القاهرة ـ «القدس العربي» :رغم الصدمة العنيفة التي هزت البلاد بسبب الهجومين الانتحاريين من «داعش» ضد الكنيسة المرقسية في الإسكندرية، حيث كان البابا تواضروس الثاني موجودا، وفشل الانتحاري في الدخول لقتل البابا ومئات الحاضرين، وتفجيره نفسه ما أدى إلى استشهاد عدد من الضباط المسلمين.
والتفجير الثاني الذي حدث في كنيسة طنطا وأدى الحادث إلى استشهاد أكثر من واحد وأربعين حتى الآن، ومسارعة الرئيس عبد الفتاح السيسي لطلب إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وإنزال قوات من نخبة الجيش للشوارع لمساعدة الشرطة، فإن الغالبية سارعت بالعودة للحياة الطبيعية والاهتمام أولا بالاحتفال بعيد شم النسيم اليوم الاثنين، والتزاحم على محلات بيع الأسماك المملحة مثل، الرنجة والفسيخ والملوحة، رغم ارتفاع أسعارها، واهتمام برامج التلفزيون والقنوات الفضائية بتقديم النصائح للمواطنين التي تقدمها كل سنة من عشرات السنين، كتحذير مرضى القلب وضغط الدم المرتفع من تناوله، وطريقة تقديمه بشكل صحي مع كثرة شرب الماء وعصر الليمون والبصل، وعدم شراء الفسيخ والملوحة إلا من المحلات المضمونة. كما أنه من المعتاد أن ترفع عدد من الوزارات حالة التأهب مثل الشرطة والنقل والزراعة، والصحة التي تخصص مئات من سيارات الاسعاف للحالات الطارئة.
كما واصلت الحكومة الاستمرار في حملة تبشير المواطنين بأنها استعدت لشهر رمضان المقبل بتوفير كل السلع الضرورية وعرضها في المجمعات الاستهلاكية، وإقامة شوادر لبيعها بأسعار أقل من أسعار التجار، تحت شعار «أهلا رمضان».
كما أن وزارة الكهرباء أعادت للمرة الألف التأكيد علي أنه لا انقطاع للكهرباء في رمضان، أو الصيف، ولا حتى تخفيف الأحمال. كما أعلنت الحكومة أيضا بشرى أخرى للمواطنين بأنها لن تفكر في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق في القاهرة قبل عامين من الآن.
وواصلت الأغلبية كذلك اهتمامها بقرب مواعيد امتحانات نهاية العام، ومباريات كرة القدم ونتائجها، وإعلان وزارة الداخلية أسماء الخمسة عشر انتحاريا المطلوبين، وكلهم من محافظة قنا، ونشر صورهم ومكافأة مئة ألف جنيه لمن يبلغ عن واحد منهم، ثم رفعت المكافأة إلى نصف مليون جنيه، وهو إجراء ذكي لأنه سيشجع كثيرين للإبلاغ عن أماكن المطلوبين، لأن المبلغ، سيؤمن للمبلغ حياته إذا وضعه وديعة في أحد البنوك، فسيحقق له دخلا شهريا لا يقل عن سبعة آلاف جنيه. أيضا اهتم كثيرون بتمركز معظم الانتحاريين التابعين لـ»داعش» في قنا بالذات، وواحد فقط من السويس، واختلفوا في تفسير هذه الظاهرة هل سببها انتشار الفقر في الصعيد؟ أم عدم وجود توعية دينية في هذه الأماكن المتطرفة، ولكن هناك من نفوا ذلك لأن كل المطلوبين لا يعانون من أي مشاكل مادية، أي أنهم يعتنقون أفكار «داعش»، وبالتالي فإن الرد الوحيد الذي يتردد في أوساط عديدة هو أن تغير الدولة طريقة تعاملها معهم، لأن كل انتحاري وراءه مجموعة تقوم بتجهيزه. والمشكلة أن الأمن لن يستطيع أن يفعل شيئا إذا وصل الانتحاري إلى هدفه، أللهم إلا إذا قام بتصفيته قبل أن يصل إليه، وإذا تم التوصل إلى معرفة أفراد الخلية التي جهزته فلا داعي لمحاكمتهم، وإنما تصفيتهم حتى تصل الرسالة إلى الآخرين وبث الرعب في قلوبهم، إلا أن هناك من يحذر من ذلك، خاصة بعد أن سلم أحد المطلوبين الخمسة عشر نفسه للشرطة وأفرجت عنه النيابة العامة بعد التأكد أنه لا علاقة له بانتحاريين أو حتى متطرفين فكريا. وإلى ما عندنا….
المسيح والبابا
ونبدأ بذكرى قيامة السيد المسيح، عليه السلام، التي تتزامن مع محاولة اغتيال البابا تواضروس الثاني في كنيسة مارمرقس في الإسكندرية، وقال عنها رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «البوابة» اليومية وعضو مجلس النواب عبد الرحيم علي: «ما أجمل أن نتذكر كلماته الخالدة «طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات طوبى للحزانى؛ لأنهم يتعزون طوبى للودعاء؛ لأنهم يرثون الأرض طوبى للجياع والعطاش إلى البر؛ لأنهم يشبعون طوبى للرحماء؛ لأنهم يرحمون طوبى لأنقياء القلب؛ لأنهم يعاينون الله، طوبى لصانعي السلام طوبى للمطرودين من أجل البِر؛ لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة إفرحوا وتهللوا أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم». إن قيامة السيد المسيح تكمن في حب الوطن الذي عبر عنه المتنيح العظيم قداسة البابا شنودة الثالث في جملته الخالدة: «إن مصر ليست وطنا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا». هذا الوطن الذي ينتفض ضد أعداء الخارج والداخل أنيرت كنائسه بشموع الحب وصلوات القيامة، هذه الكنائس التي أراد أبناء الظلام من الإرهابيين هدمها وحرقها، واعتبرها قداسة البابا تواضروس الثاني فداءً للوطن وقربان محبة من أجله، وقال قولته المشهورة «وطن بلا كنائس أفضل لنا من كنائس بلا وطن»، ما أعظمها كلمات وما أعظمها روح تتزين بحب مصر والمصريين وتهزم الكراهية وتعلن قيامة المسيح مع قيامة مصر أيضا».
نقف أمام الإرهاب اللعين
مسلحين بالمحبة والسلام
وأمس الأحد كان مقال يوسف سيدهم رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «وطني» القبطية التي تصدر كل أحد عنوانه في الصفحة الأولى هو «المسيح لشهداء الكنيسة اليوم تكونون معي في الفردوس» قال فيه: «في حلقة أخرى ضمن تاريخ عريق لكنيسة الشهداء قدمت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية باقة عطرة من شهدائها وهي تصلي صلوات أحد الشعانين، ونتذكر بدخول السيد المسيح إلى أورشليم فإن باقة من الشهداء رحلوا إلى السماء وهم يمسكون السعف ويرتلون فرحين «هوسانا يا بن داود مبارك الآتي باسم الرب». ونحن نؤمن بأنهم مثلهم مثل سائر شهداء الكنيسة عبر القرون يتسلمهم المسيح لينقلهم إلى الفردوس مع الأبرار والقديسين. بقدر الألم الذي صاحب أحداث كنيسة مارجرجس في طنطا والكنيسة المرقسية في الاسكندرية، وبقدر الأسف على الضحايا الأبرياء – مسيحيين ومسلمين – إلا أننا نقف أمام الإرهاب اللعين مسلحين بالمحبة والسلام، ونصلي إلى الأب السماوي أن يحفظ بلادنا ويبارك كنيسته ويسبغ العزاء على كل الملتاعين من أهالي الضحايا والمصابين ،ولنتذكر هذه المقاطع بعينها التي جاءت في بيان الكنيسة القبطية الارثوذكسية عقب الأحداث: «تودع الكنيسة المصرية الأرثوذكسية «كنيسة الشهداء» بمزيد من الفخر والاعتزاز أبناءها الذين استشهدوا أثناء إقامة صلوات قداس أحد الشعانين، زهقت أرواح الشهداء بأيدي أعداء البشرية وكارهي السلام وحاملي أدوات الدمار إلا أنهم الآن مع كل الكنيسة يرفعون صلواتهم إلى الديان العادل الذي يرى ويسمع ويكتب أمامه سفر تذكرة. تنعى الكنيسة شهداء الوطن من رجال الشرطة البواسل مصلية إلى الله من أجل شفاء المصابين».
الرجاء ضد اليأس
وإلى «الأخبار» ومقال البابا تواضروس الثاني بعنوان «القيامة وأموات الفكر والروح والرجاء»: «القيامة تعطي أيضا فرحاً، التلاميذ كانوا يعيشون في حزن، لقد صلب السيد المسيح معلمهم أمامهم ولقد كان هذا الصلب قمة الألم، ففي وقت صليب المسيح أظلمت الدنيا وحدثت زلزلة، وكأن الطبيعة تبكي خالقها، ولكن لما قام المسيح في فجر الأحد أعطى تلاميذه الحزانى فرحاً، ولذلك بعد كل جمعة الذي هو تذكار الصليب له يوم أحد، الذي هو تذكار القيامة. وبعد البكاء في المساء يأتي الفرح والسرور في الصباح، فكل ليل ينتهي بعده نهار جميل وشمس مشرقة، بجانب أن القيامة تعطينا وتعلمنا أنه لا مستحيل وتعطينا الفرح تعطينا أيضا نوعا من الرجاء ضد اليأس. أحياناً الإنسان في حياته اليومية يُصاب بالإحباط ولكن يا أخوتي القيامة تفتح أبواب الرجاء والنصرة أمام الإنسان. يوجد الله ضابط الكل الذي يقود هذا العالم وكل الخليقة ممسوكة بيد الله، فلهذا يوجد الرجاء والأمل في سيرة القديس بولس الرسول، أنه كان مع مجموعة يركب سفينة وهاج البحر فانكسرت السفينة، فالقديس بولس في اختباره قال هذه العبارة «سلمنا فصرنا نُحمل» نصلي أن يحفظ الله بلادنا ويعطينا جميعاً نية خالصة في حياتنا وفي خدمتنا لكل إنسان، ليباركنا الله ببركات القيامة في حياتنا جميعاً ولإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين».
بابا الفاتيكان
ومن بابا مصر إلى بابا الفاتيكان الذي سيزور مصر نهاية الشهر الحالي، حيث طالبه الدكتور محمد حسين أبو الحسن في مقال له في «الأهرام» بتقديم اعتذار عما ارتكبته الكنيسة الكاثوليكية أثناء الحروب الصليبية التي حرضت دول أوروبا على خوضها ضد المسلمين في القرون الوسطى مثلما سبق واعتذرت لليهود وقال: «أسباب كثيرة تجعل الاعتذار واجبا منها: «عدم الكيل بمكيالين»، اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية لليهود قبل سنوات عن «اتهامهم بقتل المسيح» والمحارق النازية، ومن ثم يفرض اتساق المواقف الاعتذار للمسلمين عما حل بهم خلال الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش. هذا من «طبائع الأشياء» بمعنى أن الرجوع إلى نص الإنجيل وما قاله المسيح – عليه السلام – في موعظة الجبل: «طوبى لصانعى السلام طوبى للرحماء طوبى للمساكين»، فلم يكن الذين شنوا الحروب صانعي سلام ولا مساكين في القلوب. أيضا يقول المسيح: «فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا فاترك هناك قربانك واذهب أولا واصطلح مع أخيك»، ففي المسيحية هذا التصالح ضروري والتصالح يتطلب الاعتذار لمصلحة الشعوب غربا وشرقا. سيكون هذا نصرا للمسيحية والإسلام ووأدا للفتن والحروب بين أتباعهما، لاسيما أن «الاعتذار» صار ثقافة سياسية عالمية بين الدول. لقد سعى بابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس الثاني لفتح شبكة اتصال مع العالم الإسلامي للوصول إلى تفاهم مشترك في قضايا تهدد الأخلاقيات عموما، قضايا السكان والمرأة والإلحاد والإباحـــية وغيرها، ثم انتكست هذه الجهود على يد البابا المستقيل بنديكت السادس عشر، لإساءته الجارحة إلى الإسلام والنبى صلى الله عليه وسلم بل إنه أصدر «وثيقة» تؤكد أولية العقيدة الكاثوليكـــــية على عقائد بقية الطوائف المسيحية. اليوم يحاول خلفه البابا فرنسيس ذو الشخصـــية العظيمة المتواضعة ابن العالم الثالث «الأرجنتين» لجم الخلافات مع أصحاب العقائد الأخرى، فهل يفعلها الرجل ويقطب جراح المسلمين باعتذاره مثلما يغسل أقدام الفقراء بيده، ويلقي حجرا يغير مجرى النهر؟ أهلا بقداسته في أرض الكنانة».
الأزهر وشيخه
وإلى المعارك الدائرة دفاعا عن الأزهر وشيخه الدكتور أحمد الطيب ضد ما يتعرض له من هجمات لرفضه إصدار فتوى بتكفير الانتحاريين، لأنه يرى أن التكفير ينصب فقط على من ينكر وجود الله ولا يؤمن برسله وكتبه. وقد دافع عنه محمد السيد صالح رئيس تحرير «المصري اليوم» بقوله في إحدي فقرات بابه الأسبوعي «حكايات السبت» بقوله: «شيوخ الأزهر وعلماؤه سفراؤنا في الغرب، وهم عنوان للوسطية. كثيرون في آسيا وأفريقيا فخورون بالأزهر ومن تعلم هناك محظوظ وتتوارث عائلته هذا الفخر. لا أنسى ما حييت زيارة قمت بها مع وفد سياسي وصحافي محدود إلى كابول نهاية 2010 وكان معنا أستاذ أزهري بعمامته الشهيرة، وما أن دخلنا مسجداً في وسط العاصمة، التي كانت تعاني من إرهاب دام أكثر مما هي عليه الآن، إلا وانقلب المسجد على رؤوسنا، وصرنا جميع أعضاء الوفد المصري بمثابة رجال أمن لهذه الشخصية الأزهرية، وأصر جميع من في المسجد على تقبيل يده، وقام الخطيب بترجمة خطبة الجمعة كاملة للعربية بلغة سليمة للغاية، متفاخراً أمام قومه وأمامنا بأنه تعلم في الأزهر. في اليوم التالي وكنت قد علمت من مسؤول مصري رفيع لدينا، أن وفداً أزهريًا رفيعًا وضخمًا من الشيوخ الأفاضل يعمل في أنحاء أفغانستان، وأن الأفغان لا يتفقون على شيء إلا فتاوى الأزهر، وأن أي شيخ أزهرى هو بمثابة قاض وحكم ورجل دين. طلبت من هذا المسؤول الجلوس إلى هؤلاء الشيوخ ففاجأني بأن نحو عشرة منهم مبعوثون للحج من قبل الحكومة الأفغانية مع الوفد الرسمي الأفغاني هم مرشدون دينيون للأفغان وتكرر القول: «السُّنة» هنا لا يثقون إلا في الأزهر وشيوخه».
صمت شيخ الأزهر ليس ضعفاً
وفي «المصري اليوم» أيضا قال حمدي رزق في عموده اليومي «فصل الخطاب» دفاعا عن شيخ الأزهر: «صَمْت الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر ليس ضعفاً، وتجاهله لتهجمات البعض على المشيخة ترفُّعٌ، وأعلم أن الإمام ضاق صدره وحدّثته نفسه باعتزال الإمامة والعودة إلى مسقط رأسه «القرنة»، حيث خلوته الصوفية مخلفاً وراء ظهره ما ظنه البعض سلطاناً وما هو بسلطان، ولكنها أمانة سيحاسبه الله عليها يوم العرض عليه، الأصوات الزاعقة تطلب من الإمام الأكبر ما لا يستطيعه، الأزهر ليس محلاً للتكفير ولن يغير قبلته وفقاً للأحوال، خلاصته لن يكفّر «داعش» حتى يرضى عنه من لا يرضى أبدا هناك من يتمنى أن يصحو من نومه فلا يجد للأزهر دياراً».
شيخ الأزهر بشر يخطئ ويصيب
وقد أحست جريدة «الدستور» اليومية المقربة من النظام، التي يرأس مجلس إدارتها وتحريرها محمد الباز بأنها المقصودة من هذه الهجمات هي وعضو مجلس النواب من أعضاء تنظيم دعم الدولة محمد أبو حامد فقالت في بابها «اشتباك» يوم السبت الذي يكتبه الباز: «يحلو للبعض تقسيم الناس إلى فريقين على أساس أن الحياة أبيض وأسود فقط، ينكر هؤلاء تمامًا أن هناك منطقة رمادية يتحرك فيها البشر، وهي المنطقة الأكثر واقعية لأنها تمنحنا مساحة للتعايش فلن نتنازل عن قناعاتنا ولا ننكر خلافاتنا، لكن يمكننا أن نستوعب تناقضنا، لأننا نعيش على الأرض نفسها التي من المفروض أن تسعنا جميعًا. حالة الاعتصام بالأبيض والأسود جعلت البعض يذهب إلى تفسير انتقاد الأزهر والاحتجاج على بعض أداءاته، والاعتراض على منهجه ومنطقه، على أنه محاولة لهدم الأزهر، دون أن يتوقعوا أن هذا الانتقاد يمكن أن يكون محاولة لإصلاح المؤسسة الكبيرة .لا أحمل أي مشاعر سلبية تجاه الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، بل على العكس تمامًا أقدره وأحترمه وأعرف أنه عالم جليل وفيلسوف وصوفي كبير، لكن ليس معنى هذا أن نقدسه ونرفعه إلى مساحة أن مناقشته معصية والاعتراض عليه كفر. الدكتور الطيب لا يُوحى إليه، هو بشر ينطق بفهمه وإدراكه للنصوص، ومع تقديرنا الشديد له فليس ضروريًا أن يكون كل ما يقوله صحيحًا، وكل ما يذهب إليه حقًا، ولسنا ملزمين بما يقول، بل تلزمنا مصلحة هذا الوطن أن نقف أمامه إذا ما رأينا في ما يقوله خطرًا. فالدين مكون من مكونات هذه الأمة وليس المكون الوحيد، وعليه فيجب أن ينتظم في ما يصلحها وألا يتحول في أي وقت إلى مُعرقل لتقدمها ونهضتها. على شيخ الأزهر ومن يحيطون به أن يتخلّوا عن حالة التربص بكل من يخالفونه الرأي، فلسنا خصومه ولن نكون. نحن فقط أبناء وطن واحد نحلم له بمستقبل أفضل، نتحاور نتناقش نختلف نتفق نتناقض نتماثل لكننا لن نصبح أبدا خصوما ولا أعداء، لأن هذا تحديدًا ما يريده من يضمرون شرًا لهذا الوطن، فلا تجعلونا نقدم لهم ما يريدون على طبق من ذهب».
السيسي والأزهر
ولم يكن الباز يدري شيئا عن الغارات التي سيتعرض لها في اليوم التالي مباشرة أمس الأحد التي امتدت إلى الهجوم على الشيخ أسامة وعلى الرئيس لتعيينه مستشارا دينيا له، ففي «الوفد» قال علاء عريبي في عموده اليومي «رؤى»: «لنا أن نبدي دهشتنا من تعيين الرئيس السيسي مستشارًا له في الشؤون الدينية، ولا نعرف معنى لأن يتجاهل الرئيس المؤسسات الدينية التي يسترشد بها حكام وشعوب الدول الإسلامية، ويلجأ إلى شاب لم تكتمل أدواته وخبراته بعد؟ هل لجأ الرئيس إلى هذا الشاب لعدم اعترافه بدور وبعلم قيادات المؤسسات الدينية؟ هل هذا الشاب يمتلك علمًا وخبرة أكبر من شيخ ومشايخ الأزهر ومن مفتي الجمهورية ومن أساتذته في جامعة الأزهر؟ لماذا يلجأ الرئيس إلى شاب محدود الثقافة وقليل الخبرة متجاهلا كبار العلماء في المؤسسات الدينية الرسمية؟ هل ليسترشد به في أموره الخاصة؟ هل لكي يؤسس لخطاب دينى حكومي جديد؟.
«سلام عليك يا أزهر»
وفي العدد نفسه من «الوفد» قال زميله محمد عبد العليم داود تحت عنوان «سلام عليك يا أزهر»:
«رسالة الأزهر في العالم لن ينال منها الجهلاء ولا الغوغائية ولا حملة المباخر، كل سلطة تربعت على عرش الفرعون. رسالة الأزهر في العالم التي أشرقت الأرض بنور ربها لن تأفل أبدا، وسيظل ضياؤها ساطعا في الكون بأسره. رسالة الأزهر في إفريقيا وآسيا ما زال ضياؤها مشرقا بنور الله والإسلام. رؤساء دول وزعماء وساسة قادوا بلادهم في آسيا وإفريقيا ما زالوا يعلنون فخرهم بأنهم تربوا وتعلموا علي أيدي علماء الأزهر ومشايخه، واحتضنهم الأزهر بدفء الرسالة وعلوم الدين قبل جدرانه وأعمدته. مآذن الأزهر في الوقت الذي كانت تنطلق الله أكبر منها للصلاة، كانت أيضا تنطلق منها الله اكبر حي على الجهاد ضد الحملة الفرنسية والاحتلال الإنكليزي البغيض. محمد عبده حامل راية التنوير وتلميذه سعد زغلول ثائر وزعيم أعظم ثورة في العالم ضد أقوى امبراطورية للاستعمار الأول بريطانيا العظمى المنتصرة في الحرب العالمية. الشيخ سعد زغلول الأزهري نعم يقود الثورة من أقصى مصر إلى أقصاها ضد الإمبراطورية التي أطلقوا عليها يوما الإمبراطورية التي لم تغب عنها الشمس. سليمان الحلبي الطالب الأزهري الثائر غلت الدماء في عروقه ليثأر من كليبر خليفة نابليون بونابرت في مصر، ضاقت الدنيا بجمال عبدالناصر يوم انطلق العدوان الثلاثي لضرب مصر فلم يجد أفضل من منبر الأزهر ليتحدث فيه إلى الأمة المصرية».
ما أسباب الهجوم؟
وفي «المصري اليوم» دخل عبد الناصر سلامة على خط الدفاع عن الأزهر قائلا في عموده اليومي «سلامات»: «ما أثار انتباهي خلال الأسابيع السابقة هو تلك الصحوة الشعبية التي فطنت مبكراً إلى ما يُحاك بالأزهر وعلماء الأزهر، لم تستطع تلك الحملة الشعواء تحقيق هدفها بل على العكس جعلت الناس تفكر، خاصة أنه قد أوكل بها إلى من ليسوا أهل ثقة على المستوى الشعبي، على اعتبار أنهم هم الذين سوف يقبلون بالتنفيذ. الأسئلة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تتوقف، الدهشة بالغة السوء لماذا التنكيل بأعز ما تملك مصر بهذا الشكل؟ لماذا يُهان الأزهر في وطنه، على الرغم من ذلك التقدير الكبير له خارج الوطن؟ ما الذي ترمى إليه تلك الحملة تحديداً هل هي مجرد حملة داخلية أم مُملاة في إطار ما هو أكبر من ذلك».
«احنا رايحين على فين؟»
لكن هذا الهجوم على منتقدي الأزهر وشيخه قابله في اليوم نفسه هجوم مضاد شنه في «اليوم السابع» كرم جبر بقوله: «السؤال هنا: لمن نذهب إذا تخلى الأزهر الشريف عن قيادة معركة تصحيح المفاهيم وتطهير العقول من الألغام التي هي أشد خطورة من حزام الديناميت الذي فجره إرهابي الإسكندرية معتقدًا أن الجنة والأنبياء والصديقين والشهداء في انتظاره؟ وهل تكفى بيانات الشجب التقليدية، في وقت يخوض فيه الوطن حربًا حقيقية؟ لم نسمع مثلًا حسمًا لقضية العلاقة بين المسلمين والأقباط شركاء الوطن والسراء والضراء! لتكون رسالة الأزهر المعتمدة في هذا الشأن هي المرجع الموثق في كل مناحي الحياة، ولغياب هذا الدور يخرج علينا من هم مثل الشيخ برهامي بحديث يمكن لأي شخص أن يشاهده على اليوتيوب، يتهم فيه المسيحيين بأنهم كفار، وكلام آخر أعجز عن كتابته. ونتيجة الصمت وغياب المفاهيم يؤيده أحد المسؤولين في الأوقاف الذي هو أيضا خريج الأزهر ليقول إن برهامى ملتزم ومصرح له بالخطابة إذن «احنا رايحين على فين؟».
معارك وردود
نتجه إلى «الوطن» وعضو مجلس النواب الدكتور عماد جاد الذي اتهم الرئيس الأسبق السادات ببذر بذور الفتنة الطائفية واتهم النظام الحالي بأنه يعامل الأقباط باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية وقال:
«مشكلتنا الجوهرية في مصر أننا نبحث باستمرار عن التبرير الذي يُعفي الذات من المسؤولية. نبحث عن مبرّر لمن يمارس العنف والإرهاب، نبحث عن مبرر للجرائم التي تُرتكب بحق الآخرين، ونؤكد أن الدولة المصرية مسؤولة مسؤولية كاملة عما يجري بصفة عامة عن التشدّد والتطرف والغلو عن الجرائم الإرهابية، التي تقع في البلاد، فالدولة المصرية انحرفت عن مهامها الرئيسية منذ مجيء «السادات» إلى السلطة، وبدأت في تديين المجال العام في البلاد. ومن أجل فتح مُدد الرئاسة جرى تعديل المادة الثانية لتنص على الشريعة باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع، بعد أن كانت مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع، وأطلق يد المؤسسات الأمنية في رعاية المتطرفين من إخوان مسلمين وسلفيين، وجرت تنحية القانون جانباً لصالح أعراف صحراوية بالية، تقهر المواطن القبطي وتفرض عليه دفع تعويضات ورحيلاً عن موطنه. الدولة المصرية ذاتها تتعامل مع القبطي باعتباره مواطناً من الدرجة الثانية مشكوكاً في ولائه، فلا وجود له في مؤسسات الدولة السيادية وطرق الترقي الوظيفي تُغلق في وجهه، لذلك تنزع غالبية الأسر القبطية إلى دفع أبنائها إلى دخول الكليات العملية لبدء حياة عملية بعيداً عن الوظائف الحكومية، حتى لا يتعرّضوا للظلم. يحدث كل ذلك والجميع يعلم أن الأقباط يعشقون تراب وطنهم، لا ولاء لهم خارج حدود الوطن، لا قطعة أرض في الكون تتقدم على أرض الوطن محبة وقداسة السؤال هنا: إلى متى يمكن أن يتقبّل الأقباط ذلك؟».
السادات جمع بين «الديكتاتورية والدين»
والهجوم نفسه على السادات شنته سحر الجعارة في «الوطن» قائلة: «قضى السادات على أوهام «العدالة» بسياسة «الانفتاح» الأعمى، وأطلق جماعات «الإسلام السياسي» على اليسار. أصبحت السيدة الأولى جيهان السادات شريكة في الحكم، ثم اعتقل السادات كل رموز مصر في سبتمبر/أيلول 81 أي «خريف الغضب». وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه سقط السادات شهيداً بيد أبنائه من رجال القوات المسلحة، في أكبر استعراض للقوى الإرهابية في مصر. لم تكن المأساة هي أن كل رئيس يسلمنا لنائبه بالدستور، بل كانت في أن السادات جمع بين «الديكتاتورية والدين» في حزمة واحدة بالدستور، حين تغير الدستور عام 1980 باستفتاء مزور وأطلق مدد انتخاب رئيس الجمهورية في دستور 1971 مدى الحياة ونص على أن: «الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع» بدلاً من كونها «مصدراً رئيسياً» بإضافة الألف واللام!على خلفية من الدم جاء صاحب أول ضربة جوية مبارك ومعه «الهانم» و«الوريث». بدأ مبارك عهده بمصالحة سياسية فأفرج عن المعتقلين السياسيين وعلى خطى سلفه استعاد «طابا» بالتحكيم الدولي وأنشأ العديد من المدن الصناعية والسياحية ووزع أراضي مصر على شلة «أمانة السياسات». ثلاثون عاماً من الطوارئ حكمنا بها مبارك تحولت خلالها المعارضة إلى أحزاب كرتونية و«الفتنة الطائفية» أصبحت حمماً بركانية، قويت شوكة الإرهاب وعرفنا نظريات «الاستحلال» و«التكفير» و«الهانم» تحكم البلاد من الباطن و«جمال» يتحكم في الاقتصاد».
ارتفاع الأسعار
وفي «الأهرام» شن نصر زعلوك هجومه على الحكومة بسبب غلاء الأسعار وقوله في بابه «أفكار عابرة»: «الأوضاع المعيشية الصعبة التي نعاني منها نتيجة الارتفاع الجنوني للأسعار الذي طال كافة السلع والخدمات، أفرزت العديد من الظواهر الخطيرة منها، حالات القتل داخل الأسرة الواحدة، والانتحار، وخطف الأطفال لطلب فدية، أو التجارة بأعضائهم البشرية، والأمراض التي تنهش أجساد المصريين نتيجة الإهمال والفوضى في المستشفيات الحكومية. فقد لاحظنا حالات القتل التي يندى لها الجبين مثل الأم التي قتلت طفلتها مؤخرا بسبب ضياع مئة جنيه نتيجة الفقر الذي تواجهه بعد وفاة زوجها. والأب الذي لا يطعم أولاده الجياع لانعدام الدخل ويقتلهم ليتخلص من عبء توفير حياة كريمة لهم. المواطنون أصبحوا متفرجين وعزفوا عن شراء معظم السلع والأسواق أصابها الركود، فقد طال الغلاء كل شيء ولم تعد هناك طبقة متوسطة تحافظ على توازن فئات المجتمع، لذلك لابد أن تعمل الحكومة على زيادة الإنتاج والحد من القروض والاعتماد على أهل الخبرة وليس أهل الثقة، والاهتمام بالصحة والتعليم لبناء إنسان قوى غير مقهور، ودعم وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، ويجب أن تقوم الحكومة التي تواجه ظروفا صعبة للغاية، على تشديد الرقابة على جشع التجار ومنع الاحتكارات والضرب بيد من حديد على هؤلاء الذين ماتت ضمائرهم، فنحن في حالة حرب على الإرهاب وعلى الفساد، وينبغي توفير شبكات الحماية الاجتماعية للمواطنين البسطاء حتى نعبر بمصر إلى بر الأمان».
مشاكل وانتقادات
وإلى المشاكل والانتقادات التي بدأها أسامة غريب في باب «يوم ويوم» في «المصري اليوم» عن الأيام الخوالي وعن البرامج التي كان يقدمها التلفزيون في ستينيات القرن الماضي وقارنها بما يحدث اليوم قال بحزن: «لم يكتفِ التلفزيون بعرض الأفلام فقط، لكنه بدأ مبكراً في تقديم برامج يعرض الواحد منها فيلماً ويدور حوله نقاش، ومثال لهذا برنامج «فيلم الأسبوع» وكانت تقدمه هند أبوالسعود. وبعده أتى برنامج «السينما والحرب» تقديم أحمد سمير، وكان متخصصاً في عرض الأفلام الحربية أثناء معارك الاستنزاف بعد 67. ثم أتى بعد ذلك برنامج نادي السينما الشهير الذي قدمته درية شرف الدين طوال ربع قرن، وفيه كانت تستضيف أحد النقاد ليحدثنا حول الفيلم الذي يعرضه البرنامج. وظهر في الاتجاه نفسه برنامج أوسكار لسناء منصور، وكان ينتقي الأفلام الحاصلة على جوائز. مرّ بنا الزمن وظهرت الفضائيات عندما أجلس الآن أمام التلفزيون أقلب في قنوات الأفلام، لا أتمالك نفسي من الشعور بالحزن على الأيام الجميلة التي كان الحصول فيها على فيلم جيد هو مناسبة سعيدة تجمع الأهل والأصدقاء، وتجعل من الفيلم وسيلة تواصل إنساني، نتيجة ما يثور من حوار قبل عرض الفيلم وبعده. وبطبيعة الحال لا ينكر أحد أن ما وصلنا إليه الآن من وفرة شديدة في المعروض من الأفلام والمتاح أمام الناس جميعاً بضغطة بسيطة على ريموت التلفزيون، أن هذا ما كنا نتمناه ونحلم به نحن عشاق الفن السينمائي، فلماذا إذن لا نشعر بالسعادة بعدما تحقق ما حلمنا به؟ أعتقد أن السبب يكمن في أن ما كان خاصاً وعزيزاً أصبح الآن مشاعاً ومتوفراً، ففقد البهجة التي أحس بها الذين طالما اعتقدوا أنهم متميزون بما لديهم من أسباب خاصة للمتعة لا تتاح لغيرهم».