د. يوسف نور عوض
تتعالى الأصوات في مصر مطالبة بإعادة النظر في اتفاقات كامب ديفيد واتفاقية السلام مع إسرائيل ويأتي هذا الإلحاح الشعبي بعد الاعتداءات التي قامت بها إسرائيل وأدت إلى مقتل عدد من الجنود المصريين في سيناء، ولا شك أن كثيرا من الشباب الذين قاموا بالثورة المصرية الحديثة لم يعيشوا الأحداث التي أدت إلى اتفاقات كامب ديفيد أواتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وذلك ما يجعل الرجوع إلى تلك الأحداث أمرا مهما. وكما هو معلوم فإنه بعد الاعتداء الثلاثي على مصر في عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين وافقت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر على نشر قوات أممية في سيناء وذلك من أجل التقيد باتفاقية الهدنة الموقعة في عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين ولكن وجود هذه القوات لم يحل دون وقوع اشتباكات متكررة بين المصريين والإسرائيليين، وأيضا بين الإسرائيليين وسورية وذلك ما جعل سورية توقع في عام ألف وتسعمئة وستة وستين اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر.
وفي عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين وعلى الرغم من التحالف الذي كان قائما بين الاتحاد السوفييتي والرئيس جمال عبد الناصر فإن الاتحاد السوفييتي مرر معلومات غير مؤكدة للرئيس عبد الناصر بأن إسرائيل تحشد جنودها على الحدود السورية وعلى الفور قام عبد الناصر بإرسال جيوشه إلى سيناء بعد أن قام بطرد القوات الدولية وعند ذلك، طلب الأمين العام للأمم المتحدة ‘يوثانت’ من الجانب الإسرائيلي أن يوافق على نشر قوات حفظ السلام في داخل الأراضي الإسرائيلية ولكن إسرائيل لم توافق على هذا الطلب وقد قام الرئيس عبد الناصر من جانبه بإغلاق مضائق تيران وهو، ما اعتبرته إسرائيل حالة إعلان حرب عليها وتبع إغلاق المضائق، توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الأردن التي طلبت مجيء قوات عراقية، إليها وعلى الفور قامت إسرائيل بتشكيل ما سمته حكومة وطنية وقامت بعملية’فوكس’ الكبيرة التي اعتبرت البداية لحرب الأيام الستة ودون الدخول في تفاصيل الأحداث التي تلت ذلك فقد قامت إسرائيل بهجومها المباغت على مصر في الخامس من حزيران عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين وتمكنت بهذا الهجوم من تدمير سلاح الطيران المصري كما قامت باحتلال سيناء ومرتفعات الجولان والضفة الغربية وأصبح الوضع شبه كارثي حيث، فوجئت الجماهير العربية بهذه الهزيمة خاصة أنها كانت تتوقع هزيمة كاسحة لإسرائيل وقد أدت هذه التطورات، إلى استقالة الرئيس جمال عبد الناصر وقد، رفضت الجماهير استقالتهما، وجد الرئيس عبد الناصر دعما كبيرا في مؤتمر قمة اللاءات الثلاثة في الخرطوم خاصة من الملك فيصل الذي كانت بلاده تخضع لهجوم متصل من الرئيس عبد الناصر في خطبه واستمر هذا الوضع حتى عهد الرئيس السادات الذي حاول رفع المعنويات بحرب العبور ولكن التطور الحقيقي حدث في ايلول/سبتمبر عام ألف وثمانية وسبعين عندما وقع الرئيس أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي ‘مناحيم بيغن’ اتفاقات كامب ديفيد بعد ثلاثة عشر يوما من المباحثات السرية برعاية الرئيس جيمي كارتر وتضمنت هذه الاتفاقات إطارين أحدهما يتعلق بحل مشكلة الشرق الأوسط والمقصود بها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والثانية تتعلق بتوقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل. وقد أدى توقيع هذه الاتفاقات إلى حصول كل من الرئيس السادات ومناحيم بيغن على جائزة نوبل للسلام وقد تبع اتفاقات كامب ديفيد ذهاب الرئيس السادات إلى إسرائيل ومخاطبة الكنيست وهو ما اعتبر اعترافا رسميا بإسرائيل وفي مقابل كل ذلك لم تقدم إسرائيل أي تنازلات عن سياستها السابقة وكان على الجانب العربي أن يقبل المزيد من التنازلات. وعلى الرغم من أنه من الناحية الشكلية سحبت إسرائيل قواتها من سيناء فإنها فرضت قيودا على وجود القوات المصرية فيها وهو ما يجعل تحرير سيناء أشبه بالخدعة التي شاركت فيها إسرائيل والولايات المتحدة على الرغم من صدق نوايا الرئيس جيمي كارتر كما وضح في مرحلة لاحقة عبر الكتابات التي سطرها بشأن اتفاقات كامب ديفيد ولنتوقف الآن مع آراء الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر الذي. تأتي آراؤه، بعد أكثر من ثلاثة عقود من توقيع الاتفاقات وبعد أن شاهد الشبان المصريين على شاشات التلفزيون وهم ينزلون العلم الإسرائيلي من فوق السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وكان الرئيس جيمي كارتر قد انتقد في، كتابه مذكرات، البيت الأبيض الرئيسين بيل كلنتون وباراك أوباما، بأنهما لم يفعلا كثيرا لوقف عمليات الاستيطان التي تقوم بها، إسرائيل في الأراضي الفلسطينية وكان قد قال في كتاب سابق له وهو السلام وليس نظام الفصل العنصري في فلسطين بأن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في عام سبعة وستين كان مقابل عدم رجوع اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وعدم تعويضهم مقابل تشريدهم وانتقد كارتر إسرائيل لأنها تقول لا جدوى من توقيع اتفاقات مع حكام دكتاتوريين ويقول الرئيس كارتر إن الذي شجع إسرائيل، على عدم التقيد أو الالتزام، باتفاقات كامب ديفيد هو رؤيتها أن الرئيس مبارك كان مهتما فقط بتحقيق السلام مع إسرائيل ولم يكن مهتما بالقضية الفلسطينية أو غيرها وذلك ما شجع إسرائيل على المضي في طريقها الذي رسمته لنفسها ولكن جيمي كارتر يتساءل إذا كان ذلك هو موقف إسرائيل ألا تتحمل الإدارة الأمريكية مسؤولية في تنفيذ الاتفاقات التي رعتها؟
، وهو يرى أن التوجه الفلسطيني في الوقت الحاضر للحصول على موافقة الأمم المتحدة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيلقى دعما كبيرا في الجمعية العامة، ولكن بكل تأكيد فإنه عند، وصوله إلى مجلس الأمن سوف يواجه بالفيتو الأمريكي.
ولا شك أن ما قاله الرئيس كارتر يثير تساؤلات كثيرة حول مواقف إسرائيل الحقيقية من الاتفاقات التي تدخل فيها وقد أثبت تاريخها أنها لم تلتزم مطلقا بأي اتفاق سابق ولكن التساؤل يظل قائما هو لماذا لم يستطع الرئيس كارتر أن يلزم إسرائيل خلال فترة رئاسته بالتقيد بما وصلت إليه من اتفاقات؟
هذه من وجهة نظري هي المشكلة الأساسية التي ظلت تواجهها الإدارات الأمريكية، المختلفة وقد أوضحت في مقالات سابقة أنه من الخطأ أن يتصور العرب أن سبب قوة إسرائيل هو دعم الغرب والولايات المتحدة لها لأن هناك كثيرا من المواقف الغربية التي تتعارض مع ذلك وأما سبب قوة إسرائيل فهو ضعف العرب وعدم قدرتهم على الصمود بدليل أنهم يتطلعون الآن في ما يطلق عليه ربيع الثورات العربية إلى الولايات المتحدة لدعم ثوراتهم والسؤال هو لماذا تدعمهم الولايات المتحدة للتخلص من أنظمة حكم تخدم المصالح الأمريكية قبل أن تخدم المصالح العربية.
ويقودنا ذلك كله من جديد إلى ضرورة العودة إلى موضوعنا الرئيسي وهو ضرورة إعادة النظر في اتفاقات كامب ديفيد وهنا لا أعني أن تعقد مصر أو الدول العربية اتفاقات جديدة مع إسرائيل لأن إسرائيل ليست في حالة سلام مع الدول العربية وإنما على الدول العربية أن تتخذ المواقف التي تخدم مصالحها دون مراعاة للموقف الإسرائيلي لأنه من الوهم أن يعتقد الجانب العربي على وجه العموم والمصري على وجه الخصوص أنه حرر سيناء في الوقت الذي لا تملك فيه مصر حق إرسال، قواتها إلى جزء من أراضيها فكيف تكون سيناء محررة إذا كانت مصر لا تملك إرادة القرار فيها؟
وهنا يجب أن نوجه لومنا أيضا إلى جامعة الدول العربية التي لم تعد تقوم بأي دور في خدمة المصالح العربية بل لم تعد هناك قاعدة مشتركة تقف عليها تلك الدول وفي اعتقادي أن هذا الواقع لن يستمر طويلا ليس بسبب التحولات التي تحدث في العالم العربي فقط بل لأن هذا الواقع، لم يعد محتملا في عالم يشهد مرحلة جديدة من تطوره السياسي والاجتماعي.’ كاتب من السودان