الدورة 62 مطالبة بتفعيل دور الامم المتحدة

حجم الخط
0

د. سعيد شهابي

في الوقت الذي توجه فيه عدد من زعماء العالم الي نيويورك لحضور الجمعية العمومية الـ 62 للأمم المتحدة يسود شعور عام بخيبة الأمل من تراجع دور المنظمة الدولية في التعاطي مع الوضع الدولي. هذا الوضع يزداد تأزما بسبب تغييب الدور الفاعل لها، ولغيرها من المنظمات الاقليمية والتحالفات السياسية.

ومع الاعتراف بالغياب شبه الدائم لهذا الدور الفاعل، فقد كانت هناك محطات تجسد فيها دور ايجابي واضح للمنظمة لمنع النزاعات واحتواء الازمات. وقد اوضحت العقود الاخيرة وجود سؤال محوري: من الذي يتخذ القرار الدولي؟ أهو الولايات المتحدة ام الامم المتحدة؟ ويستتبع ذلك تساؤلات لا تقل اهمية: ما جدوي وجود الامم المتحدة اذا لم تقم بدور فاعل لاحتواء أزمات العالم، وتطبيق المواثيق الدولية التي وضعت علي مدي ما يربو علي ستين عاما؟ ولكن برغم هذه التساؤلات وربما التشكيكات في هذا الدور فهناك حماس من أغلب حكومات العالم لتفعيله والمشاركة الفاعلة في الاجتماعات السنوية للجمعية العمومية، وذلك بالتسابق من قبل الفرقاء لحضور تلك الجلسات علي اعلي المستويات ومخاطبة العالم من منبرها. ومن هؤلاء الرئيس الايراني، أحمدي نجاد، الذي حضر علي رأس وفد كبير لنيويورك. وفي خطوة للتأثير علي الرأي العام الامريكي طلب الرئيس نجاد زيارة موقع برجي مركز التجارة العالمي للتعبير عن تضامنه مع ضحايا تفجيرات 11 ايلول (سبتمبر)، في خطوة لم تخل من حذاقة سياسية، وحتي كتابة هذه السطور لم يتضح بعد ما اذا كانت زيارة موقع غراوند زيرو ستتحقق، وذلك بسبب الرفض الامريكي لها. خطوة الرئيس نجاد لا يمكن فصلها عن الاجواء النفسية التي تسود العلاقات بين طهران وواشنطن والتي تشهد تباينات تستعصي علي الفهم احيانا. ففي الوقت الذي تجري فيه الا ستعدادات من قبل الحكومة العراقية لعقد جلسة حوارية ثالثة بين الامريكيين والايرانيين حول المشاكل الامنية في العراق، يتم التلويح بشكل متواصل باحتمالات ضربة عسكرية امريكية للمنشآت النووية الايرانية. وهنا تبرز دواعي الاهتمام بدور المنظمة الدولية والسعي لتحقيق توافق دولي بعيدا عن الاملاءات الامريكية. علي مدي الاسابيع الثلاثة المقبلة سيكون منبر الجمعية العامة مناسبة للزعماء لطرح وجهات نظرهم ازاء القضايا التي تشغل بالهم، وسوف تكون قرارات المنظمة انعكاسا لمدي وجود اجماع دولي حول اي من قضايا الاهتمام الدولي. ويمكن القول ان هناك اجواء هيأتها الادارة الامريكية للتركيز علي المشروع النووي الايراني علي امل تحقيق اجماع دولي ضد ايران يبرر لعمل عسكري لاحق، وهو أمر لا يبدو ممكنا. من المؤكد ان الامم المتحدة لن تقر هذا العمل العسكري، ولكن استراتيجية واشنطن تهدف لتوفير توافق دولي متماسك ضد ايران، وسوف تعتبر ذلك مسوغا لعمل عسكري من نوع او آخر. من جانبها تسعي طهران للتأثير علي مواقف الدول الاخري لمنع هذا التوافق ولاظهار ان الاهتمام بمشروعها انما ينبع من تحالف امريكي ـ اسرائيلي يتجاهل حقائق الواقع، ويتجاوز قناعات الاجهزة المختصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه الوكالة اصدرت تقارير عديدة تحتوي نتائج مشاهدات خبرائها بعد زياراتهم العديدة للمنشآت النووية الايرانية. من جانبها فان طهران لا تخفي امتلاكها مشروعا نوويا، ولكنها تصر علي عدد من الامور: اولها انه مشروع سلمي شاركت في تأسيسه الولايات المتحدة نفسها وعدد من الدول الاوروبية من بينها المانيا وفرنسا، ثم دخلت روسيا علي الخط لاكمال مشروع محطة بوشهر النووية. وثانيها انها تسعي لامتلاك دورة التخصيب كاملة، وان ذلك امر تقره لها اتفاقية منع انتشار الاسلحة النووية، ان بي تي. وثالثها ان تقارير رئيس الوكالة، الدكتور محمد البرادعي، لا تحتوي ما يشير الي وجود تجاوزات ايرانية كبيرة لضوابط الوكالة وقوانينها، وان ايران متعاونة الي حد كبير مع الخبراء التابعين للوكالة. رابعها ان هناك ازدواجية في التعامل الدولي مع الدول التي تمتلك مشاريع نووية، وتطالب دول العالم بالضغط علي اسرائيل لاخضاع مشروعها النووي لاشراف الوكالة الدولية. كما ان اتفاقية امريكا مع الهند مؤخرا تؤكد هذه الازدواجية. خامسها انها تتفق مع الدول العربية التي تطالب بجعل الشرق الاوسط منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل خصوصا الاسلحة النووية. سادسها: انها لا تعتزم امتلاك السلاح النووي، وان سعيها الحثيث لامتلاك تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم خيار استراتيجي لن تتراجع عنه لانه لا يتناقض مع قوانين الوكالة. هذه المعطيات برغم منطقيتها، غير مقبولة لدي واشنطن و اسرائيل. ومن المتوقع ان تشهد جلسات الدورة الـ 62 للامم المتحدة شدا وجذبا حول هذه القضية، خصوصا بعد ما جري الاسبوع الماضي في اجتماعات الوكالة الدولية بجنيف، عندما صوت اكثر من نصف الاعضاء علي مطالبة اسرائيل بتوقيع معاهدة ان بي تي، بينما تحفظت الدول الغربية علي ذلك. وبهذا اصبح المشروع النووي الاسرائيلي مطروحا علي الساحة الدولية بشكل يحرج واشنطن كثيرا. الواضح ان الدول العربية منزعجة تماما من ازدواجية التعاطي الامريكي مع القضايا الحساسة التي تشغل بال ساسة المنطقة وتهدد امنها بشكل كبير. هذه التجاذبات ازدادت في الفترة الاخيرة بعد الضربة الاسرائيلية التي حدثت مؤخرا ضد اهداف سورية. بعض التقارير يقول ان الهدف كان منشأة نووية شرعت سورية بانشائها بالتعاون مع كوريا الشمالية، الامر الذي ينفيه البلدان. وتقول التقارير ايضا ان واشنطن وتل أبيب تبادلتا المعلومات حول تلك المنشأة وان واشنطن لم تعترض علي العملية الاسرائيلية. وقد رفض الرئيس بوش الاجابة علي تساؤلات الصحافيين حول الموقف الامريكي من تلك العملية، فيما تم التنديد بها من قبل العديد من الدول العربية والاسلامية التي اعتبرتها عدوانا استفزازيا ومؤشرا إضافيا للنوايا العدوانية لدي الكيان الصهيوني ضد الدول العربية. ازاء هذه الغطرسة الاسرائيلية اصبح العرب امام خيارات محدودة، ففي غياب الموقف العربي الرادع، ومع انعدام الارادة الدولية للوقف بحزم ضد التصرفات الاسرائيلية، ومع تداعي الاوضاع في الاراضي الفلسطينية، اصبح مطلوبا من الدول العربية والاسلامية الخروج من دائرة الصراعات الجانبية والتركيز علي استراتيجية دفاعية فاعلة للحد من هذه الغطرسة. فهناك الآن اهداف للعدوان الاسرائيلي، اهمها في الوقت الحاضر سورية وايران، وحزب الله ومنظمة حماس التي اعتبرتها تل ابيب مؤخرا طرفا معاديا لتبرير اي عدوان واسع ضدها وضد قياداتها. في ظل غياب استراتيجية دفاعية واضحة المعالم لدي الدول العربية والاسلامية، وتباين السياسات ازاء التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي، تبدو الخيارات محدودة، وتظل الامم المتحدة في الوقت الحاضر الجهة الاولي التي يمكن التوجه له والسعي للتأثير علي مواقفها ازاء قضايا المنطقة. ولكن هذه المنظمة تعاني هي الاخري من ضعف في الادارة والاداء من جهة، وفي مجال التمويل من جهة ثانية، والقدرة علي التدخل لحسم الخلافات الدولية من جهة ثالثة. والواضح ان الولايات المتحدة التي انتهجت في السنوات الاخيرة ما أطلق علي تسميته سياسات تفردية لا ترغب في ان تري الامم المتحدة منظمة دولية قادرة علي اتخاذ قرارات قوية خارج الارادة الامريكية. واذا كانت الحرب ضد العراق قد شنت من قبل التحالف الانكلو امريكي بدون غطاء دولي، فان من المستحيل ان تحصل واشنطن علي غطاء سياسي من الامم المتحدة لتوجيه اية ضربة عسكرية لايران. وبالتالي فهي تري نفسها في صراع متواصل مع المنظمة الدولية. لقد كان الامين العام السابق، كوفي عنان، رجلا قوي الشخصية ويتمتع بصفات انسانية وادارية عالية. وما يزال الوقت مبكرا للحكم علي الامين العام الحالي، السيد بان كي مون، مع ان المؤشرات تفيد بانه أضعف من سلفه، وانه أكثر عرضة للتأثير الامريكي. وبالتالي فان سمعة الامم المتحدة اصبحت علي المحك خصوصا في الاوضاع الحالية التي يبحث العالم فيها عن مواقف واضحة وسياسات مستقلة عن الضغوط الامريكية وغيرها، ومشاريع اكثر جدوي للعالم الثالث الذي يعاني تحت وطأة العولمة والسياسات الهادفة للهيمنة السياسية والاقتصادية المطلقة من قبل الدول الغربية. وما تزال واشنطن تعترض علي المطالبة بزيادة عدد الاعضاء الدائمي العضوية بمجلس الامن الدولي، وتصر علي حصرها بالخمسة الحاليين. ومن المؤكد ان تطرح في خطابات الزعماء واجتماعات اللجان في الاسبوعين المقبلين مقترحات بتوسيع العضوية لدول كالهند واليابان والدول الاسلامية مقاعد دائمة بمجلس الامن. انه صراع من اجل فرض الارادة وتوجيه القرار الدولي، وهو صراع متواصل ستشهد المداولات الجارية جانبا منه، وتبقي جوانب اخري منه مؤجلة للفرص المستقبلية في القمم والمؤتمرات الدولية والاقليمية. في ظل غياب التوافق الدولي لاصلاح الامم المتحدة، واصرار واشنطن علي الحفاظ علي الوضع الراهن، يبقي مستقبل العالم مرهونا بالقرارات الآنية المحكومة احيانا بتوازن القوي، واحيانا بقرارات هذه الدولة الكبري او تلك. واذا كانت أزمة العراق الحالية ومعها قضية الحرب ضد الارهاب من نتاج غياب الموقف الدولي الحازم القادر علي منع العدوان، فان هذه الازمة مرشحة للتكرر في بلدان اخري في ظل غياب التوافق الدولي القادر علي التحول الي قرارات ملزمة للدول جميعا. وهنا تبدو مسألة تمويل الامم المتحدة بعدا اساسيا في الصراع علي القرار الدولي. فالولايات المتحدة تدفع ما يقارب ربع موازنتها، وكثيرا ما استعملت ذلك لممارسة ضغوط علي المنظمة، وابتزتها بتأجيل دفع التزاماتها المالية، وكثيرا ما وقعت الامم المتحدة ضحية هذا الابتزاز واعلنت عن خفض النفقات وتعليق الكثير من المشاريع. ان للامم المتحدة دورا مهما في القضايا الحساسة، ولكنه دور يتم تغييبه بشكل مستمر. فهذا الدور غير مسموح بممارسته في العراق الذي استحوذت الولايات المتحدة علي القرارات المتعلقة بما يجري علي ارضه، وغير مسموح بممارسته في فلسطين، وتكفي الاشارة الي ان اهم القرارات التي صدرت عن مجلس الامن الدولي لاحتواء المشكلة الفلسطينية، ومنها 242 و 338 لم تطبق حتي الآن برغم مرور ما يقارب العقود الاربعة علي الاول والثلاثة علي الثاني. انه عجز مخجل، وتقاعس مزعج ينعكس سلبا علي حياة الملايين من ضحايا الاحتلال وسوء المعاملة. وفي الوقت الذي اوضحت تجارب السنوات الماضية وجود رغبة دولية عارمة في اصلاح المنظمة الدولية، فقد اوضحت ايضا عجزا كبيرا علي الصعيد الدولي عن تنفيذ هذه الاصلاحات او بعضها. ويمكن ملاحظة ظاهرتين خطيرتين في عالم الامم المتحدة. اولاهما ما يجري في مجلس الامن من محاولات تسييس للقضايا والقرارات المتعلقة بالعالم الاسلامي. فهناك قرارات صدرت عن مجلس الامن ولم تنفذ (242 و 338)، وقرارات صدرت تحت الضغط الامريكي المباشر (1559) وقرارات قيد الاصدار تحت الضغط الامريكي تتعلق بالمشروع النووي الايراني. يضاف الي ذلك وجود عجز عن اصدار قرارات جديدة علي غرار القرارين المذكورين لادانة اسرائيل بسبب ما ترتكبه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني وبسبب رفضها المتواصل للتوقيع علي معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية واخضاع منشآتها النووية للرقابة الدولية والتفتيش. وفي الاسبوع الماضي دعا مقرر الأمم المتحدة الخاص بحقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية جون دوغارد السكرتير العام بان كي مون الي الانسحاب من اللجنة الرباعية الدولية في حال فشله باقناع باقي الأعضاء بادانة العنف والانتهاكات الاسرائيلية. ووضع دوغارد في تقرير جري توزيعه ونقله بان الي الجمعية العامة مجموعة من التوصيات الي الأمم المتحدة واسرائيل والبلدان الأعضاء والمجموعات الفلسطينية المسلحة. وحث المقرر بان كي مون علي اقناع اللجنة الرباعية بادانة الانتهاكات الاسرائيلية للقانون الانساني الدولي وقانون حقوق الانسان وقبول الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2004 والذي دان بناء الجدار العازل. كما دعا الي تبني مقاربة نزيهة وعادلة فيما يتعلق بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني وكذلك ازاء التعامل مع مختلف القوي الفلسطينية. ان هناك طريقا طويلا امام مريدي اصلاح الامم المتحدة بشكل يؤهلها للقيام بالدور المنوط بها لاحتواء الازمات وحل الخلافات. ولكنه طريق تعترضه معوقات كثيرة من بينها غياب ارادة التوافق بين دول العالم الثالث، في مقابل شراسة السياسة الامريكية، ودور المال الامريكي في الضغط علي المنظمة الدولية او ابتزازها، وتخلي اوروبا عن دورها كلاعب اساسي علي الساحة الدولية لصالح الدور الامريكي، وعجز روسيا عن استعادة دور فاعل علي غرار ما كانت تتمتع به خلال الحرب الباردة. من هنا يجدر بالساسة والقادة من دول العالمين العربي والاسلامي والعالم الثالث اعادة النظر في استراتيجية التغيير في هيكلية المنظمة الدولية من جهة، والتكاتف الفاعل من اجل تحقيق وفاق واع يهدف للحفاظ علي مصالح العالم الثالث ومنع استمرار الهيمنة السياسية والاقتصادية للدول الصناعية بشكل مطلق. انها محاولة لصعود جبل عال ووعر في موسم الجليد بدون ادوات التسلق والحماية من البرودة القاتلة او التنسيق مع اعضاء الفريق الآخرين. ليست هذه دعوة لليأس بل للتخطيط المحكم والتعرف علي مواقع التأثير علي القرار الدولي والسعي لتحقيق مكاسب للعالم عامة وامة المسلمين خاصة. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية