الدولة العربية: أزمة شرعية ــ والرَدّ الاسلامي للباحثة الاسبانية خيما مارتين مونيوث:

حجم الخط
0

ظاهرة الأسلمة.. ليست عودة للوراء وانما حركة عصرية لا تخجل من انتمائها الحداثيالنظام العربي تدثر بثوب الاسلامية للحصول علي الشرعية وحجاب المرأة رمز لهويتها الخاصة وليس للتدين الصارم

فخري الوصيفہ خيما مارتين مونيوث باحثة اسبانية متميزة متخصصة في دراسة المجتمع العربي والإسلامي المعاصر، ولكنها تختلف عن غيرها من الباحثين في هذا الحقل بأنها لا تنطلق من الدرس اللغوي الذي يمثل منصة الانطلاق الأساسية لكثير من المستعربين الاسبـان؛ ورغم معرفتهـا الجيدة باللغـة العربية، كما يتضح من الكم المعتبر من المصادر العربية التي استعانت بها في هذا الكتاب وفي غيره، فإنها ترتكز علي الدرس السوسيولجي كنقطة انطلاق ومنهج، وتقرأ المجتمع العربي ككيان سوسيوثقافي متحرك وليس ثابتا.

ومن جهة أخري، تتمايز أيضا عن غيرها من الدارسين الغربيين بأنها لا تأخذ بالمنظور الغربي القيمي في دراسة المجتمع العربي، إذ تصطنع موقفا نقديا موضوعيا لحد كبير في دراستها، ولكنها من خلال هذه الموضوعية تقترب منه، بل وتقتنع بقدرة هذا المجتمع علي التحول وعلي مقاومة كل ما يثبِّت الوضع القائم.

النظام السياسي العربي الراهن في أزمة حقيقية بكل أبعادها: السياسية والاقتصادية والثقافية. هذا هو تشخيص مارتين مونيوث، وهو يتفق مع ما يقول به العديد من الباحثين، عربا وعجما، ولكنها ربما تختلف عن الكثير منهم في المنظور والرؤية، والتحليل، وبالتالي في النتائج.

ومظاهر الأزمة، أو إن شئت أسبابها، ترجع باختصار إلي تآكل مصادر شرعية السلطة القائمة: التحرير والاستقلال، والتنمية السوسيو اقتصادية أو التحديث، والديموقرطية، والإسلام. و تنطلق الدراسة من هذا المصدر الأخير حيث يُخصص له الجزء الأول من الكتاب، والذي يدور حول محورين أساسيين: الدولة والشريعة، والملائمة بين النظام السياسي الإسلامي والتحديث. تُلمِّح المؤلفة إلي غياب مفهوم الدولة بمعناه الاصطلاحي في الشريعة، فهذه تضم قواعد دينية لتنظيم حياة المسلمين الاجتماعية والخاصة باعتبارهم أمة، ومن ثَمَّ لم تتضمن الشريعة سوي مبادئ عامة للحكم، وهي الحكم والأمر لله، والطاعة، والشوري، والعدل. ومن ثم يصبح التنظيم السياسي الإسلامي في حاجة إلي بحث بشري ومبادرة إنسانية، وهو أمر تيسره طبيعة الشريعة الإسلامية؛ إذ أنها تتسم بالاستقلالية، بمعني أنها لا تخضع لمؤسسة دينية مثل الكنيسة أو رجال الدين، حتي وإن سُيِّست.

وهي أيضا تجديدية، فإلي جانب اعتمادها علي النص: القرآن والسنة، تعتمد أيضا علي الإجماع والقياس، وإن ينحو الإجماع إلي المحافظة، فالقياس إذا ما استعمل علي أساس العقل يقود إلي الاجتهاد والتجديد، وفي هذا تأكيد علي انفتاح الشريعة علي التفسير وقدرتها علي التطوير، ودحض لما يقال عن الجمود والشمولية الاستبدادية للإسلام. وبالتالي، تري المؤلفة أن الإطار النظري والقانوني الإسلامي ليس جامدا، وأن الحراك الاجتماعي والواقع السياسي هو الذي يفرض أوضاعا تقدمية أو غير تقدمية.

ولعل حيوية الشريعة وإمكاناتها علي التطوير فيما يتصل بالنظام السياسي الإسلامي تتجلي في النقاش الحيوي الغني الذي دار في القرن التاسع عشر حول الملاءمة بين هذا النظام والتحديث.

ففي ذلك الحين كان هدف النهضة هو الهمّ الشاغل لغالبية المفكرين والإصلاحيين في العالم العربي الإسلامي، ولكنهم اختلفوا في كيفية تحقيق الهدف، فإلي جانب التيار التقليدي، الذي لم يشعر بهذا الهمّ، وجد تياران تحديثيان: الليبرالي الوطني، والإصلاحي الإسلامي ( السلفي). أولهما، متأثرا بالنزعة القومية والليبرالية الأوروبية ومتجاوزا للتراث الإسلامي، تبني مفاهيم ليبرالية داخل وطن واحد أو أمة واحدة.

وثانيهما، من خلال الحضارة الإسلامية والدفاع عن الوحدة الاسلامية، أخذ بطريق التجديد وإعادة تفسير الشريعة باستخدام العقل خاصة في السياسة، واصطنع مبدأ الاختيار، أي اختيار ما يصلح للمجتمعات الإسلامية من أوروبا، ورفض ما لا يصلح من العناصر الثقافية الأوروبية السلبية مثل المادية، واحتقار الدين، والعادات والتقاليد المتساهلة. والممثلون لهذا التيار كُثر، ولعل أهمهم وأبعدهم صيتا الشيخ محمد عبده، الذي انبثق من فكره تياران: التيار الليبرالي الإسلامي الذي دافع عن انفصال الدين عن الدولة في الإسلام (علي عبد الرازق ) والتيار الإسلامي الذي ينادي بدولة إسلامية (محمد رشيد رضا الذي كانت أفكاره أساساً لفكر حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين). المدهش أن هذا التيار لم يتوقف عن التطوير والتفعيل المستمر، والسبب يعود إلي الظرف التاريخي وحيوية الشريعة فيما يخص بنظام الحكم.

فقد مُني التيار الإسلامي الإصلاحي في جملته بهزائم متتالية: إلغاء الخلافة الإسلامية في آذار (مارس) سنة 1924، وظهور الدولة العربية الوطنية ( أو الإقليمية كبديل عن لفظة القومية ) في أوائل عشرينيات القرن العشرين ( في مصر وسورية والعراق)، ثم النظام العربي الاشتراكي في العديد من البلدان العربية. هذه التطورات التاريخية كانت تعني انتصار الاتجاه التحديثي الأوروبي في نظاميه الليبرالي والاشتراكي.

ولكن هذه الأحداث وما خلقته من تغييرات جعلت التيار الإسلامي يعيد صياغة أفكاره من خـلال إعادة قراءة الشـريعـة، فعلـي سبيـل المثـال أدخل حسـن البنـا فكـرة الدولـة الإسلاميـة بدلا من الخلافة الإسلامية المطروحة من سابقيه مثل محمد رشيد رضا، بل إنه ( حسن البنا ) شارك في العملية الانتخابية وأعلن بأن مبادئ الحكم في الإسلام موجودة في الحكم النيابي ولكنها لا تُطبق، وهذه المبادئ تتمثل في مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها، وأن الإسلام لا يرفض النظام التمثيلي. وتؤكد الباحثة أنه رغم ظهور الفصائل الراديكالية مثل التكفير والهجرة، والجهاد، والتحرير، والجماعة الإسلامية، التي اتخذت العنف طريقا لفرض أفكارها، فإن التيار الأساسي من فكر الإخوان تمسك، ولا يزال، بثلاثة مفاهيم: احترام الإطار الدستوري، والمشاركة في الانتخابات، ورفض العنف كوسيلة لمواجهة السلطة. وفي الوقت الحالي توجد قطاعات كبيرة من الإسلاميين تقبل بالديموقراطية والتعددية وتشارك بقدر ما يُسمح لها في الانتخابات ( الإخوان في مصر والأردن والكويت، وجبهة الإنقاذ في الجزائر، وحزب الله في لبنان، والإسلام والتجديد في المغرب ). بالإضافة إلي ما سبق، تلمِّح المؤلفة إلي النقاش الفكري المكثف في العالم العربي حول النظام السياسي الإسلامي والعلاقة بين الإسلام والديموقراطية والدولة وغير ذلك من المتغيرات.

وهي تأسف لأن هذه المناقشات الخصبة يكون نصيبها الحذف أو الإهمال من قبل الخبراء و أجهزة الإعلام التي تفضل صيغة الإثارة وسياسة التأثير في المتلقي الغربي، شديد الحساسية فيما يتصل بالإسلام والعنف الذي أصبح ملازما له. والنتيجة أنه توجد صعوبة بالغة لدي الرأي العام الغربي في التعرف علي أفكار هذا التيار السياسي الإسلامي، خاصة وأن أغلب إنتاجه الفكري يأتي باللغة العربية، فيظل محصورا في قطاعات قليلة من المفكرين والباحثين الغربيين.

الشرعية الديموقراطية في النظام العربيتطبيقا لتيار الفكر الليبرالي كطريق للتطور والتحديث، أصبحت الديموقراطية ـ نظريا ـ مصدرا لشرعية الحكم بظهور النظام الليبرالي العربي الأول في المشرق العربي.

فأخذ بالسيادة الشعبية والحكومة النيابية من خلال آلية ليبرالية وعقد انتخابات في ظل دستور. وتحت الوصاية المباشرة أو غير المباشـرة للاستعمـار الأوروبـي قامـت نظـم نيابيـة يبدو فيهـا الشعـب كمصـدر للسيـادة حسبما يشترط التبشير الحضاري الاستعماري ووفقا للتطلعات الليبرالية للنخب الإقليمية، في مصر ( 1922ـ 1952 )، والعراق ( 1924ـ 1958 )، وشرق الأردن ( 1928ـ1957)، وسورية ( 1920ـ1963 ). وفي الحالات الثلاث الأولي كان النظام السياسي تقليدا للملكية البريطانية، وفي الحالة الأخيرة، جمهورية رئاسية علي النمط الفرنسي. مع هذا، فإن البرلمان، رمز الديموقراطية، شارك بشكل متواضع في نظام الشرعية بسبب ضعف تمثيله، فكان للسلطة التنفيذية نفوذ أقوي من السلطة التشريعية في اتخاذ القرار السياسي، وكان الحكام يوافقون علي إجراء الانتخابات فقط عندما تكون في صالحهم، ولا يسمحون بها عندما تكون لديهم شكوك في أنها ستحدّ من سلطتهم.

وتحليل العملية الانتخابية في الدولة العربية الإقليمية هو الأساس الذي تعتمد عليه خيما مارتين مونيوث في دراسة الشرعية الديموقراطية، وهي صاحبة باع طويل في هذا المضمار من خلال عدة دراسات قامت بها في المنطقة العربية.

وكمثال علي هشاشة الديموقراطية وتلاعب الحكام بالإرادة الشعبية في تلك الفترة، أنه اجريت في مصر انتخابات تشريعية عشر مرات، فاز فيها الوفد بالأغلبية المطلقة سبع مرات، ومع ذلك شكّل الوفد ست حكومات فقط من مجموع 27 حكومة. في الفترة الليبرالية الاولي في المشرق العربي، فشلت الديموقراطية لعدم توفر الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي يتطلبها النظام الديموقراطي؛ فلم يأخذ النظام العربي بفكرة التضامن الاجتماعي، فخلق قطاعات عريضة من الشعب ساخطة، ولم يتحقق لشعوبها التجانس اللازم (باستثناء مصر)، وكذلك افتقر النظام العربي إلي التطور التقني والرأسمالي الذي نقل أوروبا إلي النظام الليبرالي.

ومن جهة أخري، فإن جزءا كبيرا من الفشل مرده إلي العجلة أو السطحية التي أجري بها الإصلاحيون الليبراليون التحولات المؤسسية علي هامش أغلبية الشعب التي ظلت محتفظة بقواعدها الثقافية التقليدية.

كما لم تحاول البرجوازية المسيطرة علي النظام الليبرالي تغيير الأبنية السوسيواقتصادية ذات الطابع شبه الاقطاعي، بل ظلت بعيدة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي للغالبية، وعجزت عن نقل فكرة إيجابية عن الليبرالية إلي الشعب، الذي بدوره، ممثلا في الجيل الجديد، فقد الثقة في النظام الليبرالي القائم حينئذ، ووجد أن منافعه السوسيوسياسية واقتصادية لم تخرج عن الطبقة الحاكمة.

والنتيجة، الثورة علي النظام الليبرالي وظهور نظام الحزب الواحد، وفيما بعد نظام الاشتراكية العربية.

استندت شرعية النظام العربي الجديد الذي ساد في مصر والعراق وسورية والجزائر وتونس بورقيبـة في مرحلته الاشتراكية وليبيـا في مرحلة القذافي الناصريـة والسودان وموريتانيا واليمن الجنوبي، علي تحرير الإرادة الوطنية والتحديث السوسيواقتصادي، وتحددت الصيغة السياسية للنظام في الحكم عن طريق الحزب الواحد وتركيز السلطات في شخص رئيس الدولة وإدارة الحزب والقوات المسلحة وربط التنظيمات الشعبية ( النقابات والاتحادات المهنية والقطاعية ) بالحزب.

ورغم خفوت مصطلح الديموقراطية في ذلك النظام العربي فقد حُرص علي ممارسة شكلين من أشكال المشاركة الشعبية والتمثيل السياسي، وهما الاستفتاء والانتخابات. دخل الاستفتاء لأول مرة في الحياة السياسية المصرية في دستور 1956، وقد فهم كأداة ديموقراطية شبه مباشرة تتوافق مع الطابع الشعبي لتلك النظم. أما الانتخابات، فلم تحتفظ من معناها الاصطلاحي سوي بشكلها التقني، فهي بوجه عام لم تتسع للاختيار أو حرية الانتخاب، حيث كان معتادا أن تكون الترشيحات عن طريق الحزب.

كما يكشف تحليل العملية الانتخابية عن عنصرين مهمين في بنية السلطة والمجتمع. فمن جهة، كان تحريك وإدماج الجماهير في النظام من أهم أسباب الدعوة إلي عقد الانتخابات، وهو ما أطلق عليه أحد الباحثين ضمان أو كفالة الموافقة، فمن خلال صناديق الانتخابات يتمكن النظام من إجراء عملية ضبط وسيطرة علي البنية السوسيوسياسية، وتحقيق تحالفات جديدة وتجديد القديمة. ومن جهة أخري، فإن عقد الانتخابات التشريعية كل أربع أو خمس سنوات، والحرص علي إجرائها في موعدها في عدد من البلدان كان يفيد، ولا يزال، للتدليل علي الاستقرار والديموقراطية. وتعقد مارتين مونيوث بهذا الصدد دراسة تفصيلية عن الانتخابات في سورية البعث، وجزائر الجبهة الوطنية، وتونس بورقيبة، ومصر عبد الناصر والسادات. فمن ملاحظاتها أن الموعد الانتخابي في البلدان الثلاثة الأولي كان ثابتا ومقررا. وعلي العكس، كان في الحالة الأخيرة (مصر) غير اعتيادي ويتم لتحقيق هدف محدد كالإقرار أو التصديق علي توجهات سياسية محددة: ـ انتخابات 1957 كانت تصديقا علي التحالف الذي نشأ حينئذ بين الضباط الأحرار والبرجوازية المصرية الصناعية والتجارية، وأسطع دليل علي هذا أن أول برلمان في حقبة عبد الناصر الذي أفرزته هذه الانتخابات كان ممثلا به كل قطاعات البرجوازية المصرية.

ـ انتخابات 1964 كانت لتبين انتهاء العلاقة مع هذه البرجوازية التي لم تستجب للتخطيط الاقتصادي الناصري، ولتصدِّق علي الاختيار القاطع للاشتراكية، كما أنها ( الانتخابات ) تمت حسب الشرط الجديد القاضي بأن يكون نصف الأعضاء من العمال والفلاحين، وهو شرط لا يزال قائما.

ــ انتخابات 1969 كانت للتصديق علي خطة الدمقرطة التي حددها برنامج 30 آذار (مارس) 1968 كرد فعل لاضطرابات شباط (فبراير) 1968، وتجديد النخبة السياسية والعسكرية بعد هزيمة 1967. ـ انتخابات 1976 كانت بقصد تفكيك الاتحاد الاشتراكي وإنشاء المنابر السياسية كخطوة نحو إعادة الحياة الحزبية، وللتصديق علي سياسة الانفتاح الاقتصادي.

ـ انتخابات حزيران (يونيو) 1979 كانت موجَّهة للتصديق علي توجه مصر المناصر للغرب، خاصة الولايـات المتحدة الأمريكيـة، وعلي اتفاقيـة السـلام الثنـائيـة مع إسرائيل بفصولـها الثلاثـة ( الزيارة والكامب والتوقيع 1977 – 1979 ). وتشير المؤلفة إلي أن وفاة عبد الناصر سنة 1970 أوقفت خطة دمقرطة النظام، وأن السادات وإن اتخذ خطوات فيما بعد في هذا الاتجاه بإقامة التعددية الحزبية ووضع مساحة سياسية للمعارضة، فإنه جعلها كتابع وليس كمنافس للحزب الحاكم، وشكل القمع والملاحقة الاستراتيجية السائدة في عهده لكل صوت معارض.

وبمعني آخر، أقام السادات تعددية محكومة بشكل استبدادي وموجهة لإعطاء صورة ليبرالية لحكمه في الخارج، وإعطاء شرعية برلمانية للتوجهات السياسية الخطرة للنظام خاصة عقده لاتفاقية السلام مع إسرائيل. ومثال آخر علي الانتخابات البرلمانية الموجهة نجده في عراق البعث حيث عقدت أول انتخابات تشريعية سنة 1980 بعد توقف دام حوالي 22 سنة (منذ 1958) استجابة لأحداث داخلية وخارجية: داخليا مرض رئيس الجمهورية البكر والحاجة لإعطاء الشرعية لخليفته صدام حسين، وثورة الشيعة بين 1979 – 1980، وخارجيا الثورة الإيرانية 1979. وبعد خمس عشرة سنة تأتي انتخابات 1995 بهدف إثبات قوة النظام والتفاف الشعب حول رئيسه بعد هيجاء الخليج الثانية سنة 1991. تحولات ليبرالية في الثمانينيات والتسعينياتشهدت حقبة الثمانينيات أحداثا هامة علي المستويات القطرية والإقليمية والدولية.

ــ قطريا:

ـ السعودية: انتفاضة الشيعة في المنطقة الشرقية من 1979 إلي 1980. ـ سورية: اضطرابات شعبية ابتداء من سنة 1981، بلغت ذروتها في أحداث حماة سنة 1982. ـ مصر: اغتيال السادات سنة 1981. ـ المغرب: انتفاضات شعبية سنة 1981، 1984، والإضراب العام سنة 1990. ـ السودان: تحرك جماهيري واسع ضد نظام النميري سنة 1985. ـ ليبيا: الغارة الأمريكية علي طرابلس سنة 1986، وهزيمة الجيش الليبي في تشاد سنة 1987. ـ تونس: توترات ناتجة عن إقصاء بورقيبة عن الحكم سنة 1987. ـ الجزائر: اضطرابات سياسية اجتماعية خطيرة في تشرين الاول (أكتوبر) سنة 1988. ـ الأردن: مظاهرات اجتماعية في جنوب البلاد في سنة 1989. ــ إقليميا:

بدأت الحقبة بمضاعفات الثورة الإيرانية سنة 1979 وقيام هيجاء الخليج الأولي سنة 1980، وانتهت بأزمة غزو الكويت سنة 1990 وما تلاها من هيجاء الخليج الثانية سنة 1991، ومرورا بالغزو الإسرائيلي للبنان والحرب الأهلية اللبنانية واتفاق الطائف الذي أسس للجمهورية اللبنانية الثانية.

واقتصاديا، شهدت هذه الحقبة انكماش الدخول البترودولارية، وانهيار مفهوم الدولة الأبوية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في كثير من الأقطار العربية.

ــ دوليا:

تدهور القوة العظمي الثانية، الاتحاد السوفييتي، ثم اختفاؤها، وما نتج عنها من ضعف القيمة الاستراتيجية لعدد من دول المنطقة، وســيادة النموذج الغربي الليبرالي الديموقراطي علي الساحة الدولية.

هذه الأحداث والتطورات أظهرت مدي الأزمة السياسية والاقتصادية للنظم العربية: الثورية والمحافظة، فلاحت القاعدة الليبرالية كطريق ممكن لحل هذه الأزمة وتحقيق الاستقرار واستعادة ثقة المواطن بالنظم الحاكمة، وبدأت تحدث تحولات ليبرالية في النظام العربي بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفـة من قطـر إلي آخـر. ولكن هذه التحـولات كمـا تشيـر خيما مـارتيـن مونيـوث كانت في أساسـها استجابة لاستراتيجية البقاء للنخب الحاكمة التي كانت تبحث عن طريقة لحماية نفسها أكثر من كونها تحولات عميقة تقتضي بالفعل توزيع السلطة.

فقد فتح الباب لمستوي محدود من المشاركة يكون كافيا لجذب مجموعات من المعارضة إلي جانب عملية الإصلاح، ولكن دون خلق الظروف التي تجعل هذه المجموعات قادرة علي تقويض سلطة النخب الحاكمة. أخذ الانفتاح الليبرالي العربي نمطين، أحدهما نمط اصطلاحي يقوم علي التعددية الحزبية، وتوسيع الحريات العامة، والتنشيط البرلماني، والترويج للتنافس في الانتخابات، كما حدث في الدول التالية: مصر وتونس والجزائر والسودان والأردن ولبنان والكويت والمغرب؛ وثانيهما نمط خاص في بلدين ذوي نظامين سياسيين خاصين هما المملكة السعودية والجماهيرية الليبية.( هذه هي جميع الحالات التي درستها المؤلفة، وكما يلاحظ لم تدرس أقطارا أخري مثل اليمن وباقي دول الخليج وموريتانيا ). ويكفي القول، دون الدخول في تفاصيل التحولات الليبرالية التي شهدتها المنطقة العربية في الثمانينيات والتسعينيات، بانها لم تحدث تحولا عميقا وحقيقيا في الحياة السوسيوسياسية العربية، إذ ظلت قطاعات عريضة من قوي المعارضة الحقيقية خارج الإطار الديموقراطي الرسمي، كما لم يسمح لمن هي داخله بالوصول إلي السلطة، أو حتي بالتأثير في اتخاذ القرار. والمحصلة الأخيرة أن المسيرة الديموقراطية تظهر عجزا بيّنا شبه تام في سائر الجغرافية العربية. ويرجع العجز الديموقراطي لأسباب موضوعية عديدة تشرحها الباحثة الاسبانية، ويعلمها المفكرون العرب، ولكنها ترفض رفضا قاطعا الأخذ بـ الثقافية كنظرية أساسية تفســــــر هذا العجز، إذ ترجعه هذه النـــــظرية، كما يتـــــبين من أعـــــمال برنارد لويـــــس Bernard Lewis ودانــــييل بيبس Daniel Pipes و ب.

باديه B. Badie، إلي قصور جيني في الثقافة العربية الإسلامية، ملازم لها وغير قابل للتغيير، فيتحول الوضع العربي إلي حالة استثنائية خاصة جدا لا تنطبق عليها معايير البحث العلمي المطبقة في نواح أخري من العالم.

شرعية التنمية السوسيو اقتصاديةوالوعد بالتنمية السوسيو اقتصاديةمصدر آخر من مصادر شرعية النظام العربي الحاكم، فمنذ الخمسينيات أصبح نمط الدولة الأبوية الحامية قاعدة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين، وهو نمط يقوم علي أساس اقتصادي ريعي قوي (البترول، الخدمات الجيواستراتيجية، ملكية مصادر الإنتاج، إلخ). وفحوي العقد الاجتماعي، أن الدولة تقوم بتلبية ضرورات الشعب وترعاه اجتماعيا واقتصاديا، وهذا من جانبه يقدّم الطاعة. وفي البداية كان لنمط الدولة الحامية نجاح شعبي واضح متمثلا في توزيع الدخل القومي من خلال الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير فرص العمل. غير أن الزيادة السكانية في عدد من الدول، والأزمة الاقتصادية في الثمانينيات نتيجة هبوط أسعار النفط، وقلة الإنتاج، أدي إلي نقض العقد الاجتماعي الذي كان يشكل جزءا أساسيا في الاستقرار وحجر الزاوية في الشرعية السياسية للأنظمة الحاكمة. ولجأت الحكومات إلي الاستدانة الخارجية لحفظ التوازن الاجتماعي، وإلي الإصلاح الاقتصادي من خلال خطط قوية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ووجد الحكام صعوبة في السيطرة علي الخلل الاقتصادي والاجتماعي كما أظهرتها الانتفاضات الشعبية (مصر: 1977، تونس: 1984، المغرب: 1981، و1984، الجزائر: 1988، الأردن: 1989 و1996 ). وهي لم تدل فقط علي الاحتقان الاجتماعي كثمرة مُرّة لتنامي الإحساس بعدم المساواة والإقصاء السوسيو اقتصادي، ولكن أيضا لمغزاها السياسي كونها تشكل أولي الانتفاضات الشعبية الكبيرة ضد السلطة الوطنية منذ الاستقلال، وحددت أول تدخل مباشر فظ وقمعي للعسكريين ضد الشعوب.

ولنمط الدولة الريعية الذي أقامه النظام العربي ما بعد الكولونيالية نتائج سلبية أخري يعرفها أهل الاختصاص مثل ضعف الانتاجية، وتفشي البيروقراطية، وزيادة معدلات الفساد.

ولكن لعل أكثرها تأثيرا أنها تَحُول دون قيام نظام ديموقراطي؛ إذ أن بسيطرة الدولة علي مصادر الإنتاج والثروة تتمكن من الحصول علي الطاعة المدنية للغالبية التي تقدمها طواعية لأنها تجد في الاقتصاد التوزيعي مصلحة مباشرة وفــــورية ومصدرا أساسيا للدخل؛ ومن جهة أخري، تحول دون ظهور قوي اجتماعية خارج إطارها، بل إن المشاكل والأزمات التي قد تنجم عن اقتصاد التوزيع وتؤدي إلي اضطرابات وفورات اجتماعية قد تسبب في تغـــيير الحكومة ولكن دون قدرة فاعلة علي وضع حد للنظام أو السيطرة علي السلطة، حتي إن الطبقة البرجوازية الجديدة التي نشأت نتيجة لسياسات الإصلاح الاقتصادي في بعض الدول العربية، فيما عرف بالانفتاح، في أغلـــــبها طبقة تجارية تستند علي ثروات نقدية وملكية عقارية خاصة، وفي حماية النظام الحــــاكم وارتباط قوي به.

خلاصة القول، تآكلت شرعية التنمية السوسيو اقتصادية للدولة العربية ما بعد الكولونيالية، إذ لم تستطع الإيفاء بوعود التقدم، بل ونقضت العقد الاجتماعي، فلم تعد قادرة علي التموين والتوزيع في الوقت الذي ظلت فيه تطالب مواطنيها بالطاعة والأمن، وزيادة علي ذلك قادت شعوبها إلي التبعية الاقتصادية للغرب، والنتيجة شك الشعوب في شرعية السلطة القائمة.

التغير الجيلي في الشعب العربيترتبط الأزمة السوسيو سياسية واقتصادية في النظام العربي بعامل ديموغرافي هام ذي مستويين.

الأول: الزيادة السكانية العربية في العقود الماضية.

إذ أن الشعب العربي، حاليا، في أغلبيته في طور الشباب، فمن هم دون سن الـ 25 سنة يمثلون حوالي 65 بالمئة من الشعب العربي، مع ثقل واضح للشريحة العمرية فيـــــما بين 20 و29 سنة في فترة التسعينيات. الثاني: الزيادة الســــــريعة في ســـــكان الحضر، وهي نسبة تصل إلي ما بين 50 بالمئة إلي 70 بالمئة، وتزيد علي ذلك في دول الخليج، وبالتالي اتساع رقعة الشباب الحضري في المجتمع العربي.

ولا تعاني غالبية الشباب الحضري فقط من الأزمة الاقتصادية ومن الآثار السلبية للإصلاحات الاقتصادية، بل أيضا من الإقصاء السياسي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولهذا يشكل الشباب خميرة المعارضة وطلائعها.

وهم يقدمون أنفسهم كبديل علي المستوي السياسي والفكري لجيل الآباء الذي يسيطر علي المشهد السياسي باعتباره جيل الاستقلال الوطني والوريث للشرعية التاريخية.

وهو وضع شبيه بالوقت الذي ظهر فيه الضباط الأحرار في مصر في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وإذا كان ذلك الجيل ــ جيل الآباء ــ قد آمن بالعروبة والاشتراكية ومعاداة الامبريالية، فإن الجيل الجديد يمثل انعكاسا للمعضلة الثقافية القائمة حاليا المتمثلة في إعادة تقييم ما هو أصيل ورفض ما هو مستورد، وبمعني آخر معضلة الهوية الثقافية الخاصة. ومن ثم تري خيما مارتين مونيوث أن ظاهرة الأسلمة التي تعيشها المجتمعات العربية الحالية مرتبطة لحد كبير بهذا التغيير الجيلي، وبعيدة عن أن تكون ببساطة مخلة عودة للخلف، فهي ظاهرة من خلالها يستخدم الشباب الإنجازات العصرية ويعبرون عن آرائهم في مواقعهم الأساسية: المجتمعات الحضرية والجامعات عن عملية تغيير اجتماعية مركبة وعميقة في مقابل جمود وانغلاق النظام.

الشرعية الإسلامية علي غرار ما حدث في الغرب، حاول الزعماء الوطنيون العرب في بدء إنشاء الدولة العربية ما بعد الكولونيالية استبعاد الدين كأساس تنظيمي للدولة (باستثناء المملكة العربية السعودية)، لأن شرعيتهم استندت علي سيادة الشعب، والتحرير والاستقلال وبناء الدولة، والتنمية السوسيو اقتصادية. ومع ذلك لم يغفلوا الشرعية الإسلامية، ولكن كممارسة وصبغة تضفي علي حكمهم شرعية في عيون شعوبهم، وبمعني آخر كلباس خارجي للنظام يحقق الاتساق مع عقيدة وفكر الأغلبية. وفي سبيل تحقيق ذلك عملوا علي السيطرة علي علمـــــاء الدين الإسلامي والمؤسسات الإسلامية القائمة ذات المرجعية العالية واستحداث أخري، فيما يمكن أن يطلق عليه عملية رسمنة أو دولنة الإسلام. فمن مؤسسات الإسلام الرسمي تنطلق الفتاوي، تأييدا وتصديقا لقرارات وتوجهات النظام، أو شجبا ورفضا لكل صوت إسلامي مخالف أو معارض للمؤسسة الحاكمة ( من الأمثلة علي ذلك الفتاوي الإسلاميــــــة في مصر الخاصة بحملة تنظيم الأسرة، واتفاق كامب ديفيد، والمشاركة في حرب الخليج الثانية ضد العراق؛ وفي المغرب فتوي المجلس الأعلي لعلماء المغــــــرب سنة 1980 ضد الثورة الإيرانية؛ وفي الجزائر فتوي المجلس الأعلي الإسلامي سنة 1989 لصالح الإصلاحات الليبرالية ). وإلي جانب ما سبق، يُحكِم النظام سيطرته علي جميع الشؤون الإسلامية من خلال وزارة خاصة بذلك، تشرف ماليا وإداريا علي الأئمة والمساجد والأوقاف والحج والتعليم الديني الإسلامي والدعوة الإسلامية.

وأيضا يحرص النظام علي المظاهر الإسلامية: الخطاب السياسي للزعماء امتلأ بالشعارات الإسلامية، من بورقيبة إلي صدام حسين، مرورا بناصر وجبهة التحرير الجزائرية والقذافي، بل لم يقصِّروا في استخدام مصطلح الجهاد سواء في الحروب العربية ــ الإسرائيلية، أو العربية ــ العربية؛ التوسع في بناء المساجد؛ نشر الدعوة الإسلامية في مختلف وسائل الإعلام الحكومية؛ زيادة حجم التعليم الديني وإنشاء جامعات إسلامية؛ الأخذ بأحكام الشريعة فيما يتصل بالأحوال الشخصية، والنص دستوريا علي أن الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع في أغلبية الدول العربية. هذا الثوب الإسلامي الذي تدثر به النظام العربي، والذي كان الغرض منه تأكيد شرعيته، قاد إلي ثنائية واضحة خاصة في الدول الاشتراكية سابقا، ثنائية تضافرت مع ثنائيات أخري اتسم بها المجتمع العربي منذ بداية النهضة العربية في القرن التاسع عشر، لتُظهِر في أعين الشباب تناقضا مريرا في الهوية الثقافية العربية الإسلامية يتطلب حسما لصالحها، وبالتالي رفض هذه الشرعية الإسلامية المظهرية، المؤطرة والمؤسسة، التي يتبناها النظام العربي الحاكم. الاسلامية ظاهرة سوسيو سياسية حديثةالاسلامية، في رأي خيما مارتين مونيوث، هي الخصم السياسي للنظام العربي الحاكم، ولهذا تخصص لهذا الموضوع الجزء الثالث من الكتاب، وهي تحشد فيه كما هائلا من المعلومات التي قد لا تضيف جديدا للقارئ العربي، ولكن الجديد فيه ــ كما أشرت في بدء حديثي عن الكتاب بوجه عام ــ هو المنظور الذي من خلاله تسوق المعلومات، فتنتهي إلي نتيجة محددة يلمسها القارئ. وينبغي، قبل الخوض في قراءة هذا الجزء، الإشارة إلي أن الاسلامية تمثل الرد علي النظام العربي ما بعد الكولونيالية حسبما تشير بنية الكتاب وكما يلمح العنوان الفرعي للكتاب، جيلي هائل في كل جغرافية المجتمع العربي حيث تتشيع قطاعات عريضة من الشباب العربي للفكر الإسلاموي.

وتتسم الحركة الاسلامية بسمات عدة، إذ أنها مستقلة وعصرية وذات شمولية سوسيولوجية. فهي ليست مرتبطة بالنظام الحاكم سياسيا، ولا تكتفي فقط برفض اطروحاته السياسية، ولكن تقدم أيضا البديل لها.

كما أنها لم تنشأ وتتشكل فكريا في داخل أروقة الإسلام الرسمي، وآية هذا أن غالبية القيادات الاسلامية المعروفة لم تخرج من المؤسسات الدينية التقليدية ( علي سبيل المثال: البنا وقطب، عباسي مدني وعبد القادر حشاني، وراشد الغنوشي، وعبد السلام ياسين، وليث شبيلات)، بل ترفض هذه القيادات الإسلام الرسمي، والتقليديون بدورهم يعارضون الفكر الإسلاموي.

ورغم ما قد يبدو من غرابة في نعت الاسلاميين بالعصرية، فلا أحد يماري في أنهم ليسوا انعزاليين، بل يعيشون في قيم الواقع الحديث والمجتمع الاستهلاكي والصعود الاجتماعي، وهم في غالبيتهم من أهل الحضر، ويقولون بقيم ليبرالية مثل احترام إرادة الأمة والتداول السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع. ورغم أن جزءا من سكان المجتمعات الحضرية المهمشة، أو العشوائية في الاصطلاح المصري، يعتنق الفكر الإسلامي، فإنه من الخطأ، كما تشير المؤلفة، تصور الاسلامية كأيديولوجية المعدمين، لأن فكرها يمتد إلي كل جماعات وفئات المجتمع الحضري، وهذا معني اتسام الحركة الاسلامية بشمولية سوسيولوجية.

وثمة عنصر هام يؤكد هاتين السمتين الأخيرتين، وهو يشير إلي المشاركة النسوية في العمل الإسلاموي.

فتلاحظ الباحثة أن المرأة الاسلامية لا تساهم فقط في العمل العام، بل أيضا في العمل الإسلاموي، كمرشحة وفي الحملات الانتخابية، وفي أنشطة الجامعة والجمعيات الخيرية الحضرية. وهذا يسمح بتطوير علاقة جديدة بين المرأة والمفهوم السائد عن الإسلام في هذا الشأن، كما يفتح فجوة في النظام البطريركي القائم، لأنه يحدث داخل شرعية إسلامية لا تقبل الشك، كما أن مشاركتها تتحقق من خلال وضعها كإنسان فرد وليس من خلال حيثيتها كابنة أو زوجة. والوجه الاجتماعي الذي يميز المرأة الإسلامية أنها شابة وحضرية ومتعلمة، والحجاب الذي تضعه بمحض إرادتها هو يعني في المقام الأول تأكيدا علي الخصوصية الثقافية ورمزا علي إعادة تشكيل هويتها الخاصة، ولا يدل في الحالات العادية علي التدين الصارم.

الاسلامية والغربتستهل المؤلفة هذه النقطة بترديد سؤال للشيخ يوسف القرضاوي، وهو لماذا يقبل الغرب أحزابا بأسمـاء مسيحية ويرفض هذا الحق للمسلمين؟ والإجابـة المنتظرة، لأنها ستكون أحزابا إسلاموية، وهذه برمتها، في الرأي الغربي الشائع، رافضة للتحديث مناهضة للغرب، وديكتاتورية، وهو قول مغلوط الأساس. فمن جهة تشكك النخب الاسلامية في التطابق بين التحديث والتغريب، إذ أنها تقبل التحديث وترغب فيه وتتطلع إلي المشاركة في بنائه ولكن بروح نقدية واختيار حر، وترفض المفهوم الثاني (التغريب ) المرتبط بالهيمنة والاتباعية وإلغاء الهوية الخاصة.

ومن ثم فالعنصر المحوري في العلاقة مع الغرب يقوم علي رفض الاسلاميين أن يحتكر الغرب العالمية، وعلي المطالبة بدخول ثقافات أخري إلي العالمية دون التخلي عن الهويات الخصوصية.

ومن جهة الديموقراطية، فإن القيادات الاسلامية تؤكد علي إيمانها بالتعددية والحياة النيابية وتسعي إلي المشاركة في العملية الانتخابية، بينما يقبل الغرب الديموقراطي النظم الديكتاتورية العربية بشكل مباشر أو غير مباشر، ويؤيدها ضد الإسلاميين كما حدث في الجزائر حيث وافق أولئك علي الإطار الدستوري وشاركوا في الانتخابات ولكن حِيل بينهم وبين حقهم الشرعي في الحكم. فالحقيقة الدامغة هي أن كون الحركة الاسلامية هي القادرة علي إحداث تغيـير في النظـام العربي القائم، ولكونها أيضا ذات طابع استقلالي، فإن وصولها إلي السلطة فيه خشية علي المصالح الغربية في المنطقة. ولهذا يأخذ الغرب، حرصا علي مصالحه، بسياسة واقعية تقوم علي التحالف مع حلفاء ضعاف تابعين له من أجل بقائهم السياسي.

ولكن إلي جانب الحرص علي مصالحه في المنطقة العربية، والتي تجعله يتخوف من الحركة الاسلامية ويقف ضدها، فإن الغرب تسوده رؤية سلبية عن الحركة الاسلامية، لأنها، من جانب، رؤية شمولية لا تكترث بتنوع وتعدد الايديولوجية الاسلامية، ومن جانب آخر، انتقائية، تنتقي المظاهر الأكثر تقليدية والأشد وقعا وتأثيرا من خلال ملاحظة الفصائل المخفقة والجاهلة والراديكالية لتنتقي من كل هذا الركام الغث الطبيعة العامة للأيديولوجية الاسلامية، مضيفة إلي ذلك مستويات متعددة من التشويه.

وفي كل هذا خطأ منهجي كبير مرده إلي أن اختلاف التطابق بين ما هو ديني وما هو سياسي لا يحدده الأساس الفكري ولكن الوضعية الاجتماعية للذين يعتنقون الأيديولوجية. وهذه الرؤية السلبية يغذيها مصدران، أولهما: الفهم الخاطئ الموروث الناتج عن تراكم تاريخي طويل وعن اتصال دائم مع أوروبا بأن الإسلام قد قام بدور ثقافي منفِّر فيما يتعلق بتشكيل الهوية الغربية، وثانيهما: رؤية الحركات الإسلامية، من خلال مثال الثورة الإسلامية في إيران 1979، كحاملة لهذه الوظيفة المنفرة.

وإلي جانب الرؤية السلبية سالفة الذكر، والتي أيضا قد تغشي بصر المثقف الأوروبي، يوجد اتجاه مفرط في العالم الغربي إلي غربنة التاريخ العالمي الذي يجعل الغربي يميل إلي إعادة منظومة قيمه في محاوريه الاسلاميين، الذين بدورهم يجدون صعوبة في ربط مرجعيتهم بقنوات الاتصال الغربية. فعلي سبيل المثال، من الصعب أن يقبل المثقف الغربي بأن تاريخ العالم العربي الإسلامي لم يشهـد ذلك الصراع الحاد بين العقل والدين، وهو الصراع الذي حدد بناء أوروبـا الحديثة، فكان تهميش الدين هو السبيل نحو التحديث. وتذكِّر مارتين مونيوث الغرب بأنه يجب أن يعلم أن المسألة الحقيقية تكمن في أن يعرف من هم الإسلاميون، وماذا يفعلون، وأن يأخذ في الحسبان أنهم يشكــــلون طبقة إنسانية عميقة، متنوعة ومتغيرة، بهدف تجنب أن يكــــون الراديكالي، وهو موجود، هو الذي ينتهي بفرض إرادته علي قطاع عريض مثقف ومتفتح لا يعــــــتقد الغرب بأنه موجود، وأن يعلم أن بالخلط بين المتطرفين والإصلاحيين يخرج الأولون فائزين، وأن الأخذ بالاختلاف بين الفريقين يقتضي الاعتراف بالآخرين وقبولهم. El Estado ـrabe. Crisis de legitimidad y contestaci—n islamista المؤلف: Gema Mart’n Mu–ozالناشر: Edicions Bellaterra 2000الطبعة: برشلونة ـ اسبانيا 1999 عدد الصفحات: 423 صفحة7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية