زياد الخزاعيعززت ادارة مهرجان ابو ظبي السينمائي في دورته السادسة (11 20 تشرين الاول / أكتوبر المقبل) عناوين المسابقة الدولية بخمسة عشر فيلماً من توقيع قامات عالمية، مشهود لها بمنجزاتها ورؤاها وخلاصاتها الابداعية والايديولوجية والاجتماعية. هكذا، سيكون شيخ مخرجي اوروبا والعالم صاحب ‘نعل الساتان'(1985) و’الكوميديا الالهية'(1991) و’الدير'(1995) المعلّم البرتغالي مانويل دي أولفييرا الذي يحتفل بعيد ميلاده الرابع بعد المائة، ولد العام 1908، حاضراً بجديده ‘غيبو والظل’ المقتبس عن مسرحية الكاتب راؤول برانداو التي تدور حول محاسب عجوز تمتحن قيمه الاخلاقية بعودة ابنه بعد غياب، حيث يقلب تطامن العائلة الصغيرة اثر سرقته مدخرات والده. صور دي أولفييرا عمله كعرض مسرحي بحت، شع بأمانته ودقتة المبالغ فيها لأجواء مفتتح القرن الماضي وأزيائه وأنارته ومعماره. شخصيات تتحرك ضمن حيز ضيق، تضغط عليها قيم مجتمع شبه جامد، مليء بالأفاقين. الى جانبه، يقدم الياباني ذائع الصيت تاكيشي كيتانو المقطع الثاني من سلسلة ‘عصابات الياكوزا’ التي بدأها العام الماضي بعرضه الجزء الاول ‘الغضب’ في مسابقة كان السينمائي. هذه المرّة، يذهب مخرج ‘هانا ـ بي'(ألعاب نارية، 1997) في جديده ‘الغضب وبعده’، الذي عرض في مسابقة مهرجان فينيسيا الاخير، الى مفارقة التصفيات التي تجري بين المتنافسين على المنصب النافذ، بيد ان ضابط شرطة يفلح في تغيير قواعد اللعبة، معتمداً على مبدأ الشكوك والخيانات التي فطر عليها المجرمون ايا كان مستوى حنكتهم او بطشهم، فلا مفر من ارتكابهم زلات ميتاتهم الرخيصة. معهما ستحضر البريطانية سالي بوتر (ولدت في لندن عام 1949) بعملها الاخير ‘جنجر وروزا’ الذي تنأى بنفسها عن النفس الطليعي الذي طغى على نصوصها مثل ‘نعم'(2004) و’تانغو'(1997) و’أورلاندو'(1992)، فتستعيد أجواء انقلاب حقبة الستينات التي عصفت بالمجتمع البريطاني، تزامنا مع الهبة الطالبية في فرنسا وحركة الهيبيين في الولايات المتحدة. تدور حكاية بوتر حول صديقتين مراهقتين. الاولى مهمومة بقضية ‘الوحش النووي’ الذي يهدد العالم، فيما تنغمر الاخرى في حياة جنسية متفتحة، تقودها نحو صدام حاد مع عائلتها واصدقائها ومحيطها. فيما يعود مواطنها مايكل ونتربتوم الى ابو ظبي، بعد مشاركته ضمن دورة العام الماضي عبر اقتباسه المثير للجدل لحكاية حب روميو وجولييت الاثيرة، ضمن اجواء هندية بحتة في ‘تريشنا’، الى المنافسة الرسمية مرّة أخرى عبر جديده ‘كل يوم’ الذي يصور، ضمن دراما قوية وقاسية العوالم، يوميات أم شابة وأطفالها الاربعة وهم في ضنك عيش مرير، اثر اعتقال رب العائلة بجريمة لم يرتكبها. صور ونتربتوم شريطه عبر سنوات خمس كي يتابع التحولات الجسدية والنفسية التي تتعرض لها العائلة المغلوب على أمرها. في السياق العائلي ذاته، اقتبست الاسترالية كيت شورتلاند (ولدت العام 1986) رواية الكاتبة راشيل سيفيرت ‘الغرفة السوداء’ التي ترشحت ضمن قوائم جائزة الـ’بوكر’ ذائعة الصيت، وحققت فيلما طويلا من الفصل الثاني منها، تجري احداثه في المانيا النازية. عنونت عملها ‘لوري’ وهو اسم بطلته التي تواجه استحقاقاً عائلياً حرجاً مع أربعة أشقاء صغار، بعد نقل والدها عميل مخابرات هتلر الى معتقل للحلفاء، حيث لا يكون امامهم جميعا سوى قطع 900 ميل ضمن رحلة شاقة وخطرة على حافة الحرب، متوجهين الى دارة جدتها القاطنة في هامبورغ. في موازاة هذه المحنة، تصادف لوري يافعاً يهودياً نجا من المحرقة، ليترافقا في مسيرة مضنية. ايضا، تكتسب الثيمة العائلية، في جديد المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون ‘في الدار'(او المنزل) بعداً اجتماعياً مميزاً، يُذكر بعوالم نصه الأثير ‘قطرات ماء على صخر ملتهب'(2000) حيث تحامل فيه على ذممّ ابناء الطبقة المتوسطة الفرنسية وانحلالها. هنا، يصبح استاذ الادب (فابريس لوكيني) فريسة ولع غريب بأحد طلابه النابغين الذي يجد نفسه محاطاً برعاية غير متوقعة من عائلة تعاني تشظي علاقة زوجين ملولين. على المنوال ذاته، تشارك المخرجة التركية الموهوبة ياسيم اُسطا أوغلو بجديدها ‘عَرَف'(او ‘في الما بين’) الذي يتصدى، عبر ميلودراما أخلاقية قاسية، الى مفهوم العيب في المجتمع التركي المعاصر، والتبعات المرّة لحمل بطلته الشابة بسفاح من رجل عابر. تحول صاحبة ‘رحلة الى الشمس'(1999) و’صندوق باندورا'(2008) قضية اجهاضها الى أدانة صارخة ضد التمييز والعنف والرياء التي تجعل من فتيات ساذجات وباحثات عن خلاص ذاتي الى ضحايا لأعراف تقليدية صارمة.أختارت المخرجة الدنماركية المميزة سوزان بيير نمطاً كوميدياً، غلبت عليه روح التباسط التي تذكر بأجواء المسرحية (والفيلم المقتبس عنها) الغنائية الشهيرة ‘ماما ميا’، لكن من دون أغان ورقص ومقالب. صدمت الحائزة على أوسكار افضل فيلم أجنبي العام الماضي عن ‘في عالم أفضل’، الجميع حين عرضت جديدها ‘الحب هو كل ما تحتاجه’ في الدورة الاخيرة لمهرجان فينيسيا السينمائي، نظراً للتوليفة المفتعلة لحكاية الحب التي تجمع بين (ممثل جيمس بوند) بيرس بروسنان الارمل وسيدة دنماركية تعاني من خيانات زوجها، مع لقائهما في حفل زفاف نجله على أبنتها الذي يجري في مدينة ايطالية ساحلية ساحرة. هذه البقعة كافية الى انتاج كم هائل من المفارقات التي تفجرها المخرجة بيير، حينما يكتشف البطل الثري ان الحبيبة المقبلة مصابة بالسرطان الذي افقدها شعرها، رغم انه لم ينل من حيويتها واستعدادها لتقبل حقيقة ان ‘ما تحتاجه فعلا ليس علاجا كمياويا بل …العشق ومقالبه!’. وحده، يقف نص المخرج التشيلي المميز بابلو لاراين ‘لا’ (الحائز على جائزة تظاهرة ‘اسبوعا النقاد’ في مهرجان كان السينمائي في ايار الفائت) شامخا بمقاربته لاحدى اكثر الحقب دموية في تاريخ بلاده واميركا اللاتينية على حد سواء. الايام السوداء التي تبعت انقلاب الجنرال اوغستو بينوشيت والفساد الذي طال جميع أوجه الحياة في البلاد المنكوبة. يؤدي الممثل الشهير غايل غارسيا بيرنال دور موظف بارز ومتحمس في شركة أعلانات تكلفها احزاب المعارضة الاشراف على حملتها في انتخابات العام 1988، تحت شعار ‘لا’ الذي يوحي بالدعوة الى انتخاب الاستقرار والامان والسعادة. بيد ان رئيسه الفاسد يحول القضية الى ابتزاز سياسي فاضح. صور صاحب النصوص الشهيرة ‘توني مانيرو'(2008) و’قاعة التشريح'(2010) عمله بروحية تلفزيونية بحتة، مكنته من أضفاء لمسات ثمانينات القرن، ضاخاً روحية أعلانات تلك الفترة وتقنياتها.هناك أربعة افلام عربية ضمن المسابقة الرسمية، غلب عليها أسماء من شمال افريقيا. لعل أكثرها مدعاة للفخر جديد التونسي نوري بوزيد الذي تعرض في الاونة الاخيرة الى تهديدات بتصفيته جسدياً من قبل أزلام فصائل أسلامية متشددة، تجعل من عمله الاخير الذي حمل عنوانا ذي مغزى سياسي استفزازي هو ‘منموتش'(له عنوان اخر هو ‘الجمال الخفي’) الذي تصدى فيه الى الحجاب النسائي في تونس، خطوة اخرى في مواجهة جديدة مع متشددين. ونقلا عن موقع ‘الأوروميد السمعي البصري’ الذي عرض مقاطع من يوميات تصوير الفيلم في احياء العاصمة، قال بوزيد ان نصه ولد ‘ إثر لقاء مع كاتبة تونسية شابة تدعى جمانة الإمام خلال مهرجان الإسكندرية السينمائي. لقد صُعقنا من مدى انتشار الحجاب في مصر. في بداية الامر، كان من المفروض للسيناريو موضوع في مصر، إلا أننا لم نتمكن من المضي في المشروع قدماً، لذلك قمنا بملاءمته للوضع في تونس ما قبل الثورة. ومع تغير السياق سيصبح الفيلم الذي يعرض وجهتيّ نظر وتجارب صديقتين أكثر اتصالاً مع الوضع الجديد. الأولى مخطوبة لرجل غيور وقليل الثقة بالنفس يضغط عليها من أجل أن ترتدي الحجاب. أما المرأة الثانية فهي حلوانية تتعرض لمضايقات المسؤولين في العمل من أجل أن تخلع حجابها’، حسب تصريحاته.الى جانب بوزيد وشريطه الذي لم يتسرب الكثير عنه، يشارك المخرج المصري يسري نصر الله بعمله الذي شارك به في منافسات مهرجان كان السينمائي الاخير ‘بعد الموقعة’، وهو أول الغيث السينمائي حول ثورة 25 يناير المصرية. وفيه يداور صاحب ‘مرسيدس’ و’أحكي يا شهرزاد’ و’باب الشمس’ احداث فيلمه حول الهجانة الذين استخدمهم أزلام وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي، وأمرهم باكتساح ميدان التحرير لكسر الاعتصامات الجماهيرية، فيما عُرف عنها لاحقا باسم ‘موقعة الميدان’. ويرصد نصر الله علاقة الحب السريعة (وغير المبررة) بين شابة (منى شلبي) تأتي من قلب القاهرة البرجوازية الى حافة الاهرامات، لتطلع على حيوات عائلات الخيالة الذين يعتاشون على السياحة، قبل ان يتورط عدد منهم في الموقعة. تلتقي ريم بالشاب المتزوج محمود (باسم سمرة) الذي يقودها الى فقره وجزعه على لقمة اولاده، قبل ان يعلن شبه توبة!من الجزائر، يشارك المخرج المخضرم موسى حداد بعمله ‘حراقة بلوز’ حول الصديقين زين وريان، وهما من شباب العاصمة اللذين تجمعهما علاقة طويلة، وتراودهما أحلام الهجرة الى أوروبا. لكن تجربة سابقة لأحدهما، تفجر خلافات حادة بينهما، تعكس حجم المخاطر والتوريط التي تهدد حيوات عشرات الاف من ‘الحراقة’ (الاسم الشعبي للطامحين الى الهجرة)، قبل ان يتبرع ريان بمبلغ تهريبه ، من أجل أتمام عملية جراحية تنقذ حياة والده المريض! في حين قارب مواطنه رشيد بلحاج في ‘عطور الجزائر’ ثيمة العودة الى الوطن، عبر حكاية امرأة جزائرية مهاجرة تعود بعد غياب طويل، لتستعيد ذكريات عمرها وتاريخها النضالي، أثناء جيلاناتها في شوارع العاصمة. وسبق ان عرف بلحاج المقيم في روما شهرة عبر نصوص مميزة مثل ‘شجرة الاقدار المعلقة’ الذي قارب ايضا ثيمتي الهجرة والتمييز العنصري، ولاحقا أفلمته اليتيمة لرواية المغربي محمد شكري ‘الخبز الحافي'(2003).اختارت أدارة المهرجان برئاسة علي الجابري فيلما أمريكيا، ساهم في انتاجه الممول السعودي محمد التركي ، هو باكورة المخرج نيكولاس جيركي ‘آربتراج’ حول الجشع في شركات المضاربات الامريكية لحفل افتتاح الدورة السادسة، وفيه يقع القطب المالي روبرت ميلّر (النجم ريتشارد غير) في محنة دين ثقيل، تدفعه نحو مساومات تكشف عن كائن سافل، لن يتحرك ضميره اثر مقتل عشيقته، او اكتشاف ابنته الكبرى ورطات صفقاته المشبوهة، فكل شيء لديه قابل للمداولة والبيع والشراء. هناك تكريمان لشخصيتين نسويتين: العربي، سيوجه الى الممثلة المصرية المميزة سوزان بدر ويعرض لها بالمناسبة شريط ‘الابواب المفتوحة’ أخراج مواطنها عاطف حتاتة. عالميا، ستُكرم النجمة الأيطالية المخضرمة كلاوديا كاردينالي التي تشارك بفيلم البرتغالي مانويل دي أولفييرا ‘غيبو والظل’. الى ذلك، توجه ابوظبي تحيتها الى تاريخ السينما الجزائرية التي تحتفل بمرور 50 عاما على انطلاقتها. ويعرض ضمن فعالياتها جواهر سينمائية على شاكلة ‘معركة الجزائر’ للمعلّم الايطالي جوليو بونتيكورفو، و’زد’ لليوناني ـ الفرنسي كوستا غافراس، و’وقائع سنوات الجمر’ للاخضر حامينا و’الافيون والعصا’ لاحمد راشدي، و’عطلة المفتش طاهر’ لموسى حداد و’باب الواد سيتي’ لمرزاق علواش. أسيويا، يتم الاحتفاء بواحدة من أهم الصناعات في العالم المتمثلة بسينما كوريا الجنوبية، حيث ستعرض سبعة أشرطة متنوعة تعكس ثراء الانتاج المحلي الذي وصلت صدياته الى أهم مسابقات المهرجانات الدولية، ولعل أهم الاعمال المشاركة، جديد المخرج المميز ونغ سانغ ـ سو ‘في بلاد اخرى’ الذي شارك في مسابقة مهرجان كان الاخير مع النجمة الفرنسية أيزابيل هوبير التي تؤدي ادواراً متداخلة لامرأة في ارض غريبة. من الفعاليات الاساسية، أعلنت أدارة المهرجان الذي سيعقد هذا العام تحت مظلة مؤسسة ‘2454’، وهي احدى مبادرات حكومة ابوظبي، عن تنظم دورات تدريبية مجانية بمساهمة من أكاديمية التدريب الاعلامي، حول أسس الاخراج السينمائي تحت أشراف نخبة من الخبراء العالميين. والهدف، كما يوضح رئيس المهرجان علي الجابري، هو ‘تعريف الشباب تفاصيل صناعة الافلام عبر جميع مراحلها، بدءا من كتابة القصة، وانتهاء بالعرض الشعبي، مرورا بالانتاج والتصوير ولاحقا عمليات التسويق’. واشار الجابري كذلك الى فعالية غير مسبوقة تتمثل في مشاركة ‘كامبوس الشباب التابع لمهرجان برلين السينمائي’ ضمن هذه الدورات التي ستستضيف كل من الخبيرين بالمخيم الدولي ذائع الصيت كريستين تروسترام وماثياس وترنولف من بين أخرين، للتواصل مع عشرات من الشباب الاماراتي ومثلهم من المقيمين الشغوفين بالفن السابع.لا بد من الاشارة الى بعض خيارات مسابقة تظاهرة ‘آفاق جديدة’ التي توازي نظيرتها ‘نظرة ما’ في مهرجان كان الفرنسي، التي تبلغ قيمة جوائزها ما يقرب من ربع مليون دولار، وضمت خمسة عشر فيلماً طويلاً. نخص بالذكر العناوين التالية: ـ ‘اختطاف’ للدنماركي توبياس لونديلهوم، عن قراصنة صوماليين يختطفون سفينة تجارية ويرهبون موظفيها وعمالها من اجل الحصول على فدية مالية. نص قوي واشتغال سينمائي متوازن وغير تنميطي للارهابي.ـ ‘خلف التلة’ للتركي امين آلبر، حول عائلة تقضي عطلة في ريف ساحر، تنقلب يومياتها الى رعب وعنف مع حدوث وقائع غير مفهومة، يربطها افراد العائلة بغرباء وحشيين. هناك اشارات ملتبسة الى كونهم من الاكراد!ـ ‘وحوش البرية الجنوبية’ للامريكي بينا زيتلين، حكاية طفلة زنجية تعيش حياة عصية مع والدها المدمن، تدفعها نحو احلام عجائبية لحيوانات خرافية، تظهر كتهويمات بسبب فاجعة اعصار كاترينا وطوفانه الكبير.ـ ‘عائلة محترمة’ للايراني موسى بخشي، نص ميلودرامي مميز ومحكم الصنع حول فساد الذمم في مجتمع طهران. استاذ جامعي مهاجر يعود من منفاه الامريكي، ليكتشف ان الضمائر غابت بين أهله وأقاربه، كأحدى تبعات الحرب المريرة مع العراق.