د. مصطفي عبد العال
كل الآمال والاحلام بحدوث تطور عربي يجعلنا نستعيد انسانيتنا علي سطح هذا الكوكب غالبا ما تصطدم بصخرة ضخمة نسميها احيانا خصوصيتنا العربيه او واقعنا السياسي او حتي مفترق الطرق الذي نجتازه، ولان اهم ما يميز واقعنا البائس هو فقدان الكلام لمعانيه فلا احد يتساءل عن الاسباب التي تجعل من هذه المبرارات سببا في ان نكون اقل من غيرنا وان يستشري التخلف والاستبداد علي طول وعرض هذه المساحة الكئيبة المسماة بعالم او وطن عربي.
هل هذا تشاؤم او دعوة للياس؟
نتمني الا يكون اذ اننا نعتقد ان الحياة لا يمكن ان تعاش باليأس، ولكن دعونا نحاول ان ننظر حولنا لنري فداحة البؤس الذي نعيشه ونتأقلم معه، ففي فرنسا وتركيا هناك حراك ناتج عن السعي للوصول الي رئاسة الجمهورية في الاولي الصراع شديد لما يعنيه المنصب من قدرة وسلطة علي تسيير امور البلاد، وفي الثانية المنصب اقل سلطة وان كان للصراع عليه رمزية مهمة حتي وان لم يكن المنصب ذاته مؤثرا في ادارة شؤون البلاد والعباد، لو حاولنا ان ننظر وهو فعل توقفنا عن القيام به منذ زمن، لوجدنا ان فرنسا وبعد الجولة الاولي للانتخابات اصبح الطرفان الرئيسيان في الصراع يحتاج كل منهما الي اصوات مؤيدين لاطراف ثالثة شاركت في الجولة الاولي ولم تنجح في الوصول الي الجولة الثانية والاخيرة، هذا الاحتياج دفع بالمرشحة الاشتراكية للاعلان انها في حالة الفوز سوف تشرك وزراء من تيار الوسط الذي فاز مرشحه بنسبة 18% اما المرشح اليميني فانه ورغم حصوله علي نسبة اعلي من المرشحة الاشتراكية في الجولة الاولي الا انه سوف يحتاج ليس فقط لبعض الاصوات من مؤيدي الوسط بل للكثير من مؤيدي اليمين المتطرف والذي حصل مرشحه علي نسبة 11% في الجولة الاولي.
السؤال ما الذي يعنيه هذا الوضع؟ اول ما يمكن فهمه ان الناجح في هذا الصراع وايا كان سوف يجد نفسه مضطرا لان يعدل ويوائم اطروحاته ايا كانت ليستطيع الوصول الي السلطة والاستمرار فيها لفتره معقولة. ثانيا ان المتنافسين والي ان يحسم الصراع بينهم سوف يدرسون ويمحصون فيما يمكن ان يؤيدوه من اطروحات مخالفيهم الذين يحتاجون لاصوات ناخبيهم كي لا تؤدي مغازلتهم لهذه التيارات الي فقدان اصوات مؤيديهم الاصليين، وعليه فان اللعبة كلها تؤدي الي تنشيط العقل والفعل السياسي من اجل الوصول الي السلطة والاحتفاظ بها.
اما عن تركيا فان الاحتجاجات (العلمانية) علي ترشح اردوغان دفعته من اجل ان ينجح حزبه في كسب هذا الصراع علي رمزيته ان يقبل بالتراجع وتقديم زميله عبد الله غل بدلا منه وهذا الاخير اعلن قبوله بالمبادئ (العلمانية) منوها ان احتفاظ زوجته بالحجاب هو امر شخصي لن يؤثر علي التزامه بالمبادئ الجمهورية. وهكذا نجد ان الساسة الاتراك علي كل ما تعانيه تركيا من تخلف يمارسون السياسة بحرفية تجعلهم قادرين علي القفز علي العراقيل الشخصية فلا يصرخون: اردوغان لنهاية الزمان، آملين عبر هذه الحرفية في ان يمتد مشروعهم السياسي ويتجذر بالمثابرة والتراكم.
دعونا في النهاية ننظر عبر نموذجي فرنسا وتركيا لما يحدث لدينا، اولا تياراتنا السياسية لا تقبل بالتحالف او الوفاق فكل منها يمثل الحقيقة والتي لا حقيقة غيرها وبالتالي فما علي الناس الا ان يؤمنوا بالفكر الزاهر او يذهبوا الي الجحيم.
ثانيا الوصول الي السلطة والاحتفاظ بها لا يستدعيان كل هذا الجهد والتفكير فالحاكم يقول وبملء الفم انا احكم ومن بعدي ابني ومن لم يقبل فارض الله واسعه اما ان ركب راسه فسوف نقطعها.
ثالثا واخيرا فحكامنا ومنظروهم لا يسعون لفهم او استيعاب ما يدور في مجتمعاتنا فالسيد الاستاذ الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب في مصر المحروسة عندما سئل في احد البرامج التليفزيونيه: لقد صرح الرئيس مبارك بان الاقبال علي التصويت للتعديلات الدستورية الاخيره كان اعلي نسبة مشاركة في تاريخ الاستفتاءات بينما الحكومة نفسها اعلنت ان نسبة المشاركة للتصويت علي هذه التعديلات كانت 27% بينما سبق لنفس الحكومة ان اعلنت ان الاقبال علي التصويت لتعديل المادة 76 والذي تم من فترة قصيره كان بنسبة 52%، اجاب السيد الاستاذ الدكتور اجابة قاطعة حاسمة الرئيس صح، اما كيف؟ ولماذا؟ وعلشان ايه؟ واشمعني؟ فكلها اسئلة لا محل لها في واقعنا السياسي وخصوصيتنا ومفترق الطرق الذي لن نعبره ابدا.
هل رايتم كيف نحن وكيف الدنيا من حولنا وهل يمكننا ان نفعل او نقول الا لا حول ولا قوة الا بالله وعليه العوض فينا كشعوب وحكام بل وحتي كبشر.
ہ كاتب من مصر يقيم في لندن8