمة من انتشار الأسلحة في أيدي القبائل وفي أيدي جميع العناصر التي تعارض الحكومة، وهو ما ينذر بوضع خطير إذا لم تتدارك الحكومة أمرها بالسرعة المطلوبة، ويرى حزب الأمة أن بداية الحل هي عقد مؤتمر يجتمع فيه سائر الفرقاء من أجل إيجاد مخرج لأزمة البلاد. وهذا المؤتمر في نظر الحزب هو الذي سينقذ البلاد من التفكك إذا ما عمل جميع هؤلاء الفرقاء بإخلاص من أجل وضع حلول لأزمات البلاد.ولا شك أن ما تعرض له حزب الأمة يؤطر لأزمة قائمة فعلا، والمسألة لا تتعلق فقط بالتحولات الجارية في العالم العربي، بل بحقيقة أن نظام الحكم استمر في سيطرته على البلاد على مدى أكثر من عقدين ولم يفوضه أحد بذلك، وبعد هذه المدة الطويلة يرى الحل لمشكلاته تكمن في وضع دستور جديد تشارك فيه سائر الأطراف، ولكن ماذا يفعل الدستور مع نظام قائم؟، هل المسألة كلها تتركز في إطالة عمر النظام مع تجاهل لكل ما ورد في وثيقة مبادرة حزب الأمة ؟، نحن لا نتجاهل حقيقة أن الانتقال إلى وضع جديد يتطلب حكمة ورؤية ثاقبة ذلك أنه لا يكفي أن تقول المعارضة إن المطلوب هو الانتقال إلى نظام ديموقراطي، ذلك أن الديموقراطية لا تكمن في عملية انتخابية تأتي بأحزاب ومجموعات أساسها طائفي وقبلي، خاصة أن عمل هؤلاء في الحقل السياسي لا يختلف كثيرا عن عمل الأنظمة الشمولية، وهنا يجب التركيز على الفكر الذي يغير بنية المجتمع الاقتصادية والسياسية والتعليمية وذلك من أجل التحول من نظام السلطة إلى نظام الدولة، بكون نظم السلطة وإن اعتمدت على عمليات انتخابية فهي في حقيقتها دكتاتوريات مقنعة، أما نظم الدولة فهي التي تحفظ للمواطن حقوقه الاقتصادية وضمانه الاجتماعي في إطار نظام اقتصادي عادل ونظام تشريعي خال من نفوذ طلاب سلطة يسعون إلى تحقيق مآربهم الذاتية التي تتعارض مع مصالح المجتمع.، ومجمل ذلك هو أن يعمل دعاة التغيير ولا أقصد بهم المعارضة التقليدية لإيجاد بنية جديدة للمجتمع السوداني تؤسس على نظام الدولة وليس على نظام السلطة، وهذه هي المسؤولية الرئيسية التي تواجه المعارضة. وتبدو دعوة حزب الأمة إلى عقد مؤتمر وطني مناسبة في هذه المرحلة بشرط أن يكون الهدف هو دراسة أساليب التغيير وليس الوصول إلى السلطة.’ كاتب من السودانqraqpt