الدولة الاكثر تهديدا في العالم

حجم الخط
0

‘اسرائيل هي الدولة الاكثر تعرضا للتهديد في العالم بتهديد الصواريخ والقذائف الصاروخية’، هكذا عرف بنيامين نتنياهو ‘الانجاز الاستراتيجي’ الذي حققته اسرائيل. ويصعب ان نفهم من نحو نتنياهو أحظيت اسرائيل بهذه الصفة بفضل الصواريخ الموجهة عليها فقط، أم رفعتها هذه الصواريخ الى المرتبة العليا من وضع كانت فيه ‘مهددة جدا جدا فقط’. لكن لماذا نشغل أنفسنا بدقائق علم النحو؛ فرواية التهديد وثقافة الخوف المشتقة منها هما الاصل.
ولا يحق لاسرائيل ايضا أن تستريح فوق اوراق الغار، في الوقت الذي تتنافس فيه بصفتها الجديدة عدة دول. فمثلا تستطيع ايران أن تزعم بصدق كبير انها هي خصوصا الدولة الاكثر تعرضا للتهديد. فمن شرقها توجد دولتان الهند وباكستان اللتان تملكان سلاحا ذريا؛ ومن غربها اسرائيل التي تملك هي ايضا بحسب مصادر أجنبية قدرات ذرية. وتبحر في الخليج الفارسي سفن امريكية تحمل رؤوسا ذرية وتوجه اليها من بعيد صواريخ بحرية. وتستطيع سورية ايضا ان تنافس في التاج. ليست مشكلتها في الحقيقة عدد الصواريخ الموجهة اليها بل عدد طائرات الدول المجاورة التي تستطيع ان تفعل فيها ما شاءت، لكن التهديد هو التهديد. واذا وسعنا قليلا معجم تعريفات التهديد وجدنا ان دولا كثيرة في المنطقة معرضة لتهديد خارجي أو داخلي. لكن من العجب العجاب الا واحدة منها تزعم انها الاكثر تعرضا للتهديد.
المثير ان نعلم كيف انقلبت الامور رأسا على عقب، فقد اشتغلت الدول العربية احقابا على تعظيم قوة العدو الصهيوني. فجندت أجهزة تربية وافلاما ومسرحيات واغاني وكتبا لنشر التهديد الاسرائيلي. وبين مثقفون عرب بجدية عجيبة أنه لا ينبغي السماح بترجمة الادب العربي الى اللغة العبرية، لان الصهاينة يستطيعون بذلك فهم نقاط ضعف النفس العربية والاضرار بها. ولم تغذ حرب التحرير وحرب الايام الستة بعدها العداء الشديد للدولة اليهودية فقط، بل ثبتتا ايضا وعي التهديد الصهيوني الذي لا يهزم والذي تضعضع فقط بعد حرب يوم الغفران. وقد تحولت اسرائيل آنذاك الى اشد الدول تهديدا لا في العالم في الحقيقة، بل في الشرق الاوسط.
يصعب الانفصال عن مكانة كهذه، فقد استمرت اسرائيل في بناء صورتها المهددة، حينما هاجمت المفاعل الذري في العراق وغزت لبنان وقصفت قوافل سلاح في انحاء الصحراء السودانية، واغتالت ارهابيين في سورية ولبنان ودبي، واصابت مرة اخرى، حسب مصادر اجنبية علماء ومنشآت ذرية في ايران، واصبحت في السنتين الماضيتين تجري حوارا عاما موجها يتناول هجوما محتملا على ايران، وهي الدولة الغربية الوحيدة التي ما زالت تحتل اراضي ولا تحجم عن التهديد المباشر لاسقاط نظام الاسد. لكنها تحتاج من أجل الحفاظ على مكانتها لاعتبارها الدولة الاشد تهديدا، الى قاعدة اخلاقية حقيقية أو متوهمة. كتب الوف بن هنا هذا الاسبوع يقول ان وعي المحرقة اصبح عنصرا اساسيا في السياسة الخارجية والامنية لحكومات اسرائيل منذ حدث الانقلاب السياسي في سنة 1977. لقد وعي المحرقة في ذاته ما كان يستطيع ان يكفي، من غير ثقافة خوف محسوسة، تعتمد على تهديد يمكن ان يشبه بالمحرقة.
يجب أن نقول ان التهديدات لاسرائيل ليست مختلقة. لكن جمع كل التهديدات ـ من قذائف القسام الصاروخية الى القنبلة الذرية الايرانية ـ في رزمة وثيقة واحدة تحمل عنوان ‘تهديد وجودي’، من دون تمييز ومن دون تصنيف، ومن غير تحديد ترتيب اوليات ودرجة خطر، هو انتاج عقائدي يرمي الى تقوية طموح اسرائيل الى التمسك بمكانتها، باعتبارها الدولة الاكثر تهديدا. وليست هذه ايديولوجية امنية فقط، بل هي تصوغ اسرائيل باعتبارها دولة لا يحق لها حتى ان تفكر باجراءات سياسية قد تضائل التهديد. ان كل تسوية سلمية قد تقضم من وعي كونها مهددة وتضعفه. وهنا يكمن التهديد الحقيقي لوجودها الذي تستعد الحكومة لمواجهته استعدادا جيدا.

هآرتس 5/6/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية