الدولتان تجمعهما مخاوف مشتركة من آثار الربيع العربي: في تحليل زيارة الرئيس الروسي بوتين الى اسرائيل

حجم الخط
0

خالد محمود استقبلت إسرائيل في الخامس والعشرين من حزيران’/’يونيو الماضي بحفاوة بالغة رئيس روسيا فلاديمير بوتين. وقد رافق الرئيس بوتين في زيارته هذه التي استغرقت 24 ساعة وفدٌ روسيّ رفيع المستوى تجاوز عدد أفراده 350 شخصا، وشمل الكثير من كبار المسؤولين ورجال الأعمال الروس. وهذه هي الزيارة الثانية التي يقوم بها بوتين إلى إسرائيل كرئيس لروسيا بعد زيارته الأولى في عام 2005. وقد أتت هذه الزيارة لتعزز انطباعًا سائدا لدى المهتمين بشؤون روسيا وإسرائيل، وانعكاسات الصراع العربيّ الإسرائيلي على سياستهما الخارجية والعلاقات بينهما وأنماط تعاونهما وتحالفاتهما. وهو انطباع بتضاؤل نصيب الأيديولوجيا في السياسة الخارجيّة الروسيّة وإحياء السياسات القوميّة للدولة الوطنيّة العظمى، مع إيلاء الجالية الروسية الكبيرة في إسرائيل عناية خاصة، وهي جالية ينتمي إليها جزء من النخبة المهنيّة والتقنية في الدولة السوفييتيّة السابقة، كما تنتمي إليها قطاعات سكانيّة تحافظ على ثقافة روسيّة مع مواقف صهيونيّة يمينيّة نجحت في تأسيس حزب أحرز عددا مهمًا من مقاعد الكنيست، ودفعت برئيس هذا الحزب ذي الأصول الروسيّة إلى موقع وزير الخارجيّة ذي التأثير الواضح. وفي مستهل زيارته، شارك الرئيس بوتين في احتفال افتتاح نصب تذكاريّ للجيش الأحمر السوفييتيّ في مدينة نتانيا، أقامته إسرائيل تخليدا لانتصار الجيش السوفييتيّ على ألمانيا النازية. واجتمع الرئيس بوتين خلال زيارته برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو؛ ورئيس الدولة شمعون بيرس؛ ووزير الدفاع إيهود براك؛ ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان؛ وعددٍ آخر من المسؤولين الإسرائيليّين. شهد العقد الأخير ارتفاعا كبيرا في عدد الزيارات المتبادلة بين قيادتيْ الدولتين بغرض تطوير العلاقات الثنائية. وقد زار جميع رؤساء الحكومات الإسرائيليّة في العقد الأخير شارون وأولمرت ونتنياهو موسكو، وزارها في السنوات الماضية كذلك كل من شمعون بيرس وإيهود براك وأفيغدور ليبرمان. ويبدو كذلك أنّ تطورًا ذا مغزى قد أخذ سبيله ليؤطّر العلاقة بين الطرفين على أساس تضاؤل عنصر الأيديولوجية في السياسية الروسية والتأكيد على المصالح المشتركة وعناصر أخرى، ومنها ثقل الجالية ذات الأصول الروسيّة (أو المنتمية إلى الشعوب السوفيتية سابقا) في إسرائيل من جهة، وحاجة روسيا للتقانة الإسرائيليّة الدقيقة، وكذا حاجة إسرائيل لهامش مؤثر في التخطيط السياسيّ الخارجيّ الروسي، لا سيما في ما يهم النزاع العربيّ-الإسرائيليّ وسعي إيران للحصول على التقانة النووية، من جهة أخرى.

شملت المواضيع التي عالجها الرئيس بوتين والوفد المرافق له في زيارته لإسرائيل شقين: اقتصاديّ وسياسيّ. وقد هدف الوفد الروسيّ الزائر إلى تعزيز وتطوير التعاون الاقتصاديّ والتجاريّ مع إسرائيل، وترقية التعاون في مجالات الصناعات الدقيقة المتطورة معها. وسعت إسرائيل بدورها أيضا إلى تعزيز التعاون بين الدولتين في المجالات الاقتصاديّة والتجاريّة. أما بخصوص التعاون بين الدولتين في مجالات الصناعات الدقيقة المتطورة، فلا يزال خاضعا ليس فقط للمساومات بين الدولتين، وإنما أيضا لموقف الولايات المتحدة الأميركيّة من مثل هذا التعاون. على الصعيد السياسيّ، لم ترشح معلومات تشير إلى أنّ إسرائيل قد أثّرت في الموقف الروسي تجاه كل من الملف النوويّ الإيرانيّ والوضع السوريّ. وقد شدّد الجانب الإسرائيليّ في مباحثاته مع الرئيس بوتين على ضرورة استمرار التزام روسيا بالعقوبات التي فرضها مجلس الأمن على إيران، وعلى عدم قيام روسيا بتزويد إيران وسورية بأنواع من الأسلحة الحديثة التي من شأنها الإخلال بميزان القوى العسكريّ في المنطقة والإخلال بالتفوق العسكريّ الإسرائيليّ. تؤكد هذه الزيارة النهج البراغماتي النفعيّ الذي تتبعه روسيا في علاقاتها الخارجيّة، وتمثّل ردًا على من لا يزال يظن أنّ روسيا اليوم هي الاتحاد السوفيتي السابق في علاقاته مع العرب وقضاياهم. وتتمتع المصلحة بأهمية تتفوق على ما بقي من ملامح التحالف العربيّ السوفيتيّ السابق بعد تلاشي وانحلال مبرراته وانهيار النظم العربيّة التي كانت تتبناه، فضلًا عن انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه.

وبقدر تعلق الأمر بالخيار النوويّ الإيرانيّ، وبعد انهيار جولة موسكو الأخيرة (حزيران’/’يونيو2012) وفشلها في الوصول إلى حل ناجع لقضية التخصيب، فإنّ ما جاء في تصريحات بوتين في إسرائيل عن كون سلامة إسرائيل واستقرارها هي مصلحة قوميّة روسيّة يمثّل التزاما روسيًّا واضحا يكاد يتماهى مع الموقف الأميركيّ المؤكد أيضا على أمن إسرائيل وسلامتها، على الرغم من أنّ ترجمته قد تختلف وفق المصالح الروسيّة تجاه ايران.

تعد التقانة الإلكترونيّة الإسرائيليّة، وتقانة النانو على وجه التحديد، إلى جانب علاقات إسرائيل المتميزة مع الولايات المتحدة واللوبي الصهيونيّ فيها عنصرًا رئيسًا تستخدمه إسرائيل لبناء علاقاتها مع آسيا وروسيا. وهو منحى نجحت فيه سابقًا في حالات متعددة، منها حالة الصين والهند، حتى لو سبب ذلك نقدًا أمريكيًّا لاذعا، كما في حالة العلاقة الإسرائيليّة الصينيّة.

يتعيّن على العرب إذًا تلمّس الجوانب التي تؤثر في المجتمع الدوليّ وتتبّعها والاستفادة منها كما يفعل الأعداء والخصوم والأصدقاء على حد سواء. المصلحة القومية أضحت الآن توظيف كل ما يمكن توظيفه لبناء المواقف مع الآخرين، وليس الاستمرار بعزف سيمفونيات الصداقة والتاريخ المشترك. ولكن شرط ذلك هو وجود كيانٍ مؤسسيٍّ سياسيّ عربيٍّ يمكنه أن يضع تصورًا -بالحد الأدنى- للمصالح العربيّة المشتركة.

هناك توقعات متنوعة عن التطورات المحتملة للعلاقات بين روسيا وإسرائيل:

أولا، من المهم التذكير بأنّ منطقة الشرق الأوسط أصبحت مجددا ميدانَ تنافس بين الغرب وروسيا، وأنّ هذه الأخيرة تسعى إلى تحسين علاقاتها بإسرائيل جزئيًّا لإحداث وزنٍ مضاد لمساعي تركيا للتأثير في القوقاز. وهذا وازع مهم للتقارب بين الجانبين.

ثانيا، ستسعى إسرائيل إلى تنمية علاقاتها وتقوية محور التحالف مع موسكو وقبرص واليونان، بسبب حاجاتها للطاقة، لا سيما وأنّ بعض حقول الغاز المكتشفة شرقي المتوسط تبدو في وضعية نزاعيّة.

ثالثا، بما أنّ إسرائيل غدت مصدرا مهما للتكنولوجيا العسكريّة، فمن المحتمل أن تسعى موسكو إلى تعزيز التعاون معها في هذا المجال، لا سيما وأنّهما تشتركان في المخاوف ذاتها من ‘التنظيمات الراديكالية’، وأنّهما معا تناهضان الحركة الديمقراطية في العالم العربيّ.

رابعا، تشترك روسيا وإسرائيل في المخاوف من الحركة الديمقراطية في العالم العربيّ. فكلاهما يعتقد أنّ نجاح الديمقراطية في العالم العربيّ سيقود لا محالة إلى هيمنة الإسلاميّين على الساحة السياسيّة، أو على الأقل إطلاق الحرية لرأيٍ عامٍّ عربيّ معادٍ لإسرائيل. وهذا الهاجس المشترك يدفعهما لتوثيق التعاون والتنسيق في أكثر من مجال.

خامسا، هناك خلاف بين روسيا وإسرائيل بشأن إيران (عكس ما يصرّح به الجانبان). فروسيا متحالفة مع إيران لأسباب عديدة. ولكننا إذا تصورنا مثلا أنّ تقوم إسرائيل بضرب إيران، فهل تقف روسيا ضد إسرائيل؟ ذلك مستبعد.

سادسا، روسيا وإسرائيل تشعران بالحاجة إلى تطوير العلاقة بينهما لمعرفتهما أنّ السياسة الأمريكيّة في منطقة الشرق الأوسط غير مستقرة، وأنّ تنويع العلاقات بأيّ حال مفيد لكل طرف، على المدى المتوسط والبعيد.’ باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية