الدكتورة سارة محاميد «طبيبة أم الفحم الأولى» تروي لـ «القدس العربي» مسيرة امرأة فلسطينية مناضلة

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: الدكتورة سارة حصري محاميد (60 عاما) من مدينة أم الفحم داخل أراضي 48 هي الطبيبة الأولى الوحيدة في بلدتها لسنوات طويلة، وما زالت تعمل فيها كطبيبة عائلة منذ ثلاثة عقود، وبالتزامن تعمل أيضا كمرشدة في قسم طب العائلة في جامعه تل أبيب.
ولدت الدكتورة سارة في أم الفحم لعائلة معروفة بنشاطها السياسي والاجتماعي. والدها الراحل الناشط المعروف محمود الحصري عضو في عصبة التحرر الوطني قبل نكبة1948 ولاحقا من مؤسسي وناشطي الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. والدها المعروف بكنيته «أبو العفو» ناشط سياسي معروف ومن مؤسسي فرع الحزب الشيوعي. وسبق أن سجن ونفي لبلدة برطعة وبيت جن في أحداث أول مايو/ أيار (عيد العمال) عام1958 ولذا فقد ساد الجو الوطني النضالي داخل بيت العائلة مبكرا.
ولدت في أسرة عصامية مباركة الأبناء تعّد 14 نفرا ومكتبتها مباركة وكثيرة الكتب المتنوعة، مما ساهم في تعلم عدد من الأبناء وأكبرهم الطبيب والنائب السابق الدكتور عفو اغبارية. وقبل أن تدرس التمريض في القدس سبقتها للتعليم الجامعي طالبتان فقط من أم الفحم وقتها، في أوائل سبعينيات القرن الماضي وقد شكلتا قدوة لها وأجّجتا فيها الشغف للتعلم الجامعي كما تقول «كنت أراهما على محطة التكسيات في أم الفحم وأسمع والدي يثني عليهما كلما شاهدناهما على المحطة فأخذتهما قدوة لي. كنت أول امرأة في أم الفحم ومنطقتها درست الطب واليوم توجد نساء كثيرات. الطبيبة الثانية من بلدي كانت قد تبعتني بعد سبع سنوات فصرنا طبيبتين في المدينة». وتستذكر أن والدها شيوعي منذ كان شابا وعمل في يافا قبل نكبتها كميكانيكي وسائق سيارة شحن ثم تقاعد كمحترف حزب شيوعي وتوفي مبكرا فجأة في 1985 وكان رحيله بالنسبة لها وغيرها صدمة فقد رحل في قمة عطائه.

شهر عسل ورحلة للجامعة

بسبب أجواء البيت ولباقة الوالدة التي عملت ربة بيت حنونة وحديث الوالد الدائم عن العلم والتعليم كانت سارة الطفلة تسأله دوما: لماذا المعلمات والممرضات كافتهن من خارج أم الفحم، فكان والدي يقول متوددا بلغته العامية: «إذا بدك كل شي ممكن يصير عنا» أدركت وأنا في الصف الأول أنني سأتعلم وأن لي داعما. وتضيف «كان هذا حلم الطفولة أن أكون طبيبة فصار يناديني دكتورة سارة وأنا في الابتدائية وتبعته كل العائلة، كجزء من تشجيعي لدراسة الطبّ وهذا ما حصل. في البداية درست التمريض في جامعة القدس ولم أتمكن من دراسة الطب في البلاد فاغتنمت فرصة حصولي على منحة من الحزب الشيوعي ودرست وزوجي الدكتور زياد محاميد في ليننغراد ومكثنا هناك سبع سنوات. تزوجنا وسافرنا بعد أيام قليلة».
وردا على سؤال تقول «نعم كان زواجي قبل السفر قد سهّل علي السفر لخارج البلاد فنحن عشنا في مجتمع محافظ ولم يكن مألوفا وقتها بعكس اليوم أن تسافر البنات للخارج لوحدهن حتى من أجل اكتساب العلم. تزوجت في الثالثة والعشرين من عمري من الدكتور زياد محاميد ابن مدينتي فحققنا هدفين بسفرة واحدة إذ كان هذا شهر عسل وبداية التحاق في الجامعة».

ثراء ليننغراد

وتنوه أن تعلمها في ليننغراد التي تتحاشى ذكر تسميتها الجديدة / الأصلية سان بطرسبورغ قد شكلّت فترة جميلة جدا ووجدت فيها فرصة للتعّرف على الثقافات والشعوب من كل قارات الدنيا. وعن ذلك تستعيد ذكريات سوفييتية « هناك أول مرة في حياتي شاهدت عرضا أوبراليا في دار الأوبرا وقد سحرتني. شاهدت مسرحية «فاوت» عن قصة طبيب يبيع روحه للشيطان وهذه قصة شعبية ألمانية.. وهي عرض أوبرالي ومسرحي أيضا. من وقتها صرنا نزور القاهرة ونشارك في فعاليات أوبرا عايدة داخل دار الأوبرا المصرية. وحتى اليوم استمتع بأعمال الأوبرا».
وما زالت الدكتورة سارة تحتفظ بصداقات حتى اليوم مع زميلات أصبحن طبيبات في اليونان وقبرص وسوريا والسويد ومصر وكردستان، خاصة أن التكنولوجيا اليوم سهلتّ التواصل. وتتابع «عندي صديقة طبيبة سورية الأصل تقيم في السويد اليوم ما زلنا على علاقة وثيقة واتبادل معها اتصالات هاتفية».
كذلك تستذكر أن ليننغراد مدينة ثقافة غنية بمتاحفها ومسارحها وما زالت تّحن لها وتحاول إطفاء هذا الحنين بزيارتها عدة مرات، منوهة أنها حرصت على زيارة كلية الطب ومساكن الطلبة حيثما سكنت وزياد قبل أن تعود لوطنها طبيبة عام 1990.

الطب والمطالعة والرسالة الاجتماعية

تعمل الدكتورة سارة طبيبة عائلة منذ 28 عاما لكنها لا تكتفي بالمعالجة وبالتطبيب وترى بـنفسها صاحبة رسالة اجتماعية. وعن ذلك تقول «عندما تأتي النساء ويسألنني عن فحص طبي أطلبه لهن: الفحص عند رجل ولا امرأة ؟ فكنت أقول: كي تتعالج النساء ويتلقين خدمات طبية من طبيبة علينا تعليم البنات. كذلك كنت أشجع الفتيات على التعلم».
وبقدر ما تولي مهنتها الجهود والأوقات فهي كذلك مهتمة جدا بالمطالعة وتقول إن الفضل في هذه النعمة يعود لوالدها أيضا حيث حرص على قلة موارده على بناء مكتبة كبيرة: صحيح أن بيتنا كثير الأولاد لكن مكتبتنا عامرة وكل الكتب والموسوعات متوفرة في مجالات شتى. وفي ذاكرتي انطبعت صورة والدي رجل يمسك الكتاب ويقرأ وأنا مثله صديقة للكتاب».
من الكتب التي تركت أثرا في نفسها كتاب عن طبيب سويدي تجول في دول العالم وكتب تجربته وحكمه من الحياة، ومن هذه الحكم التي تستذكرها قوله إنه من لا يحب الكلاب لا يمكن أن يصبح طبيبا بيطريا… فكيف ممكن أن يكون الشخص طبيبا وهو لا يحب الناس؟».

فراسة الطاهر وطّار

ومن الكتب الأخرى التي أثّرت في نفسها كتاب «ذي ايلاند» وهو رواية مبنية على قصة حقيقية عن مرضى الجذام، وأحداثها في جزر اليونان، وعنها تقول «كانت العادة منذ1912 حتى 1957 أن يتم حجر المجذومين في جزيرة سينالونغا اليونانية كما هو اليوم مع حجر مرضى كورونا». وتضيف «قبل سنوات سافرنا لجزيرة كريت اليونانية ومنها زرت الجزيرة المذكورة خصيصا وشاهدت أين كان يعيش هؤلاء المجذومون كل عمرهم. وقتها كان مرضا معديا ولا يوجد له علاج ولا بد من الحجر واليوم طبعا هذا المرض (الجذام) لم يعد موجودا.. وافتقد من الدنيا عام 1957».
كما تشير لرواية «الدماغ المشتعل» وهي رواية حقيقية كتبتها صحافية أمريكية تدعى سوزان كالاهان مرضت وقام طبيب أعصاب سوري شهير مقيم في الولايات المتحدة يدعى سهيل نجار بمعالجتها وكتبت عن تجربتها هذا الكتاب. وفي هوليوود أنتجوا فيلما عام 2016 استنادا لهذه الرواية.
أما رواية «اللاز» للكاتب الجزائري الراحل الطاهر وطار فلها خصوصية مميزة لدى الطبيبة الفلسطينية من أم الفحم، وعن ذلك تستعيد المفارقة التي جمعتهما بالقول: «زارنا قبل أكثر من 30 عاما كتاب وشعراء عرب في كلية الاستشراق في ليننغراد وكان زوجي زياد سكرتير فرع الطلاب العرب في الجامعة السوفييتية وقتذاك. استقبلنا سميح القاسم ومحمود درويش والكاتب يوسف القعيد من مصر وسعدي يوسف شاعر عراقي والطاهر وطار من الجزائر وكنت قرأت له قبل وقت قصير رواية « اللاز» دعوناهم جميعا لغرفتنا في مساكن الطلاب وهناك تناولنا وجبة غداء وخلالها قال لي الطاهر وطار إن الفلسطينيين يلفظون «اللاز» المستوحاة من تجربة الاستعمار الفرنسي في الجزائر بطريقة خطأ. وقتها فاجأني الطاهر وطار بالقول: صحيح أنت فلسطينية لكن فيكي شيء من بلادي… أنت تشبهين الجزائريات. وقد صدق فوالدي أصله من الجزائر. جدي جاء من مدينة تلمسان الجزائرية مع مجموعة الأمير عبد القادر الجزائري للمشرق في منتصف القرن التاسع عشر وجدي وشقيقه سكنا في قرية هوشة (المغاربية) بجوار مدينة شفاعمرو حتى نكبة 1948 انتقلا بعدها لمدينة أم الفحم وقد سمينا» اغبارية» لأننا أقمنا بحارة عائلة الاغبارية. جاء جدي من هوشة لأم الفحم وكانوا يدعوننا عائلة «مغربي» أو بيت التلمساني وكان جد والدي محمود حسن الشيخ محمود تلمساني قد كتب اسمه بالوشم على ذراعه.

مفاجأة جديدة في أرمينيا

وخلال إحدى العطل الشتوية نظمت كلية الطب لطلابها رحلة إلى جمهورية أرمينيا حيث كانت تنتظرها مفاجأة أخرى. تستذكر الدكتورة سارة دراستها في الاتحاد السوفييتي، وقالت إن الوفد الزائر أقام في فندق في العاصمة ياريفان وكان رجلا أرمنيا يقرأ جريدة « الاتحاد» الحيفاوية ففوجئت ولما سألته قال لها: كنت ساكنا في فلسطين في يافا وعضوا في عصبة التحرر الوطني. فقال له زوجها زياد: هل أنت «المشط»؟». وتابعت «كان زوجي زياد وهو رفيق في الحزب الشيوعي قد سمع من والدي قصصا عن تجارب ماضية ومن ضمنها قصة هذا الرجل الأرمني الملقب بـ «المشط « ووقتها كانوا يعطون اسما حركيا لكل واحد.
واستذكر الرجل الأرمني والدي الذي كان شيوعيا في يافا قبل1948 وكان يعرفه جيدا وعندما علم أنني ابنته ومن شدة انفعاله بكى ودعانا لزيارته في بيته في ياريفان مع بعض زملائه الأرمن الشيوعيين القدامى ممن كانوا معه في البلاد. وسهرنا وغنينا وبكينا. أوصاني بأن أحضر له كوفية وعقالا وفعلا في العام التالي حققت له مبتغاه».
ومن طرفه أيضا، يحقق زوجها الدكتور زياد محاميد مفاجآت، فهو شاعر أيضا وصدرت له عنه دواوين شعرية أهدى واحدا منها لها، وردا على سؤال مازح متودد عما إذا كان الزوج الشاعر «يهددها» أحيانا بقصيدة هجاء قالت «لا هو كتب في قصائد جميلة».

إصابة الزوج

في المقابل تعرضت سارة وزوجها زياد لأخطر مفاجأة كادت أن تودي بحياته عندما تعرض قبل ثلاث سنوات لرصاصات أطلقها « مجهول» على دكان لبيع اللحوم في مدينته أم الفحم عندما كان في داخلها لشراء لحوم لإطعام كلاب البيت. بعد إصابته بالرصاص اضطر الدكتور زياد محاميد للعلاج لمدة 110 يوما واضطرت الدكتورة سارة لترك عملها والوقوف لجانبه طيلة هذه الفترة الحرجة.
بعدها اضطر الطبيب زياد لترك عمله في المستشفى، وهو اليوم يعمل في عيادة خاصة بشكل متقطع بعدما أصابته نار العنف والجريمة، والمفارقة أنه كان يريد اقتناء الطعام من دكان اللحوم لكلاب ضالة في شوارع يقوم بمنحها المأوى في بيته. وعن ذلك تقول «نهتم بحياة الحيوانات ووجدنا حالنا ضحية العنف. لم يستعد زياد عافيته بعد ثلاث سنوات رغم أنه مكث في المستشفى طيلة أربعة شهور واضطررت لترك عملي ورافقته كل الوقت ولما عاد للبيت كنت أبقى أعالجه لساعات. كان فاقدا الوعي وكنت أسمعه بأذنه أغنية فيروز المشتركة لنا « يا حبيبي كل ما هبّ الهوا». ولاحقا قال لي إنه كان يسمعها رغم أنه كان مخدرا ونائما ويتنفس تنفسا اصطناعيا إلا أن فيروز كانت تدخل أذنه وقلبه وتحرك وجدانه». وتقول إن «مالا» كلبة عاشت في بيتهما وقد ماتت حزنا على إصابة زياد وانقطاعه عن البيت خلال مكوثه في المستشفى بعد إصابته. لكن الإصابة لم تخرج الشفقة من قلبيهما فهما يمنحان المأوى اليوم لستة كلاب منها كلب» كحل الليل» وقد مات بعد 13 عاما ولديهما أيضا كلبة اسمها «سميزانا» أي ثلجة بالروسي لأنها بيضاء اللون، ووجداها مصابة مربوطة على مدخل بيتهما في ساعة متأخرة من الليل فتبنياها ومنحاها اسما روسيا يشي بلونها الأبيض».
وردا على سؤال ترى الدكتورة سارة أن القيادات العربية الفلسطينية في الداخل تقوم بواجبها لمواجهة عدوى الجريمة والعنف، لكن استمرارها هو بالأساس مسؤولية الشرطة الإسرائيلية التي تبقي جرائم كثيرة جدا بدون مجرمين وملفات مفتوحة، مما أخرج عشرات آلاف الشباب من المدينة وغيرها من فلسطينيي الداخل للشوارع للتظاهر والاحتجاج قبل أيام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية