الدلالة وفلسفة المتخيل والمختلف في نصوص أمجد ناصر

حجم الخط
1

النص دلالة مدركة تتطابق مع الاتصال بمحيطه، لذلك تكون دلالة المطابقة كدلالة اللفظ على معناه. ومن هنا تتشكل لفلسفة المتخيل وحدات رصينة؛ فالاختلاف المقصود غير قابل للقسمة، بل يقود الى التماسك النصي. اما المتخيل فهو احد المتفاعلين مع محيط الباث بصيغتيه المباشرة وغير المباشرة. تنطلق المؤثرات المحيطة بالنص، وما على النص الا ان يدمجها في ايقونته التواصلية.
يمكن ضبط العناصر والاساليب عبر الضبط الذاتي وتسخيرها باتجاه الخيال والتخييل. في هذه الحالة نكون امام الثقل الشعري الذي يعد هدفنا الاول لهذه الملكة. اما اذا تعذر ذلك فستحدث اختراقات للذات المتخيلة تبطل عملها التخييلي. فالبناء التصويري للصورة الشعرية من اهم الابنية النصية في تحقيق الثقل الشعري.
إن نظام المتخيل يكون عادة مغلقاً على الذات وحقيقة تفاعلها مع الخيال من جهةٍ، ومع التصورات من جهةٍ ثانية، فالعلاقات التي تحدث تكون علاقات داخلية وعندما تخرج الذات نفسها، فهي تخرج بسبب الحدث الشعري واستقطابه، وتؤسس الرؤية علاقاتها بين العناصر المؤسسة للنص والذات التخييلية، فهي تلك العلاقة النصية (الشعرية) وما تبعثه من أيقونات وصور شعرية للمتلقي.
نرسو في محطات الشاعر الأردني أمجد ناصر وما قدمه من نصوص شتى، استحضاراً للمتلقي ومدى عطشه لاندماجه مع اللغة الشعرية والمدارك الذاتية اللتين يعلنهما الشاعر. فالكائن كينونة مؤكدة، ومقربة في الوقت ذاته؛ وهذا يمنحنا التقارب أكثر مما يكون، فما زلنا نحن في تقارب مع جسد الذات؛ بل نعتبرها حاملة النص ولإيجاد نوعية من الإحالة.
فيا سيدي،
ياجميلَ المحيا
لكَ الآن إغماضُ عينيكَ
بعضٌ من الثلج
بعضُ نبيذ القرى
يُعيدُ لكَ اللونَ والهدأةَ الصافيةْ.
لك الآن أن تشتهي منزلاً في جنوب الوطن
وتبدأه بالشجرْ
من قصيدة: جبل – الأعمال الشعرية – أمجد ناصر
من خلال الوعي الخيالي، تتخلص الذات من العبارات الجاهزة، لذلك تنتمي إلى ابتكار الجمل وتصفيف المفردات بالصورة القصدية التي تعتمدها، وهي تنتمي تارة إلى الأفعال الحركية، وتارة أخرى إلى أفعال الكلام، وفي كلا الحالتين تنطلق من دون حصار، بل تنفتح على الخلق النصي.
فيا سيدي، + يا جميلَ المحيا + لكَ الآن إغماضُ عينيكَ + بعضٌ من الثلج + بعضُ نبيذ القرى + يُعيدُ لكَ اللونَ والهدأةَ الصافيةْ + لك الآن أن تشتهي منزلاً في جنوب الوطن + وتبدأه بالشجرْ
يعتبر تتابع الجمل وتماسكها في النص المكتوب، قادراً على كشف القيمة الفنية من جهةٍ، والتمركز الدلالي من جهةٍ ثانية، لذلك يبدأ تركيب البنية النصية بداية من أصغر وحدة لغوية، التي تؤدي إلى بنية إحالية. تشكل الكلمة لدى الشاعر أمجد ناصر جزءاً مهماً في الجملة الشعرية، من خلال توظيف بعض الكلمات في سياقات مختلفة، ما يؤدي إلى امتداد المعنى بداية من الجملة الأولى ونهاية بآخر نقطة دالة يضعها الشاعر.
الدلالة ومفهوم النص
عندما نطرق باب الدلالة، فهي الدالة على غاية النص. وعندما نطرق مفهوم النص، سنكون في المناطق العلائقية وأهمها منطقة المعنى الدلالي في السياق، لذلك تكون المعاني، معاني تبادلية، وهي تابعة للسياق التعبيري من جهةٍ، والسياق النصي من جهةٍ ثانية. إن فاعل القول، يتضمن النص بذاته، لذلك تكون مهمة القول تنظيم الحقائق اللغوية، بداية من المطلع النصي الشعري، ونهاية بما ينوي قوله الشاعر، فيشكل القول أنواعاً دلالية، ومنها مثلا أفعال الحركة، والحركة الانتقالية، والتموضع الدلالي، فتشكيل القول يقودنا إلى القول الآني، والقول المتقدم، وإذا حدث غيرهما، يندمج في القول الآني كتأسيس أولي للنص وظهور دلالته الحركية.
بوسعكَ،
أنتَ الذي لا يكل من الارتهانِ
بوسعكَ أن ترحلَ الآن:
لا وجهةً
لا حقائبَ
لا ماءَ في جرة العمرِ
لا زوجةً في الثياب النظيفةِ
لا مطراً في المسالكِ
لا نجمةً في الفضاء الذي يكسرُ الظهرَ
من قصيدة: مديح لمقهى آخر – الأعمال الشعرية
تختلف أبنية النص الشعري من شاعر إلى آخر، ومن نص إلى نص آخر، ومن هنا تكون لحركة البناء النصي الأهمية في توضيح الدلالة، لذلك تكون عملية الاتصال اللغوي، عملية محكمة، لتنفيذ الشروط البنائية وقواعدها وآثارها، وأشكال التفاعل ومدى حركة الفعل المفعل في النص، لأنه ذو حركة تأثيرية وخصوصاً علاقاته البنائية مع التصوير والتصورات الدلالية.
بوسعكَ، + أنتَ الذي لا يكل من الارتهانِ + بوسعكَ أن ترحلَ الآن: + لا وجهةً + لا حقائبَ + لا ماءَ في جرة العمرِ + لا زوجةً في الثياب النظيفةِ + لا مطراً في المسالكِ + لا نجمةً في الفضاء الذي يكسرُ الظهرَ
من المفاهيم النصية الدالة، ومن خلال التصور الدلالي، يبني الشاعر بعض الحقائق غير المعروفة، لذلك فهو يشير إليها من خلال الدلالة الرمزية التوضيحية، وهذا يعني أنه اعتمد التأويل أيضاً، حيث إن التأويل يرافق الرمز في جميع المجالات، ومنها؛ عدم تلخيص الأشياء المجهولة، لاحظنا أن الشاعر يبين للآخر بعض الصياغات التوضيحية، فقد أشار إلى الآخر يخاطبه (أنتَ الذي لا يكل من الارتهانِ + بوسعكَ أن ترحلَ الآن)، وعندما وضع نقطتين شارحتين، فهذا يعني تفسير الحدث المتعلق بهذا الآخر المخاطَب. من خلال مفاهيم النص وقصديته، تتم التوضيحات والإشارات إلى الأشياء الغامضة، أو الأشياء غير المعلومة، فتنتمي الذات إلى الشيء المجهول، لحضوره والاستعانة في ترتيبات صياغته من جديد.
منذ انحسار الرضا
صحيحٌ!
ولكنه كفنٌ واحدٌ ثم ترتاح!
ـ أقمتُ طويلا؟
ومقهى (الجزيرة) لم ينحن في المساء،
على ركبتيه
لم يشته شارعاً آخر
لم يضقْ بمساحته
وبأخشابه الشتوية
من قصيدة: مديح لمقهى آخر – الأعمال الشعرية
عندما يربط الشاعر الأحكام بالمفاهيم، يكون قد أسس مقاصد لمعانٍ جديدة، وهي إدراكيات الشاعر التي يستهدفها قبل وقوعها، ومن هنا تكون دلالة النص بين الحضور والغياب، فالحاضر لدى الشاعر هو الأشياء المتعلقة بالذات الحقيقية، والغائب، ما يجذبه الحدث النصي، وأما القول الشعري، فهو المقصد التأثيري الدال على النص بذاته.
منذ انحسار الرضا + صحيحٌ! + ولكنه كفنٌ واحدٌ ثم ترتاح! + -أقمتُ طويلا؟ + ومقهى (الجزيرة) لم ينحن في المساء، + على ركبتيه + لم يشته شارعاً آخر + لم يضقْ بمساحته + وبأخشابه الشتوية
يطرق الشاعر أبواب المعنى من الجانب الدلالي، فالعلاقة التي وضحها، هي علاقة الدلالة بالعالم الخارجي، وعندما حصر المعنى في النص، كان هذا الموضوع، موضوعاً نصياً، فالكفن ليس كفناً، بل أشار من خلاله إلى الموت، ومن هنا يستوي المعنى بالتغطية، والعلاقة المرجعية هي بين سياق الجملة الشعرية والمعنى. وعندما طرق باب المقهى، فقد أراد منه أن يقدم أكبر عدد ممكن من المتجمهرين، وعلى هذه القياسات والمتضادات، نقيس مفاهيم النص الدالة على معناه، بل يخرج بنا إلى دلالة الذات، فهي الناطقة في القول الشعري وحاوية الكتابة.
شيء في القصدية
من أهم اقتحامات النص في اللغة التحليلية، والتفكير اللغوي، وعلم اللغة، والسنن والتشفير، هي الفلسفة القصدية وعلاقاتها مع أفعال الكلام، لذلك نتجه إلى القصدية والمقبولية، أي أن القصدية تشترك بإيصال المعنى إلى المتلقي من خلال النص اللغوي (الشعري)، ولا يشترط في هذا الإيصال أن يكون واضحاً، قد تخفي القصدية مقاصدها لأسباب تتعلق بالشاعر من جهةٍ، وتتعلق باللغة ومدى لجوئها إلى الغموض من جهةٍ ثانية. لا نعني إن الغموض النصي هو إشراك قصدي مستهدف، بل إن هناك عوامل قد تكون جمالية أو نفسية أو سياسية، فيكون للتمثيل مساحة متعالقة مع هذه العوامل، وخصوصاً التمثيل الدلالي، وفي هذه الحالة لا نبتعد عن الرمزية، والتصوير الخيالي، حيث إن فلسفة الاختلاف والاختلاف اللغوي يكونان حاضرين في التمثيل الدلالي.
خذوا هذه الأرض مني،
أيها الرامحون إلى الغربِ
أقصى النوافذ في الغربِ،
أقصى التلاشي، الجنون
ولا تتركوني وحيداً
على حافة الأرض أرثي بلادي الخراب.
خذوا هذه الأرضَ
{ما قد تبقى من الأرضِ}
هذه الأخاديدَ
والجُثثَ المرميةَ
لا تتركوا ولداً خلفته العشائرُ
من قصيدة: صحراء (عودة أبو تايه) – الأعمال الشعرية
من خلال المعاني العميقة نربط الموضوع القصدي، الذي ينشئه الشاعر بفلسفة المتخيل والمختلف، فالمقصود من وراء ذلك هو العلاقة النصية، فالعقلية الشعرية، هي قصدية الشاعر عندما يشير إلى الأشياء، أو يكون الشيء جزءاً من ممارسة التأمل الذهني بما يقدمه من مساع على معنى النص وتأويله ضمن الأفعال الحركية من جهةٍ، والمعنى الأسلوبي والتفسيري والسياقي والإيحائي (الدلالي) من جهةٍ ثانية. فالإشارة إلى الشيء، ربما يعني إشارة إلى معنى آخر لا يحمله الشيء بنفسه.
خذوا هذه الأرض مني، + أيها الرامحون إلى الغربِ + أقصى النوافذ في الغربِ، + أقصى التلاشي، الجنون + ولا تتركوني وحيداً + على حافة الأرض أرثي بلادي الخراب. + خذوا هذه الأرضَ + {ما قد تبقى من الأرضِ} + هذه الأخاديدَ + والجُثثَ المرميةَ + لا تتركوا ولداً خلفته العشائرُ
عندما نتعامل مع قصدية الشاعر، نتعامل أيضاً مع مفاهيم النص وحالاته العلائقـية والهدف النصي، وكلها تندرج ضمن المفاهيم والتماسك والرؤية النصية، لذلك موضوع المعنى القصدي، من المواضيع الواسعة، فعندما دعا الشاعر إلى أخذ الأرض، فلا يعتبر ذلك مقبولا، بقدر ما يعني الشيء الآخر، فالدعوة التي وجهها هي أن يبين للآخر مدى سلب الأرض بالقوة، أي أن الكلام الموجه، كانت معانيه باتجاهٍ آخر، وقد أعطى فعلا تأثيرياً، لكي يتواصل مع أفعال الكلام من جهةٍ، ومع الشيء التداولي من جهةٍ ثانية. فليس بالضرورة أن يكون الكلام بمعناه المباشر، ودائما النص الشعري يبتعد عن المباشرة، والمنجز الذي يعنيه الشاعر الأردني أمجد ناصر، هو منجز مستقبلي وهو يوظف الأفعال تلو الأفعال، والمعاني تلو المعاني، ولا يبتعد عن المعنى الأسلوبي وإن شمل الغرب كله، وما عانى شعبه وما يعانيه. (يجب أن ندرك بصورة واضحة أن كل فعل كلامي له اتجاه للتطابق، لن يتحقق الفعل الكلامي إلا إذا تحققت أو أشبعت الحالة النفسية المعبر عنها، فتكون شروط تحقق الفعل الكلامي والحالة النفسية التي يعبر عنها شروطاً واحدة أو الشروط نفسها. جون سيرل – كتاب: القصدية بحث في فلسفة العقل).
ربما يدفعُ الرملُ ما نستسر
إلى صفحة الماء
ربما طلقةٌ في الجبينِ
تُصيبُ الرضا في الحضورِ
وتسلمنا للسكينة،
ربما ننحني لاصطياد صغار القطا
ينهضُ الشيحُ
لاصطياد رؤوس الأصابعِ
ربما تصبحُ الأرضُ أهلا لروث البهائمِ والبدوِ،
تمنحُ أسرارها للحلال وعجياننا البائسين
ربما نهتدي لبلاد جديدة،
ربما.
قصيدة: احتمال – الأعمال الشعرية
من خلال المعرفة الدلالية، يقودنا النص ليس فقط إلى النوايا والقصدية المدغمة في عقلية الشاعر، بل يفتتح التفاعل على الوعي الشخصي بانطلاقةٍ موضوعية (إن علم النفس يهتم بالوعي التجريبي أي بالوعي بالموقف التجريبي، بصفته كائناً داخل نظام الطبيعة، بينما تهتم الفينومينولوجيا بالوعي الخالص، فالأول له خلفية سيكولوجية حسية، أما الثاني فله خلفية سيكولوجية نظرية فلسفية. عز العرب لحكيم بناني – الظاهراتية وفلسفة اللغة تطور مباحث الدلالة في الفلسفة النمساوية – مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية – العدد السادس، الجزائر).
من خلال إدراك الأشياء يصل الشاعر إلى المستوى المعرفي، ولو إلى أدنى شيء وهو عملية تجربة حياتية وشعرية لهما الأثر في تحرك الفعل التفعيلي عند الخلق النصي. ربما يدفعُ الرملُ ما نستسر + إلى صفحة الماء + ربما طلقةٌ في الجبينِ + تُصيبُ الرضا في الحضورِ + وتسلمنا للسكينة، + ربما ننحني لاصطياد صغار القطا + ينهضُ الشيحُ + لاصطياد رؤوس الأصابعِ + ربما تصبحُ الأرضُ أهلا لروث البهائمِ والبدوِ، + تمنحُ أسرارها للحلال وعجياننا البائسين + ربما نهتدي لبلاد جديدة، + ربما.
من خلال الرغبة التي يعتمدها الشاعر أمجد ناصر نلاحظ أن تحقيق القصد والنوايا قد يتم أو لا يتم، لذلك ترتبط أفعال النص بمضمونه كوسيلة لتحقيق القصد حتى على مستوى النية أيضا. هل هناك شروط لتحقيق الحدث؟ (ربما طلقة في الجبين). بهذه الجملة يمكن للشاعر أن يتصور حالات القتل أو الاغتيالات الجارية بين حين وآخر.
إن العلاقة التي تربط القصدية بالفعل هي علاقة التنفيذ؛ فعندما تنشط الأفعال الحركية يكون الشاعر قد حقق تلك العلاقة. في هذه الحالة نعتمد على التأويل وما يقصده الشاعر عبر تفكيك النص، وقد يختلط حضور المتلقي في هذه المنطقة حيث تختلف المقبولية بين متلق وآخر وبين قارئ ومفسر. وتظل عودة المعنى من خلال النص وما يحوي من معان.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية