الدهاء الإيراني والفشل السعودي.. التشابه والاختلاف بين قتل “خاشقجي” واختطاف “حبيب” في إسطنبول

إسماعيل جمال
حجم الخط
5

إسطنبول- “القدس العربي”:

تتشابه جريمتي اغتيال الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي في مدينة إسطنبول التركية، واختطاف المعارض الإيراني “حبيب شعب” من نفس المدينة في معظم الجوانب، إلا أنهما تختلفان في حجم الفشل الاستخباري والأمني السعودي مقابل دهاء ودقة التخطيط والتنفيذ الإيراني.

فكلا الجريمين استهدفتا شخصية معارضة للنظام، وجرى التنفيذ من قبل عناصر خارجية، وفي مدينة إسطنبول التركية، وبنفس أساليب الاستدراج تقريباً، وبنفس الهدف الذي تمثل في استدراج المعارض وتخديره ونقله حياً إلى بلده، إلا أن النتائج كانت مغايرة تماماً ما بين خاشقجي الذي قتل وقطع جثمانه في جريمة هزت العالم، وبين اختطاف الإيراني “حبيب” الذي نقل حياً إلى إيران بدون أي ضجة ولم يدري العالم عما جرى إلا بعد أيام.

وبينما عملت السعودية على استدراج خاشقجي من خلال مؤسسة رسمية “القنصلية السعودية” وهو ما ثبت الاتهام منذ البداية لجهة رسمية بالأدلة، لجأت إيران إلى استدراج حبيب من خلال زوجته السابقة وهي جهة غير رسمية لا يمكن إثبات ارتباطها بالدولة أو المخابرات الإيرانية بأي شكل من الأشكال.

وفي حين اختارت السعودية مبنى القنصلية لاستدراج خاشقجي لتخديره واختطافه وهي الواقعة في وسط الحي الدبلوماسي بإسطنبول المزود بمئات كاميرات المراقبة والتشديد الأمني، اختارت إيران منطقة بعيدة نائية على أطراف إسطنبول تدعى “بايلك دوزو” تعتبر الإجراءات الأمنية فيها أقل بعشرات المرات من تلك الموجودة في محيط القنصلية السعودية وكانت نقطة التنفيذ منطقة عامة “محطة وقود” وليس مكان يمكن إثبات ملكيته وتبعيته على غرار القنصلية السعودية.

وفي الوقت الذي استخدمت السعودية عناصر رسمية مباشرة وضباط كبار في مخابراتها وأجهزتها الأمنية الأخرى لتنفيذ العملية، اتخذت إيران مساراً مختلفاً بشكل تام وذلك عبر اختيارها شبكة تهريب مخدرات وعصابة تهريب “مافيا” للقيام بالعملية، وهو ما يتيح لإيران انكار أي علاقة لها بالعملية في حال انكشافها وفشلها، وهو ما لم يكن ممكناً في الجريمة السعودية التي نفذها عناصر مرتبطين بالدولة ومقربون جداً من ولي العهد محمد بن سلمان وما زالت كافة التحقيقات والتقديرات الدولية تؤكد استحالة تحركهم بدون أوامر مباشرة من ولي العهد.

وبينما امتلكت “العصابة” الإيرانية الخبرة الكبيرة في تنفيذ العملية ونجحت في تخدير الهدف وتجهيزه بشكل دقيق للقيام بعملية تهريبه خارج البلاد وهو على قيد الحياة، فشل الفريق المخابراتي السعودي في ذلك وقام بقتل خاشقجي وتقطيع جثمانه والتخلص منه في جريمة هزت العالم أجمع وجلبت للسعودية متاعب تعتبر ربما الأكبر لها في تاريخها الحديث.

وفي نفس السياق أيضاً، اختارت السعودية سيارات رسمية تابعة للقنصلية وطائرات خاصة مستأجرة من قبل الدولة لتنفيذ العملية على أن يتم نقل خاشقجي عقب تخديره إلى السعودية عبر مطار أتاتورك الذي يعتبر واحداً من أكثر مطارات العالم حركةً وتشديداً، وذلك على العكس تماماً من إيران التي أوكلت المهمة لعصابة مخدرات واستخدمت سيارة واحدة لا تعرف ملكيتها سلكت طرقاً التفافية للوصول إلى أقصى شرق تركيا وادخلته إلى إيران عبر عصابات تهريب البشر من مناطق حدودية شاسعة لا يوجد بها كاميرا واحدة أو عنصر أمن واحد ما مكنها من إيصاله حياً إلى إيران.

وبالنتيجة، مرت عملية اختطاف المعارض الإيراني “حبيب شعب” بهدوء ونجحت المخابرات الإيرانية في نقله على قيد الحياة إلى إيران من دون أن تجلب لنفسها الكثير من المتاعب باستثناء بعض بيانات الإدانة الدولية، بينما قتل خاشقجي وقطع جثمانه والنجاح الوحيد الذي سجل للسعودية حتى الآن هو إخفاء جثمان خاشقجي الذي يعتقد أنه تم حرقه وإذابته بطرق بشعة ومعقدة ولم يتبق له أي أثر، في مفارقة لا تفاضل بين جريمتين لكنها تظهر حجم النجاح والفشل حتى في ارتكاب الجرائم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية