الدولة الفلسطينية التي نريد

حجم الخط
0

لقد استوقفني، يوم الجمعة المنصرم، وأنا أقرأ كعادتي، صحيفة ‘القدس العربي’ عنوان ‘رأي القدس ‘ المثير: ‘دولة فلسطين القمعية’ وما في المقال من انتقادات لاذعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، التي منعت انعقاد ندوة يريد منظموها أن يعبروا عن موقفهم الرافض للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي ستنطلق خلال الأسبوع القادم. وقد تفاعلت، بشكل عفوي، مع ما جاء من أفكار وتداعيات ‘رأي القدس ‘ وطرحت على نفسي الأسئلة التالية: ماذا أصاب السلطة الوطنية الفلسطينية. حتى تأمر بمنع انعقاد هذه الندوة؟ أما كان الأجدر بها أن تترك الأمور تمشي بشكلها العادي، مساهمة منها في تكريس ثقافة الاختلاف، وتوسيع دائرة النقاش حول قضايا الوضع النهائي؟ ماذا سيفيد القضية الفلسطينية وسيضيف إليها من مكتسبات لو أقيمت، لا سمح الله، دولة فلسطينية قمعية شبيهة بمثيلاتها التي لدى الأنظمة العربية؟ وهل دماء الأبطال من الشهداء، الذين كتبوا الملاحم البطولية الفلسطينية، بعدها، ستذهب هدرا؟ سبعة عشر سنة، إذن، كانت كافية لكي تصاب السلطة الوطنية الفلسطينية بفيروس الديكتاتورية والقمع، الذي نخر جسمنا السياسي العربي، وكانت كافية، أيضا، لتجعل قوات الاحتلال الغاشم تنجح في زرع بذور الشقاق بين أبناء الشعب الفلسطيني. سلطة عبر استفرادها بالقرارات السياسية المصيرية، مع قمع كل رأي مخالف لتوجهاتها ورؤاها للأشياء، قد أماط اللثام عن وجهها الحقيقي. في الحقيقة، هذا التماهي العجيب والغريب للسلطة الوطنية الفلسطينية بالأنظمة الاستبدادية، يحرك في كل نفس شريفة محبة للعدل والمساواة والديمقراطية الشعور بالغبن ويجعلها تستنكر مثل هذا التصرف غير المشرف لسلطة تمثل أرقى وأشرف شعب في العالم. من حق وريث الشهيد أبي عمار أن يسابق الزمن ويحرق المراحل ويفاوض المحتل وينتزع الحقوق ويتوج انتصارته بتنصيب نفسه، عن جدارة واستحقاق، كأول رئيس دولة فلسطينية، كما فعل مانديلا في جنوب أفريقيا، لكن هل من حقه أن يؤسسها على مقاس سلطة أبانت عن وجه ميكيافيلي مقيت؟ فالمطامح في اعتلاء أرقى المناصب شيء محمود ومحبب لكل نفس، إن كان ذلك تتويجا لنضال وبطولات وتضحيات، وهذا في حد ذاته، ليس عيبا. ألم يكن مطمح الشهيد القائد أبو عمار هو الصلاة في أولى القبلتين وثاني الحرمين، وإقامة دولة فلسطينية حرة وأبية وديمقراطية تحترم شعبها العظيم شعب البطولات والأمجاد، لكن أيادي الغدر امتدت إليه فلقي ربه راضيا مرضيا، خاتما حياته بالشهادة التي كان يتمناها دائما؟ فالعيب كل العيب، إذن في التنكر لرفاق الدرب والنضال من أجل سراب موهم. ليس من حقي التدخل في شؤون الفلسطينيين الداخلية ولا من حقي، أيضا، التحيز لطرف ضد طرف، لكن ليشهد الله، أن انتمائي القومي كان دافعي الأول والأخير، في أن أبدي رأيي في قضية العرب الأولى. فالقضية الفلسطينية كانت بالنسبة لي ولجيلي الذي أنتمي إليه، أوائل ثمانينيات القرن الماضي لما كنا طلبة جامعيين، مدرسة كبيرة تعلمنا فيها أبجديات النضال السياسي.. تعلمنا فيها أسس الحوار واحترام الرأي الآخر المخالف لآرائنا، في حلقات النقاش التي كانت تشهدها رحاب الجامعة، من أجل الحلم بوطن تكرس فيه ثقافة الديمقراطية وتثبت فيه دولة الحق والقانون.

فبعد كل هذا التشبع بالقيم النبيلة، لا يمكن لي أن أتصور، كعربي مسلم مؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، وكابن لهذه المدرسة، مثل هذه الدولة القادمة إلا كدولة ديمقراطية.

ما قيمة دولة فلسطينية مرتقبة إن كانت، بعد هذه التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني، ستتأسس على القمع والغطرسة؟ الدولة الفلسطينية التي نتمناها، نحن العرب لإخواننا الفلسطينيين، ينبغي أن تكون دولة نموذجية بما تحمل هذه الكلمة من معنى.. دولة ديمقراطية بكل المقاييس.. دولة يسود فيها الحق والقانون.. دولة في حجم ومستوى التضحيات الجسام التي قدمها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم. لقد تبنت الشعوب العربية القضية الفلسطينية وجعلتها قضيتها الوطنية المركزية بامتياز فلن تسمح لأحد بأن يدوس بأقدام الغطرسة والقمع على المبادئ الأساسية التي خطها شهداء فلسطين الأبرار بدمائهم الزكية. وخلاصة القول، فالتعبير عن الرأي المخالف لكل رأي سائد هو مبدأ يعتبر من بين الأساسيات الأخرى التي تبني كل تجربة ديمقراطية تنشد العراقة والتأصيل في سلوكها الحضاري والمتحضر. فرسم حدود الدولة الفلسطينية المرتقبة والاتفاق على قضايا الوضع النهائي، كلها قضايا ينبغي أن تكون محط إجماع وطني فلسطيني واسع وينبغي أن تنبني رؤاها على قواعد ديمقراطية سليمة وليس على القمع والديكتاتورية. فقمع المناضلين الشرفاء والتضييق على الحريات والمساهمة، بشكل غير مباشر، في تجويع شعب غزة الأبي، كل هذه الأمور لا تخدم القضية الفلسطينية في أي شيء، بل على العكس من ذلك فهي تخدم الدولة العبرية وحلفاءها من الأوروبيين والأمريكان.

فما قامت به السلطة الوطنية الفلسطينية من قمع للمشاركين في الندوة هو سلوك غير مقبول من طرف كل ضمير شريف مؤمن بحرية الرأي والتعبير ومؤمن بعدالة القضية الفلسطينية! ألا يستحق الشعب الفلسطيني، والأجيال القادمة من أبنائه، بعد كل هذه المعاناة الطويلة، دولة في مستوى حجم تطلعاته ومستوى نضالاته وتضحياته الجسام، وليس مجرد دولة تتماهى بالاستبداد؟ عبد الجبار الغراز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية