الدولار غائب رغم تنازلات الحكومة… وصبر المواطنين له نهاية… واستمرار التعنت الإثيوبي… ورفض إبرام اتفاق قانوني

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: أثبتت الجريرة التي ارتكبتها نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية الليبية، المقالة قبل يومين، أن القضية الفلسطينية حية في قلوب الجماهير مهما سعت بعض الأنظمة لتغييبها وإقصائها عن المشهد، حتى تلك الجماهير التي تعاني من شبح سقوط الدولة ومن الجوع والفقر وانفلات الأمن، إلا أنها ما زالت تولي قلوبها شطر القدس، ولعل التظاهرات التي شهدتها ليبيا ضد اللقاء المشبوه بين نجلاء المنقوش والوزير الإسرائيلي إيلي كوهين، يكشف بجلاء عن أنه ما زال لفلسطين سحرها الذي لا يخفت، كما أن لشعبها هوى يأسر قلوب الملايين في مشارق الأرض ومغاربها، حتى انصار التيارات السلفية يتقربون بحبهم للأقصى نحو السماء، بغية نيل الرضا الألهي وطمعا في سرعة إنجاز الوعد الذي يسكن قلب كل فلسطيني وعربي. ومن أخبار القوات المسلحة: التقى الفريق أول محمد زكي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، عددا من قادة القوات المسلحة، في مركز التدريب المشترك لهيئة الإمداد والتموين، يأتي ذلك في إطار حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على المتابعة المستمرة، والوقوف على أساليب تطوير أداء القوات المسلحة ومسؤولياتها الوطنية في الحفاظ على الأمن القومي المصري، وذلك بحضور الفريق أسامة عسكر رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من كبار قادة القوات المسلحة، وتناول اللقاء عرضا تقديميا لعدد من قادة القوات المسلحة لأحدث المستجدات والتحديات التي تشهدها المرحلة، وأهم الأحداث الجارية وتأثيرها في الأمن القومي المصري وما يرتبط بأساليب العمل داخل القوات المسلحة وطرق تطويرها وتحديثها، بما يتلاءم مع المستجدات التي تحدث على الساحتين الإقليمية والدولية. ومن مساعي الدفاع عن القرآن الكريم: كلف الشيخ محمد حشاد شيخ عموم المقارئ المصرية ونقيب القراء، حاتم مقلد المستشار القانونى للنقابة، بتقديم بلاغ للنائب العام ضد صاحب الواقعة المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي حيث ظهر ملحن ممسكا بالعود ويقرأ القرآن بالموسيقى، وأكد الشيخ محمد حشاد، أن ما حدث يتنافى مع قدسية القرآن الكريم، الذي هو كلام الله عز وجل، والذي ينبغى على من يقرأه أن يكون على وضوء وأن يقرأه بخشوع قلبي. وأكدت مدينة الجونة أن ما يتداوله البعض على شبكة الإنترنت من أخبار ومنشورات تزعم امتلاك عائلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لفيلا في مدينة الجونة، غير صحيح على الإطلاق، واعترفت مدينة الجونة بأنه رغم حرصها على حماية بيانات العملاء، وعدم الكشف عن أي معلومات أو تفاصيل تخصهم، إلا أنه بعد مراجعة السجلات كافة، تؤكد المدينة أنه لا يوجد أي سجل يشير إلى أن زيلينسكي أو أي من أفراد عائلته يمتلكون أي ممتلكات في مدينة الجونة. وأشارت الجونة إلى أن الأخبار التي تداولها البعض على شبكة الإنترنت تضمنت صورة لفيلا مملوكة حاليا لعائلة مصرية، وفي ما يتعلق بصور العقد التي قام البعض بنشرها، فإن مدينة الجونة تشدد أيضا على أنه لا صحة لهذه الصور.
ومن أخبار الاستثمار: وافق مجلس الوزراء على منح شركة سامسونغ إلكترونيكس مصر- ش.م.م “الرخصة الذهبية” عن مشروع إقامة مصنع لتصنيع هواتف التليفون المحمول في مدينة الواسطي، محافظة بني سويف. ومن أخبارملاحقة المطربين فنيا: أعلن مصطفى كامل نقيب المهن الموسيقية، إحالة المطرب رضا البحراوي للتحقيق، بعد تقديمه أغنية “عليا الطلاق كله بيكدب”، والتي قدمها لأول مرة مغني المهرجانات “كزبرة”، وتم إيقافه هو الآخر..
في القلب أبداً

القصة بدأت عندما التقت نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية الليبية، مع إيلي كوهين وزير الخارجية الإسرائيلي.. كان اللقاء في العاصمة الإيطالية روما، ولم يكن معلنا، وكان الهدف كما أوضح سليمان جودة في “المصري اليوم” هو البحث في تطبيع العلاقات بين البلدين. وما كادت أخباره تتسرب حتى قامت الدنيا في ليبيا، فانطلقت مظاهرات ليبية غاضبة، واقتحم عدد من الليبيين مبنى وزارة الخارجية، وأشعلوا النار في قميص يحمل صورة المنقوش مع كوهين، واكتشف الدبيبة أنه في ورطة سياسية كبيرة، فأعلن إقالة وزيرة الخارجية، ووصف ما قامت به بأنه دليل على نقص الخبرة الدبلوماسية، وقال إن لقاءها مع كوهين كان تصرفا منفردا. طبعا هذا كلام فارغ، كما أنه لا ينطلي على صاحب عقل، لأن وزير الخارجية في أي بلد يظل ينفذ سياسة حكومته، ولا يستيقظ من النوم ليتصرف منفردا، كما يحلو له ويحب. ولأن الإسرائيليين بلا قلب، فإنهم على الفور ردوا بأن اللقاء سبقه اتفاق وتنسيق على أعلى مستوى بين البلدين، بما يعنى أن الدبيبة كان على علم باللقاء، وأنه أعطى وزيرة خارجيته الضوء الأخضر، وأن ما يقوله عن تصرفها المنفرد ونقص خبرتها الدبلوماسية كلام بلا معنى وبلا قيمة. طبعا لا مشكلة من حيث المبدأ في تطبيع العلاقات بين تل أبيب وأي عاصمة عربية، لكن بشرط أن يتم ذلك في النور لا في الخفاء، وأن تكون للتطبيع شروطه الواضحة، وفي المقدمة منها أن تقطع الحكومة في الدولة العبرية خطوات جادة وعملية في اتجاه قيام دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية. ولأنه لا شيء من هذا كان حاضرا في اللقاء الليبي الإسرائيلي، فإن الليبيين وجدوا أنفسهم أمام صفقة سياسية كبرى لحساب بقاء حكومة الدبيبة في الحكم، وبغير أن تكون ليبيا نفسها في الحساب، فضلا بالطبع عن أن يكون لفلسطين وجود في الموضوع، ولا دليل على ذلك أكثر من أن المنقوش فرت هاربة إلى تركيا.

فلينزوِ المفرّطون

إعلان رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة إقالة وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش، على خلفية اجتماعها بوزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في روما، ألقى الضوء كما أوضح عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” على أزمات الحكومة الليبية، وسواء كان هذا الاجتماع مجرد لقاء عابر، كما قالت الوزيرة في معرض دفاعها عن نفسها، أو أن الدبيبة كان على علم به، بل رتب له، فإن الواقع يقول إن الحكومة الحالية صارت محط انتقاد الكثيرين، وصارت هناك شكوك قوية في أن تستطيع إدارة عملية انتخابية نزيهة نهاية هذا العام. والمعروف أن في ليبيا قانونا منذ عهد الزعيم الراحل معمر القذافي يمنع أي اتصال أو لقاء مع مسؤول إسرائيلي، في ما اعتبرت روميانا دوجاتشنيسكا الخبيرة المتخصصة في الشأن الليبي، التي نشرت عن «دار فيار» الفرنسية الشهيرة أكثر من كتاب حول ليبيا، أبرزها «حرب سرية وأكاذيب»، أن اللقاء بين المنقوش ونظيرها الإسرائيلي لم يكن مجرد صدفة، بل خُطط له من قبل روما، وبطلب من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعمل من أجل أن يتم التطبيع بين إسرائيل وجميع الدول العربية. وقد أثار هذا اللقاء ردود فعل غاضبة تجاوزت الاستقطاب الحادث بين الشرق والغرب، فقد تظاهر محتجون في قلب العاصمة طرابلس تنديدا بالخبر وأضرموا النار أمام مبنى رئاسة مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، ورددوا هتافات داعمة للقضية الفلسطينية، ورافضة لأي تواصل ليبي مع إسرائيل، كما جرت مظاهرات مماثلة في مدينة الزاوية غرب طرابلس وزليتن شرقها ومصراتة.

غدر بها

معروف أن الجانب الإسرائيلي هو الذي سرَّب خبر لقاء الوزيرة المقالة نجلاء المنقوش مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين إلى وسائل الإعلام، وفق ما أوضح عمرو الشوبكي، حيث استشهد بتصريحات أحدثت غضبا واسعا في أوساط الشعب الليبي، قال خلالها وزير الخارجية إيلي كوهين إنه «تحدث مع وزيرة الخارجية الليبية عن الإمكانات الكبيرة للعلاقات بين البلدين، فضلا عن أهمية الحفاظ على تراث اليهود الليبيين، بما يشمل تجديد المعابد والمقابر اليهودية في البلاد». وأكد الجانب الإسرائيلي أن اللقاء جرى تحت إشراف الجانب الإيطالي، بما يعني إنه لم يتم بالمصادفة. والمعروف أن الوزيرة الليبية ذهبت إلى روما برفقة إبراهيم الدبيبة ابن شقيق رئيس الوزراء، ووليد اللافي مسؤول الإعلام في الحكومة الليبية، بما يعني أيضا استحالة أن يكون اللقاء مصادفة. لقد تعمقت الخلافات داخل أركان الحكومة الحالية في ليبيا، فهناك خلافات بين المجلس الرئاسي والحكومة، خاصة مع وزيرة الخارجية التي يُفترض أنها أقيلت، كما أن تراجع مصداقية الحكومة الحالية داخل ليبيا أثر في عملها، فهي مفقودة في الشرق ومتراجعة في الغرب، ما يضع علامات استفهام حول قدرتها على أن تُشرف بشكل محايد على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع عقدها نهاية العام. سيبقى الحل في ليبيا في تشكيل حكومة مصغرة جديدة، هدفها الوحيد إدارة الانتخابات، ولا يترشح أي من أعضائها فيها، وأن يضمن المجتمع الدولي احترام نتائجها.

يغدرون بنا

ما زال الموقف الإثيوبى في قضية سد النهضة يراوح مكانه.. ومع ذلك يرى جلال عارف في “الأخبار”، أن مصر ماضية في جهودها من أجل الحل الذي يحقق مصالح كل الأطراف. وستمضي مع السودان الشقيق إلى جولة مقبلة من التفاوض تعقد في أديس أبابا، وهما أكثر تصميما على الحل المطلوب لمصلحة الدول الثلاث، وأشد تمسكا بالمطلب العادل الذي لا تنازل عنه وهو الاتفاق القانوني الملزم الذي يحافظ على الحقوق التاريخية ويمنح إثيوبيا الفرصة الطبيعية لتحقيق التنمية، ولا يمس بنصيب مصر والسودان من مياه النيل التي تمثل «بالنسبة لمصر» شريان الحياة بكل ما تعنيه الكلمة. في الجولة الأولى من التفاوض بعد استئناف المباحثات، قدمت مصر تصوراتها لحل المشاكل المعلقة بما يضمن مصالح كل الأطراف، بينما ظل الموقف الإثيوبي على حاله وهو ما واجهته مصر بالموقف الثابت الذي لا يقبل المساس بالحقوق المصرية، ويؤكد أن الاتفاق المطلوب لا بد أن يشمل قضايا تشغيل السد والتصرف العادل في سنوات الجفاف وطريقة التحكيم في أي خلافات تطرأ، وأن يكون كل ذلك ثابتا في اتفاق قانوني ملزم لا يترك مجالا للتسويف أو المراوغة. مصر ما زالت تتعامل بكل مرونة وتقدم الحلول التي تحفظ مصالح الجميع، مع ثبات موقفها في الحفاظ على حقوقها المشروعة والتاريخية. ولعل الموقف الإثيوبي في الجولة المقبلة بعد أسبوعين يكون أكثر تفهما للحقيقة الأساسية وهي: أنه لا بديل عن التوافق، ولا مصلحة لإثيوبيا في إفشال التفاوض، ولا حل إلا بإقرار الحقوق المشروعة والتاريخية لمصر والسودان والحفاظ على حقوقهما في مياه النيل، وفتح الباب أمام شراكة حقيقية بين الدول الثلاث تحقق مصالح الجميع. نرجو أن نرى في الجولة المقبلة من المباحثات موقفا إيجابيا من إثيوبيا يعبر عن الجدية في التوصل للتوافق المطلوب، ويدرك أن مصالح إثيوبيا لا يمكن أن تتحقق على حساب مصر والسودان، وأن المصير مشترك، والنيل لا يمكن أن يكون إلا ساحة للتعاون والخير لكل شعوبه.

ليست للذكرى

المشاهد التي رصدتها هالة فؤاد في “المشهد” كشفت حقائق مضنية عن حياة الطبقات الكادحة: قبض بقوة على “مقشته” (عصاه) الخشبية وأخذ ينظف الشارع بهمة من الأتربة العالقة وبعض من الأحجار الصغيرة المتناثرة إثر عمل ما.. بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهه الذي تصبب عرقا غزيرا بفعل درجات الحرارة التي فاقت الاحتمال. لكنه لم يعبأ بتلك الحال وبدا عقله مشغولا في ما يراه أهم.. التفت بكل تركيز إلى زميل له يحمل موبايل طالبا بإلحاح: صورني! ما أن انتهى الآخر من التقاط أكثر من صورة حتى ألح من جديد: صورني كمان.. أثار المشهد الغريب دهشتي من الحد الذي وصل إليه ولعنا بالتقاط الصور، حتى صارت جزءا أصيلا يشاركنا كل لحظات حياتنا، وبشكل يكاد يصبح مرضيا. ترددت قليلا قبل أن أسأله عن سبب اهتمامه الكبير بالتقاط تلك الصور، لتفاجئنى كلماته: بنبعتها للشركة علشان تتابع عملنا وتتأكد من شغلنا. صورة الشقيانين ليست في الغالب للرفاهية.. وراءها دوما عرق وكد وتعب وسعي دؤوب على لقمة العيش. وجوههم تنطق بقصص كفاح ترسم خطوطها واضحة تعيد لنا قدرا من التوازن المفقود، بعدما كدنا جميعا ندمن تسجيل كل لحظات حياتنا مصورة كأنها فيلم وثائقي مفتوح.. نسافر فلا يحلو لنا السفر إلا بعدما نلتقط الصور ونرسلها للأصدقاء.. نتجمع في سهرة فلا يشغلنا سوى تسجيل لحظات الضحك في صورة “سيلفي” تجمعنا. نهتم بعشرات الصور بينما نغفل تواصلا وحوارا وكلمات أهم.

العمر لحظة

تشغلنا الصورة على حد رأي هالة فؤاد فننسى أن نعيش اللحظة، أو بالأدق لا نهتم بأن نعيشها بالعمق الذي تستحقه، والذي يجعلها محفورة في أرواحنا، نغفل أن ذاكرة الروح هي التوثيق الأهم والأكثر تأثيرا. قليل من يدرك ذلك، من ينجو من إدمان الصورة، من ينجح في القبض على اللحظة فيعيشها بكل كيانه. وقليل من يقبض على العصا من منتصفها فيعطي للحظة قدرها ولا يسرف في هوى الصورة، لكن كثيرا منا من لا يفعل ذلك، يظل أسيرا لمئات الصور يسجل بها كل لحظات حياته. وحقيقة لا أعرف ما مصير تلك الصور في النهاية.. هل يحتفظ بها أم لا يهتم بذلك.. هل يعود إليها ثانية أم لا تخطر له على بال؟ هل تمثل له ذكرى وتترك في نفسه أثرا، أم أنها مجرد مشاهد عابرة يطوى صفحتها بغير اكتراث؟ زمان كنا نطبع الصور ونحتفظ بها، كانت الصور عزيزة، فلم يكن الأمر سهلا بسهولة هذه الأيام، بعدما أصبح في يد كل منا كاميرته الخاصة.. ومع ذلك فقدت الصورة قيمتها لم يعد لها تأثيرها الساحر في الروح، كما كانت تفعل بنا أيام زمان. لن يعود الزمان، وستظل لكل جيل طبيعة وحياة.. لن نوقف عجلة الزمان، ستمر بنا سريعة، وهو ما يدفعنى لمزيد من الإشفاق على أجيال لا تشعر بأن العمر لحظة من الأفضل أن نعيشها بكل كياننا لا نفرط فيها ولا يشغلنا عنها ما هو أقل أهمية وقيمة.

همنا الكبير

عقب انتهاء قمة دول البريكس، أدلى وزير هندي بتصريحات صحافية ذكر فيها أن التخفف من الدولار، أو عدم الاعتماد عليه في المعاملات الدولية حلم بعيد المنال، ولاسيما أن له قواعد راسخة في النظام الاقتصادي العالمي، تشكلت عبر عقود من الهيمنة الاقتصادية الأمريكية. كلام المسؤول الهندي اعتبره سامح فوزي في “الشروق” مهما في مواجهة التوقعات المتزايدة التي سادت الأيام الماضية منذ دعوة مصر إلى الانضمام إلى تكتل البريكس، وتشير إلى قرب التخلص من الدولار. صحيح أن البريكس يوفر إمكانية الاعتماد على العملات المحلية بين الدول في مجال التجارة البينية، ولكن لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال التخلص من هيمنة الدولار في مجال التجارة العالمية في المدى المنظور. ولم يكن التفكير في العدول عن العملة الخضراء ملحا وضاغطا إلا عندما واجهت مصر تحديات في الحصول عليها، وسد العجز بين العرض والطلب، الذي يبدو مستمرا لفترة مقبلة. والحل في مزيد من توفير الدولار، بحيث يزداد العرض، ويقل الطلب، أو على الأقل تتراجع الفجوة بينهما. وفي الفترة المقبلة لن يتسنى ذلك إلا من خلال تدابير مصرية في المقام الأول، قد يكون من بينها تشجيع الاستثمار، أو بيع الأصول، وكلاهما من الإجراءات التي تستغرق وقتا بحكم طبيعتها، في حين أن هناك إجراءات يمكن القيام بها، تساعد على توفير الدولار، أبرزها السياحة، وقد حققت مصر طفرات الشهور الماضية أكثر من ذي قبل، ويمكن المضي قدما في هذا الاتجاه، من خلال تنويع المنتجات السياحية.

لكي ننجو

يرى سامح فوزي، أن من أبرز الوسائل للنجاة من المحنة الكبرى التي تواجهنا تشجيع الصادرات على نطاق أوسع، مثل المنتجات الزراعية والصناعية، خاصة التي تعتمد على مواد خام أولية ووسيطة منتجة محليا، دون حاجة إلى استيرادها، وفي حالة حتمية الاستيراد ينبغي أن نعط أولوية لاستيراد المواد الوسيطة لتعزيز الصناعة الوطنية، ومن ثم إتاحة مجالات أوسع للصادرات المصرية، والحصول على العملة الصعبة، وقد تكون هناك فرص للمنتجات المصرية على نطاق أوسع سواء في افريقيا، والدول الحدودية مثل ليبيا، من هنا جاء تطوير منفذ السلوم، بما حمله من فرص تجارية بين مصر وليبيا. يساند ذلك أمران، الأول التقليل من الواردات الخارجية، وتوفير بدائل محلية لها، وكذلك توفير حوافز حقيقية للإنتاج، والتصدير، بما في ذلك خصم نسبة معينة من الضرائب المستحقة على الشركات التي تزيد صادراتها إلى الخارج، وتشجيع القطاع الخاص على تطوير الأداء من خلال الجودة، وخدمات بعد البيع. والدليل على ذلك أن المنتج المحلي له حضور، وقادر على المنافسة في بعض المجالات، والسبب هو الجودة وخدمة العملاء، فمن الخطأ الربط دائما بين شراء المنتج المحلي والوطنية، لأن افتراض أن المستهلك مضح وباذل، يتعارض مع النظريات الاقتصادية التي تفترض في المستهلك أنه عاقل ورشيد، يبحث عن أفضل الاختيارات، وفي أوقات الأزمات الاقتصادية يزداد ميل المستهلك إلى المصلحة المباشرة، أكثر من أي اعتبارات أخلاقية أو قيمية. من هنا فإن المدخل الأساسي لتدعيم المنتج المحلي هو الكفاءة والجودة وحسن الخدمة.

ما وراء البريكس

تجدر الإشارة إلى أن الصين اعتمدت سياسة منذ عام 2006 أطلقت عليها «التوجه غربا»، وهي التي يتحدث عنها معتمر أمين في “الشروق”، السياسة التي بفضلها تم طرح مشروع الحزام والطريق، الذي دشنه الرئيس الصيني الحالي عام 2013. وبمقتضاها تبنت الصين التوجه غربا عن طريق البر، الذي يبعد عن الهيمنة الأمريكية، ويوفر سبلا آمنة للتجارة مع العالم. ونجح مشروع الحزام والطريق «البري»، وأصبح له شق «بحري» لا يقل نجاحا. وساهم هذا النجاح فى تقوية آمال دول البريكس التي رأت أن ثمة طرقا تجارية وتنموية غير طريق الغرب، الذي يملي شروطه السياسية، ويستعمل السبل الاقتصادية كسلاح لتطويع الدول. ومن ثم ألهمت قصة الصعود الصيني العديد من الدول، وتوسعت القصة وانضمت دول أخرى، تريد أن تجد طريقا آخر بعيدا عن هيمنة الغرب. وبينما كان المتوقع أن تكون دول الجنوب أو الدول التى بحاجة للتنمية هي أول المنضمين لمجموعة البريكس، فإن روسيا تمثل حالة استثنائية، لأنها من الدول الكبرى، وكانت من المجموعة الصناعية الثماني الكبرى. ولكنها اصطدمت بالغرب منذ عام 2008 بسبب ما اعتبرته محاولة للتدخل الغربي فى مجالها الحيوي، بدءا من جورجيا 2008، ثم أوكرانيا 2014. فزادت الهوة بين روسيا والغرب، وتقاربت مع الصين. وعندما خططت دول البريكس لضم دول جديدة فإن اختيار الدول الجديدة خضع لحسابات سياسية مطولة، أخذت في اعتبارها مجموعة من المعايير، من أبرزها ألا يتم ضم دولة في حالة عداء مع دولة أخرى في جوارها الإقليمي، لكي لا تصبح منظمة البريكس بالتبعية فى حالة توتر تلقائية مع تلك الدولة. فمثلا، تقدمت الجزائر للانضمام لمجموعة البريكس من ضمن 40 دولة أبدت رغبتها في قمة جنوب افريقيا التي انعقدت في أغسطس/آب 2023. ولكن لم يقع الاختيار عليها، رغم علاقتها الوثيقة مع روسيا، وعلاقتها الطيبة مع الصين. وقد يرجع ذلك لتقييم الموقف الذي رأته دول البريكس، لكيلا تتحول المغرب إلى غريم تلقائي للمجموعة. وإذا أخذنا المعايير نفسها وطبقناها على الدول الخمس التى تم ضمها، فسنجد أنه ينطبق فى حالة ضم مصر وإثيوبيا معا، وإيران والسعودية إضافة إلى الإمارات معا. علما بأن العقوبات الغربية المزمنة ضد إيران لم تمنع مجموعة البريكس من ضمها، بمعنى آخر، لم تخش دول البريكس من وقوعها تحت طائل العقوبات الاقتصادية الأمريكية حال تعاملها مع إيران. وفي هذا بيان كاف بأن المجموعة تقود حالة من التمرد الاقتصادي فى النظام الدولي.
لم يرتو

شاب عادي اهتم بسيرته الدكتور محمود خليل في “الوطن” كان يعيش في مقدونيا، تلك المدينة التي تقبع بعيدا عن مصر بأميال، حين رأى في المنام أنه ظمئ ظمأ شديدا، فشرب كل ماء النيل ولم يرتوِ. استيقظ الشاب محمد علي من نومه مفزوعا منقبضا ذهب إلى شيخ سبعيني يقبع في مسجد يتشاركان فيه الصلاة، جلس إليه وقصَّ عليه منامه، فقال له الشيخ: «أبشر يا بني، فإن منامك يعني أنك ستملك وادي النيل بأسره، ولن تكتفي به، بل ستسعى إلى امتلاك أقطار غيره»، فهزأ محمد علي بالتفسير، لأنه استبعد الأمر جدا، ولكنه رغم ذلك اشتعل بالخيال، واشتغل بالتفكير في تأويل الحلم الغامض، وترجمته إلى واقع عملي. تمتع محمد علي بروح المغامرة، وحين هيأت له الظروف المجيء إلى مصر ذهب إليها، وخطط بأناة لتنفيذ حلمه، حتى تمكن من الصعود إلى سدة الولاية، ولحظتها بدأ يفكر في كيفية الصمود عليه حتى آخر نفس في عمره، وهداه تفكيره إلى ضرورة إحداث نقلة محسوسة في علاقة الدين بالسياسة في التجربة المصرية، بعد العصر المملوكي.. نقلة أسست لنظرية «قدرية الملك»، ومفتاحها ذلك الحلم أو الحدث الغامض الذي يقع للإنسان في الطفولة أو في الشباب، ويحمل إشارة إلى ما أعده له القدر من مجد. لك أن تتأمل الكيفية التي تناول بها كاتب مثل إلياس الأيوبي حياة محمد علي، وكان قريب عهد من عصره، إذ وُلد عام 1874 أي بعد وفاة الوالي بخمس وعشرين عاما، وسوف تلاحظ مدى شغفه بالمنظور القدري في تحليل نشأة محمد علي في مقدونيا ثم مجيئه إلى مصر.

ليته قرأ سيرته

لقد رفض الشاب محمد علي في البداية ترك ديرته والتحرك ضمن الحملة التي أعدها الخليفة العثماني لتحرير مصر من الحملة الفرنسية، لكن موقفه تغير كما أشار الدكتور محمود خليل حين ذكّره الشيخ السبعيني بحلمه، وأن الأقدار أعدت له مجدا وسؤددا مرسوما على صفحة النيل. الروايات التي تحكى دخول محمد علي إلى مصر، وتبوؤه عرشها تنطلق في أغلبها من المعنى الساكن في الآية الكريمة: «ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي»، وثمة أوجه تماس بينها وبين قصة دخول نبي الله يوسف إلى مصر أيضا، حين ساقته الأقدار إليها ليتحقق موعود الله بأن يتولى مالية مصر، ويمسي عزيزها، رغم الفارق الكبير بين مفهوم النبي ومفهوم الحاكم، والأدوار التي يلعبها كل طرف منهما في الحياة. كان من الطبيعي أن ينظر محمد على إلى مسألة حكمه لمصر من زاوية قدرية بحتة، ويرى في مسيرته فيها قدرا مقدورا. وليس هناك خلاف في أن الفكرة القدرية التي سيطرت على رأس الوالي مثلت أساسا يمكن في ضوئه فهم توجهه إلى الحكم الأحادي العضوض، الذي توارث فيه أبناؤه وأحفاده حكم مصر من بعده، لمدة تزيد على قرن ونصف القرن. على مدار هذه الفترة الزمنية كانت القدرية هي الأساس الذي يحكم نظرة مَن حكم مصر من أفراد الأسرة العلوية، دون أن يأبه كثيرا بالشعب الذي يحكمه، وللحق فقد كانت نظرة الشعب نفسه إلى الولاة والملوك والسلاطين الذين حكموه قدرية أيضا، فإذا اعتلى سدة الملك رجل طيب، حمد الله على الأقدار التي تلطفت به، وإذا كان غير ذلك، فمن أعمالكم سلط عليكم.. وبختك يا أبوبخيت.. ووقت القدر يُعمى البصر.

المنقوش وخلافه

يواجه كاتب العمود اليومي على حد رأي عبد القادر شهيب في “فيتو” الحيرة أحيانا في اختيار الأمر الذي يكتب عنه عندما يكون هناك ما يستدعي الكتابة عنه.. وهذا ما واجهه شهيب، فهناك زيارة البرهان لمصر ولقاؤه مع الرئيس السيسي في العلمين، الذي قالت بعض التحليلات إنه تطرق إلى حماية الجيش السوداني مناصري البشير.. وهناك لجوء وزيرة الخارجية الليبية المعزولة نجلاء المنقوش إلى تركيا، بعد انكشاف أمر لقائها السري مع وزير خارجية إسرائيل الذي انتقده الموساد بتسريب خبر هذا اللقاء، وإن لم يستبعد قيام الدبيبة بذلك لكسب تأييد شعبي في الانتخابات المقبلة.. وهناك أيضا التعنت الإثيوبي الذي ما زال مستمرا ورفض إبرام اتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل سد النهضة، مع استئناف المفاوضات مجددا بين مصر والسودان وإثيوبيا التي جرت في القاهرة.. وهناك كذلك بدء محاكمة خمسة مصريين في حادث طائرة زامبيا بمفاجأة غريبة وهي اتهامهم بالتجسس، ولا حديث عن الذهب والأموال والأسلحة التي سبق أن تحدث عنها رئيس زامبيا شخصيا، وهذه كلها أمور وأحداث تستدعي تناولها بالكتابة والتحليل، لأنها ليست من الأمور والأحداث العادية.. فما بالك بالمسؤول عن دولة تتأثر بما يحدث في الدول المجاورة لها، بل والبعيدة عنها أيضا، مثلما تأثرنا بالسد الإثيوبي.. والمسؤول عن الدولة هنا لا يملك ترف الاختيار مثل الكاتب هنا.. أي أن عليه أن يتعامل مع كل هذه الأمور معا في وقت واحد، ويتخذ الموقف المناسب الذي يحقق مصلحة البلاد.. ولذلك يكون لدى المسؤول هنا مساعدون ومستشارون وأجهزة مناط بها أن تبحث وتدرس لدراسة الأحداث واختيار المواقف المختلفة للتعامل معها. والمثير أن عالمنا حافل بالأحداث العديدة.. ففي روسيا حادث سقوط طائرة زعيم فاغنر، وفي أمريكا الإعلان عن بدء محاكمة ترامب لتدبير انقلاب على الديمقراطية.. وفي فرنسا أزمة البقاء في النيجر وافريقيا كلها.. وفي ألمانيا أزمة تراجع اقتصادى يهدد بالإطاحة بها من عرش أوروبا وهكذا العالم في حالة غليان، ومنطقتنا في حالةَ اضطراب.

ابنه سبب نكبته

لولا حِكمة وحُسن تدبر جيل الآباء الذين أحكموا صياغة أسباب عزل الرئيس الأمريكي في الدستور، وحرصهم على وضع ضمانات قوية تحمي استقرار البلاد، لوقعت أمريكا وفق ما يرى احمد عبد التواب في “الأهرام” في فوضى سياسية عارِمة، بسبب الحسابات الصغيرة لأغلبية المؤثرين في كلا الحزبين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري، من جيل السياسيين الحاليين فها هو الحزب الجمهوري المُعارِض يُكرِّر هذه الأيام نسخة طبق الأصل مما يبدو فشلا جسيما وقع فيه الحزب الديمقراطي عندما كان في المُعارَضة، عندما سعوا لعزل دونالد ترامب من الرئاسة وهم يعرفون يقينا استحالة النجاح في مهمتهم قبل أن يبدأوها، لأن النصوص الدستورية تفرض إجراءات ممتدة، أولها، أن يمر الطلب من مجلس النواب بأغلبية 50 بالمئة + صوت واحد على الأقل، ثم يجب أن يحصل بعدها، كشرط لتفعيله، على أغلبية الثلثين على الأقل من مجلس الشيوخ، وإذا نجحوا في هذا تبدأ المحاكمة الخاصة للرئيس في مجلس الشيوخ برئاسة رئيس المحكمة العليا، على أن يتولى النيابة العامة مجلس النواب، إلخ. وكان الديمقراطيون المسيطرون آنذاك على مجلس النواب على يقين من أن أقليتهم في مجلس الشيوخ سوف تفشل في تمرير موافقتهم على العزل، لأن الجمهوريين سوف يصطفون تلقائيا تحت رايتهم الحزبية، بما يمنع اكتساب ثلثي الشيوخ لصالح الديمقراطيين، الذي لم يكن أن يتحقق إلا إذا انقلبت أغلبية الجمهوريين على ممثل حزبهم في البيت الأبيض، فوصل مسعى الديمقراطيين إلى ما هو متوقع وتجمد طلبهم في مجلس الشيوخ الآن، وقد تبدَّلت المواقف، وأصبح الرئيس ديمقراطيا، وصارت للجمهوريين أغلبية بسيطة في مجلس النواب، تعلو أصوات بعض رموزهم لبدء عملية عزل بايدن، التي سوف تفشل حتما للأسباب نفسها مع مراعاة أن كل هذه المعارك، لا تدور حول خلافات سياسية كبرى، وإنما عن اصطياد خطأ للرئيس. هناك تفسير، ما دام أن كل هؤلاء على يقين من عدم إمكانية تحقيق الهدف المعلَن، أن يكون لهم أهداف أخرى، ومنها استغلال هذه المعارك في التخديم على الانتخابات التالية، بترويج المعارَضة لرموزها مجانا في طول البلاد وعرضها، على أكثر وسائل الإعلام انتشارا، في سياق السعي المعلن لعزل الرئيس، وهي قضية براقة تلفت نظر الجماهير العريضة، فتكون فرصة لتقديم كوادرهم ومرشحيهم في الانتخابات التالية، على كل المستويات، وليس فقط على مستوى الرئاسة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية