في العادة، فإن كل نص إبداعي، يحتمل أكثر من قراءة ودلالة، حسب ثقافة القارئ وتراكم خبراته، وقد يخرج القارئ بدلالات وأفكار وتأويلات واستنتاجات لم يقصدها الكاتب، ولكنها محتملة، وفي ذلك يقول أمبرتو إيكو: «النص أكثر ذكاء من صاحبه، ويمكن أن يشير النص أحيانًا إلى أفكار لم يضعها المؤلف في اعتباره».
معظم قصص مجموعة «ضيف على العالم» لمحمود الريماوي (دار فضاءات 2017)، تحتمل دلالات سياسية بشكل عام، وإن بنسب متفاوتة، ولكن بعض القصص واضحة الدلالة، وهي موضوع هذه المقالة.
القصة الأولى «قوس من نعاس» ذات دلالة سياسية فاقعة، فالرجل يتلقى مكالمة من صاحب قديم يسأله عن موعد حفل العشاء، فيستغرب، أي عشاء وأي موعد؟ وتتصل به سيدة من النادي تخبره أن الاستعدادات قد تمت، فيزيد تعجبه، وما شأنه بكل هذا، ثم هذا النادي الذي لم يُسمح له بدخوله من قبل، كيف يفتح له أبوابه الآن؟ وما المناسبة؟ وبعد تردد يلبي الدعوة، ويلتقي بشخصيات وازنة مختلفة، يأكلون ويرقصون ويتبادلون أطراف الحديث في شؤون شتى، وبعد أن ينفض الحفل، يطالبه النادل بدفع فاتورة العشاء، بقيمة 1111 يورو لعشاء 44 شخصًا! وهنا يتلقى الصفعة المدوية، فهو صاحب الحفل بدون أن يدري، ومطالب أن يدفع ثمن كل شيء، وأصبح في موقف صعب إذ لا يحمل مالًا، وفقد بطاقة الفيزا.
هذه القصة عن واقع العرب الذين يُساقون إلى حروب ومجابهات وصراعات داخل بلدانهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهم من يتحمل كُلفة كل شيء، يدفعونه من مستقبل بلدانهم وشعوبهم، مُكرهين مُرغمين، بدون أن يكون لهم كلمة أو رأي، يدفعون فاتورة الحروب وفاتورة ترف وعربدة الضيوف ونصيبهم المضاعف من كل شيء.
يتشاءم السيد جيم في قصة «جيم» كلما طرأ أمر حسن، وعندما ربح جائزة مالية بقيمة 20 ألف دولار، بقي متشائمًا، لأنه لم يتغير شيء، فقد دفع جزءًا من قرض بنكي للبنك الذي ربح منه الجائزة، واشترى سيارة. في المحصلة لم يتغير شيء يذكر، وهذه إشارة للمديونية التي تزداد ولا يتحسن شيء، على الرغم من المنح والقروض والضرائب، فالعلاقة بين الضرائب والمديونية طردية معاكسة لكل القوانين المنطقية، ولذا فالتشاؤم هو سيد الموقف.
في قصة «حسن ما سوف نفعله»، دلالة الغربان التي تسللت إلى المطعم وأرعبت النادلة الأندونيسية، واضحة بعد ربطها بزميلها الطباخ الحمصي، وما تعرضت له مدينة حمص من هجمات الغربان المعدنية النفاثة والأرواح السوداء، ومع ذلك فأبناء المدينة لا يتطيرون من شيء سوى العبودية.
تتناول قصة «حدث غدًا» القيود الشديدة التي وضعت على المشاركين في البرامج الحوارية، فأصبحت البرامج ممسوخة لا تسمع فيها إلا الرأي والرأي المؤيد، وكل محاور يثني على رأي وكلام نظيره، حتى تحولت إلى برامج عاطفية، تنتهي بالأحضان والقبلات. فعندما تضع الأنظمة القيود التي تكبل الصوت المعارض وحرية التعبير بالقوانين والعقوبات وسياسة العصا والجزرة، تتحول كل الأصوات إلى تسبيح بحمد الأنظمة، ومن لا يتكيف فليصمت ولا مكان له على مائدتها أو حتى مائدة الوطن.
بعض الزعماء هنا وهناك وتدعمهم بقوة، وما أن يكتمل دورهم، ويؤدوا ما عليهم، تسقط ورقتهم، وتجهز عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وتستبدل بهم غيرهم ممن يكونون أقدر على خدمتها ورعاية مصالحها؟
في قصة «طموح» تقع نملة في حب فيل لا يأبه بها، وترفض حب ديك لأنه لا يملأ عينيها مقارنة بمن تحب. وهكذا أنظمتنا العربية تدير وجهها عن بعضها بعضا، على الرغم مما بينها من تقارب وتاريخ مشترك ولغة ودين وثقافة، وتجري وراء الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا تلقي لها بالًا إلا بما يحقق مصالحها ويعظم أرباحها.
وجدت السيدة الأنيقة في قصة «ليس لأنه» أن الكلب «يستحق وحده أن يقودها، وأن تستسلم لقيادته لها. وبالطبع فإن أحدًا لا يعترض طريقها». ولا أراها إلا تعريضًا ببعض الأنظمة العربية التي أسلمت قيادها لعدو صريح ليحميها من بني جلدتها، في اختلال واضح للموازين ومعادلات المنطق، وإيغال في التيه والضياع.
في قصة «سائق قطار» الذي داوم شبحه على ركوب القطارات بعد موته، بعد أن كان في حياته سائق قطار، وأرغم على التقاعد، فحاول البقاء فرفضوا، ومات بعد سنة من تسريحه. تشير هذه القصة إلى الزعيم والمسؤول العربي المتشبث بالسلطة بأظافره وأسنانه، ويسعى للبقاء فيها حتى بعد مماته توريثًا لأبنائه أو أزلامه، فلا يستطيع الحياة بدونها، وإن حُرم منها لأمر خارج إرادته، مات، لأنه خلق للسلطة وممارستها كما يتوهم.
تعترف المرأة الستينية الجميلة في قصة «قلب أخضر دائم الخضرة» بحب الشاب العشريني الثري وتتزوجه، وورثته بعد أربع سنوات زواج، وعلى الرغم من الشائعات أنها سممته، إلا أنها بقيت وفية له، مع بقاء قلبها أخضر جاهزًا لتكرار التجربة مع آخر. ألا تذكرنا هذه القصة بالولايات المتحدة والقوى العظمى التي تنصب بعض الزعماء هنا وهناك وتدعمهم بقوة، وما أن يكتمل دورهم، ويؤدوا ما عليهم، تسقط ورقتهم، وتجهز عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وتستبدل بهم غيرهم ممن يكونون أقدر على خدمتها ورعاية مصالحها؟
تسكن المرأة الغامضة وحدها مع كلب لها في قصة «بيت الألمانية»، وربما يزورها زوجها الذي لم يره أحد، وبعد أن تركته إلى غير رجعة، لم يجرؤ أحد أن يدخل البيت أو حديقته الواسعة بأشجارها الكثيفة وثمارها المتساقطة على الأرض «لأن روح الزوج الغامض وطيف السيدة المتوحدة وأنفاس الكلب الحارس، ظلت عالقة بإحكام… بالبيت والبستان، وتنادى الصبية الصغار كي يلعبوا ما شاءت لهم أهواؤهم، في الفسحة الوسيعة أمام بوابته». نعم، غادرنا الاستعمار شكلًا، ولكن بقيت أدواته تقوم بدوره وزيادة، وحرمت الشعوب من خيرات بلادها، فلا تنال إلا الفتات، وهي دائمًا خارج الحسابات.
في قصة «جريح يعالج مرضى»، كان الدكتور نبيل الذي يعمل طبيبًا جراحًا في رومانيا يفكر بالعودة لزيارة الأهل، وعندما عزم أخيرًا، عاد، ولكنه عاد مجرد صورة وضعت على الحائط. وكم من ملايين المهاجرين الفلسطينيين يحلمون بالعودة، ولكن الموت لا ينتظر، فتبقى صورهم وحدها تنتظر، علها تنجح بالعودة يومًا!
قصة «سين وشين» صريحة في دلالتها، فشين يحترف القتل بدون رادع، وبلسانه المفوه يلقي التهمة على سين، فيؤكد معجبوه على أقواله، وهم يرونه رأي العين، تزداد بشاعته وجرائمه، فلا يجد إلا التصفيق والإعجاب، وإلقاء التبعة على سين، فيضجر شين من معجبيه، وحتى يتخفف من ضجره يدمر مدرسة للأطفال بمن فيها، فيموت الجميع ويبقى معجبوه. وهي قصة واقعية بكل معنى الكلمة، فلا يبطش الظالم إلا بحبل ممن حوله وتغنيهم ببطولته، فيعجب بنفسه ويزداد إجرامه، وعندها يتحول إلى مصاص دماء، لا ترويه إلا دماء الأبرياء.
في القصة الأخيرة «النائمون الجميلون» يبلغ اليأس منتهاه بالبدوي، فلا يهتم بأن فاتته الطائرة وهو نائم في صالة المطار، فلم يغتم أو يتكدر، وكل ما حرص عليه أمتعته، فلما تأكد من وجودها عاد إلى النوم، ولم يعبأ بتجديد موعد السفر، فقد بلغ الإحباط مداه، ولا يهم بقي أم سافر، ولينعم بنوم ما زال متاحًا، فلا يدري، فقد يحمل له الغد حياة بلا نوم، أو نومًا أبديًا! إنه القنوط واليأس وانعدام الأمل وموت الأحلام بعد أن تضاءلت إلى أدنى مستوياتها، وأصبحت أصغر متطلبات العيش أحلامًا ربما بعيدة المنال.
وبعد، فالريماوي كاتب ومحلل سياسي، كتب المقالة بالتزامن مع القصة، فبرع في كليهما، والكاتب الملتزم يوظف إبداعه في ما يشغل وطنه وأمته؛ ليكون له دور في الوعي والتنوير، والمبدع الحقيقي زرقاء يمامة، ومنذر قوم أو مبشرهم.
٭ كاتب أردني