الدولة التسلطية والمجتمع المقموع
الدولة التسلطية والمجتمع المقموعد. علي محمد فخرو عندما نمعن النظر في الحالة العراقية أو الصومالية أو الفلسطينية أو اللبنانية أو حتي السودانية البائسة الحالية نحتاج أن نسترجع في أذهاننا ظاهرة عربية عامة تتعلًّق بتكوٌّن الدولة العربية القطرية الحديثة وعلاقتها بمجتمعها المدني. فهذه الدولة لم تكن حصيلة تطور مجتمعي تدرٌّّّّّّّّجي يؤدٍّي إلي قرار واع وواضح بإقامة دولة تنظٍّم المجتمع وتستجيب لحاجات أبنائه وتدافع عن كيانه ضدُّ أعدائه كما كان الحال بالنسبة مثلاً للدولة الأوروبية الحديثة التي خلقها المجتمع ولم تخلقه. وبغضٍّ النظر عما كان عليه الحال قبل الاحتلال الأجنبي الاستعماري للغالبية الساحقة من المجتمعات العربية، فان الدولة العربية الحديثة قد تكونت بشكلها الذي نراه اليوم بعد تحرٌّرها الوطني وحصولها علي الإستقلال.ولما كان الاستعمار قد أضعف المجتمعات التي حكمها وأجًّج كل تناقضاتها العرقية والمذهبية والقبلية ونهب ثرواتها وأبقي علي تخلٌّفها فان تلك المجتمعات لم تكن في حالة تسمح لها بأن تساهم بفعاليًّة في وضع وشروط الدولة التي تكونت بعد الإستقلال. فكانت النتيجة أن تكونت تلك الدولة عن طريق نخب فئوية قامت علي أساس الغلبة أو العصبيًّة الخلدونية أو الاستمرارية التاريخية أو الانتماء لحركة التحرر الوطنية. ولقد قبلت المجتمعات بتلك الترتيبات، راضية أو بالرغم منها، معتمدة علي وعود من تلك النخب بأنها ستقيم دولة تساهم في تحديث وتنمية تلك المجتمعات حتي تخرج من حالة تخلٌّفها التاريخي وتشرذمها وخلافاتها الفئوية وتضارب مصالح مكوٍّناتها. بل وزاد البعض في وعوده فوعد بتحرير فلسطين وتحقيق وحدة الأمة العربية وبسط العدالة الاقتصادية والاجتماعية.لكن ما إن مرًّت عقود قليلة حتي تبيًّن عجز الدولة العربية الحديثة عن البرٍّ بوعودها. فلا تحرير فلسطين ولا الوحدة ولا حريًّة الأوطان ولا تحديث المجتمعات ولا تنمية الاقتصاد ولا إقامة الحكم العادل النًّزيه تحقًّقت علي يد تلك الدولة وإنًّما حلًّّّّّّّّّ مكان ذلك بناء دولة تسلطية باطشة أمنيًّة هدفها هو حماية الأقلية المستأثرة بالجاه والسلطان والغنائم وقمع المجتمع وتهميشه وإبقاؤه ضعيفاً متصارعاً غير قادر علي موازنة قوة الدولة ولا علي منافسة الأقلية الحاكمة ولا علي حماية الفرد من جبروت الدولة. ولم يؤدٍّ تهميش المجتمع إلي زيادة في قوة الدولة، بل العكس هو الصحيح، إذ أصبحت الدولة منكشفة أمام أطماع القوي الاستعمارية الخارجية وأمام هجمة مؤسسات العولمة الرأسمالية المتوحٍّشة وأمام كل طامع فاسد في الداخل. نحن إذن أمام وضع بائس للدولة والمجتمع. فلا الدولة تستطيع حماية المجتمع ولا المجتمع راغب وقادر علي حماية الدولة. إنها حلقة جهنميًّة تنذر بإمكانية تفكٌّكك الدول العربية واحدة بعد الأخري، وذلك تمهيداً لزوال مجتمعاتها أو تراجعها إلي مستوي البدائيًّة أو مادونها.إذا كانت سلطات الدولة العربية تعتقد بأن حلًّ تلك الإشكالية المأساوية يكمن في تنازلات بسيطة متواضعة من مثل السًّماح بديمقراطية عرجاء، مع وقف تنفيذ أغلب أسسها، وإمكانية إنتكاستها في أية لحظة فإنها ترتكب حماقة العمر. وفي الوقت نفسه إذا كانت مؤسسات المجتمع المدني تعتقد بأن حلًّ تلك المعضلة الفادحة البؤس يكمن في إضعاف الدولة وتهميش دورها التحديثي والتنموي فإنها هي الأخري ترتكب خطأ فادحاً. هناك حاجة للاثنين، ووسيلة حلٍّ إشكالية الإثنين هي الديمقراطية الحقيقية غير المزيًّّّّّفة، بشقٍّيها السياسي والاقتصادي ـ الاجتماعي. مثل هذه الديمقراطية ستعالج زيف وبؤس الممارسة السياسية الاستبدادية من قبل الدولة وستجعل تعامل مكونات المجتمع مع بعضها البعض ومع الدولة تعاملاً متمدٍّناً سلميُّّّّّّّّّّّّّّّّّاً وعقلانياً.الدولة العربية في العراق والصومال ولبنان وفلسطين والسودان التي إنشغلت بنفسها ونسيت مجتمعها، والمجتمع العربي في تلك الدول الذي سمح بتلك الممارسة، يواجهان اليوم مصيراً بائساً واحداً دون ان يستطيعا إنقاذ بعضهما البعض، ولن تجدي الهلوسات الأمريكية ولا محاولات العرب الكلامية العاجزة عن تصحيح ذلك التاريخ المفجع لتلك العلاقة المحزنة بين الدولة العربية المتجبٍّرة ومجتمعها المسحوق.9