سجلت التطورات الاقتصادية خلال العام 2021 تكريس ظاهرة التباين والانقسام في العالم العربي، بين دول غنية تمتعت بثمار ارتفاع أسعار النفط والغاز، ودول تعاني من دمار اقتصادي أسفر عن انهيار قيمة عملاتها، وانتشار نقص الغذاء إلى حد المجاعة، وارتفاع الأسعار بصورة جنونية، وانتشار البطالة، وأصبحت أحد أهم مصادر الهجرة غير القانونية إلى أوروبا. وبين هؤلاء وهؤلاء مجموعة ثالثة من الدول التي تمكنت من الصمود في وجه العاصفة، واستطاعت أن توفر بالكاد شروط البقاء والمحافظة على نفسها من الغرق على أمل أن تتحسن ظروف الاقتصاد العالمي، إضافة إلى دولتين هما مصر والمغرب استطاعتا إلى حد كبير تجنب الآثار الاقتصادية المدمرة للجائحة. ونظرا لأن معادلة النمو الاقتصادي ارتبطت ارتباطا جوهريا بالقدرة على مكافحة وباء كورونا، فإن معدلات التحصين باللقاحات الواقية من الإصابة تباينت تباينا شديدا، بين دول نفطية غنية ارتفعت لديها نسبة التحصين إلى أعلى المستويات العالمية، ودول فقيرة مثل السودان واليمن، تقل فيها نسبة التحصين عن 5 في المئة. وتسعى منظمة الصحة العالمية إلى ألا تقل نسبة التحصين في الدول النامية عن 40 في المئة بحلول نهاية العام الحالي.
رفع القدرة على التحمل
ويعود ارتباط التنمية بمكافحة فيروس كورونا إلى تأثير ذلك على قطاعات السياحة، ومعدلات التشغيل في قطاعات الإنتاج والإدارة الحكومية، وقدرة القطاع المصرفي على التحمل، وكيفية توزيع الإنفاق الحكومي. ونلاحظ بشكل عام أن الدول الغنية المصدرة للنفط التي ارتفعت فيها نسبة النمو الاقتصادي قد استفادت من ثلاثة عوامل أساسية، الأول هو بدء تعافي الاقتصاد العالمي، والثاني هو ارتفاع أسعار النفط، والثالث هو ارتفاع نسبة تحصين السكان فيها ضد وباء كورونا. كذلك لعبت السياسات الاقتصادية دورا مهما في توجيه مسار النمو الاقتصادي إلى قنوات تساعد على تيسير التدفقات والتشابكات بين قطاعات الإنتاج المختلفة، بما في ذلك التدفقات بين القطاعات الحكومية وتلك المملوكة للقطاع الخاص. لكن السياسات الاقتصادية لاحتواء تداعيات كورونا ترافقت أيضا مع زيادة أعباء الضرائب والرسوم وإدخال ضرائب جديدة مثل ضريبة القيمة المضافة في دول الخليج. ولعب القطاع النفطي على وجه الخصوص دور المحرك الرئيسي للنمو في معظم الدول العربية، بإستثناء المغرب الذي سجل انتعاشا ملحوظا في القطاع الزراعي، ومصر التي حصلت على تدفقات نقدية (تحويلات) غير مسبوقة بواسطة المصريين العاملين في الخارج، وحققت معدل نمو إيجابي.
لكن بلدانا أخرى مثل اليمن وسوريا ولبنان والسودان وليبيا تعرضت لدمار في هياكلها الاقتصادية، وتقلبات حادة في سياساتها الاقتصادية؛ بسبب الحروب والقرارات وشيوع الخلل في مؤسسات الحكم والإدارة. وقد أسفر ذلك عن انتشار المجاعة في اليمن إلى درجة ان الأمم المتحدة وصفتها بأنها أكبر مجاعة في تاريخ البشرية حتى الآن. كما أسفر أيضا عن عدد من المظاهر المشتركة التي سادت في تلك الدول من أهمها انهيار أسعار العملات المحلية، ونقص السلع الأساسية، وانتشار البطالة، وانهيار مرافق الخدمات الأساسية الاقتصادية مثل الطرق والنقل، والاجتماعية مثل المستشفيات والمدارس. وعلى الرغم من المساعدات التي تقدمها منظمات الإغاثة الإنسانية في بلدان مثل اليمن والسودان ولبنان وسوريا وفلسطين، فإن ظروف المعيشة الإنسانية تدهورت بنسبة كبيرة خلال العام الحالي، مع استمرار الحروب والصراعات الداخلية وعجز مؤسسات الحكم والإدارة المحلية عن ممارسة دورها.
تباين معدلات النمو
وطبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة التي صدرت في تشرين الأول/أكتوبر من العام الحالي بمناسبة اجتماعات دورة الخريف السنوية للبنك الدولي والصندوق، فإن المملكة العربية السعودية احتفظت بالمركز الأول في صدارة قائمة أكبر الاقتصادات العربية لعام 2021 مع توقعات وصول ناتجها المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية إلى 804.9 مليار دولار بنهاية هذا العام، بعد أن تأثر اقتصادها بأزمة مزدوجة في العام الماضي تمثلت في جائحة فيرس كورونا وانهيار أسواق النفط، حيث سجل ناتجها المحلي الإجمالي 701.5 مليار دولار. ومن المتوقع أن تحقق نموا بنسبة 7.5 في المئة في العام المقبل 2022 حسب تقدير وزارة المالية السعودية.
وجاءت الإمارات في المركز الثاني عربيا مع تسجيل ناتجها المحلي الإجمالي 401.5 مليار دولار متقدمة مركزا واحدا عن تصنيفها العام الماضي الذي كان بقيمة 354.3 مليار دولار، في حين تراجعت مصر مركزا واحدا إلى المرتبة الثالثة عربيا هذا العام مع توقعات وصول ناتجها المحلي الإجمالي إلى 394.3 مليار دولار مقابل 361.8 مليار دولار في 2020. وجاء العراق في المرتبة الرابعة للعام الثاني بـ190.7 مليار دولار في 2021، و172.119 مليار دولار في 2020 فيما تحتفظ قطر بمركزها الخامس هذا العام أيضا، حيث يقدر الصندوق أن ناتجها المحلي الإجمالي سيرتفع إلى 166 مليار دولار هذا العام، مقابل 146.1 مليار دولار في2020.
قطر في القمة من حيث الناتج الفردي
أما من حيث ترتيب الدول العربية على أساس الدخل الفردي أو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، فإن قطر احتلت قمة القائمة العربية، حيث من المتوقع أن يرتفع متوسط الدخل الفردي بنسبة 13.5 في المئة إلى 59 ألف دولار بنهاية العام الحالي، مقابل 52 ألف دولار العام الماضي. وكان الناتج المحلي الإجمالي في قطر قد تراجع بنسبة 2.6 في المئة خلال العام الماضي بسبب جائحة كورونا، ولكن من المرجح أن يتعافى لينمو بـ2.4 في المئة هذا العام وهو مستوى أفضل مما كان عليه قبل انتشار كوفيد-19 حين حقق نموا بـ 0.8 في المئة في 2019.
وتأتي الإمارات في المركز الثاني ضمن قائمة الناتج المحلي للفرد، تليها الكويت والبحرين والسعودية وعمان والعراق والأردن على الترتيب، فيما تأتي مصر في المرتبة التاسعة عربيا، نظرا لحجم السكان. ويرجح صندوق النقد الدولي أن يستمر ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في مصر إلى 3830 دولار في العام المالي 2021 الذي انتهى في 30 حزيران/يونيو الماضي، بنسبة زيادة تبلغ 6.8 في المئة مقابل 3580 دولارا في السنة المالية السابقة.
الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط
بدأت الدول العربية النفطية مثل السعودية والإمارات وعمان والكويت، وغير النفطية مثل المغرب ومصر وموريتانيا خططا طموحة استعدادا لمرحلة ما بعد النفط. ومن أهم المشروعات المطروحة على جدول الحكومات العربية مجموعة كبيرة من مشروعات إنتاج الهيدروجين «الأخضر» وهو النقي تماما من الكربون و«الأزرق» المنخفض الكربون. إضافة إلى مشروعات الطاقة الشمسية الضخمة وطاقة الرياح في المغرب ومصر. وتحتاج هذه المشروعات إلى رؤوس أموال ضخمة، قد لا تتوفر لمعظم الدول العربية بما فيها الدول النفطية، كما تحتاج أيضا إلى تكنولوجيا متقدمة جدا، وهو ما يتطلب ضرورة المشاركة المالية والتكنولوجية مع شركات الطاقة العملاقة مثل شل وبي بي وتوتال وايني وغيرها. وفي حال نجاح هذه المشروعات فإن قطاع إنتاج الطاقة سيحافظ على مركزه كواحد من أهم محركات النمو في الدول العربية.
التكامل الاقتصادي
جرت تطورات كبيرة على صعيد مشروعات التكامل الاقتصادي العربي خلال العام الحالي، كان أهمها على الإطلاق تطوير مشروع الربط الكهربائي المشترك بين مصر والأردن ولبنان وسوريا، الذي يتوقع أن يبدأ فعلا في العام المقبل، إضافة إلى قمة بغداد التي سعت إلى وضع أساس جدبد لإقامة منطقة تكامل اقتصادي بين العراق ومصر والأردن. كذلك شهدت الساحة الاقتصادية العربية استمرار جهود الربط الكهربائي بين مصر وكل من السعودية والسودان، وجهود التكامل الاقتصادي بين السعودية والعراق، وبين العراق وكل من تركيا وإيران. ومع ذلك فإن مشاريع التكامل الاقتصادي العربي تعرضت خلال العام الحالي لضربة كبرى في المغرب العربي بوقف خط أنابيب الغاز الجزائري – الاسباني الذي كان يمر عبر المغرب، ويستفيد منه أيضا، بالحصول على الغاز وتحصيل رسوم عبور لمرور الأنابيب من الجزائر إلى إسبانيا.
ويعتبر الأردن أن علاقات التكامل الاقتصادي مع مصر متميزة في مجال الطاقة على وجه الخصوص حيث أن الربط الكهربائي بين البلدين بدأ منذ عام 1999 ويوجد تبادل في الطاقة الكهربائية لقدرات تصل إلى 500 ميغاوات. وقد عقد الأردن اتفاقا جديدا لرفع قدرة التبادل الكهربائي إلى 1000 أو 2000 ميغاوات مستقبلا. وسوف تستخدم القدرات الإضافية في الربط الكهربائي مع لبنان عن طريق شبكة خطوط الكهرباء السورية. وبذلك سيصبح الأردن مركزا إقليميا لتوزيع الكهرباء المصرية مستقبلا بين دول الإقليم وربطها ببعضها ومع دول أخرى في أوروبا.
ومن المتوقع أيضا أن يتم خلال العام المقبل الانتهاء من إنشاء البنية الأساسية للربط الكهربائي بين الأردن والعراق. وعند إتمام مشروع الربط مع العراق سيصبح الأردن عمليا هو مركز توزيع الطاقة الكهربائية الذي يتوسط العراق وسوريا ولبنان والضفة الغربية ومصر.
وتستعد مصر لزيادة دورها في إمداد الدول العربية المجاورة بالكهرباء، بما في ذلك السعودية، وذلك باستخدام فائض الكهرباء المتاح في محطات توليد الكهرباء بالغاز، وكذلك محطات الطاقة المتجددة بالشمس والرياح. وتطمح مصر إلى رفع نسبة استخدام مصادر الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 42 في المئة من الإنتاج الكلي للكهرباء في العام 2035. وقال وزير الكهرباء والطاقة المصري أن بلاده تمضي بقوة في تنفيذ الربط مع دول الجوار، كما تدرس إنشاء خط ربط جديد مع أوروبا من خلال الربط مع اليونان وقبرص ومنها إلى أوروبا، عبر كابل بحري عميق وكذلك عبر الأردن. كما تعمل مصر أيضا على استكمال مشروعات التكامل مع السودان بما في ذلك مد خطوط نقل الكهرباء.
وعلى الرغم من استمرار القلق وعدم اليقين بشأن الظروف الاقتصادية في العام الجديد، فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز في العام الحالي يوفر ظروفا أفضل للنمو في العام المقبل. لكن الدول التي تعتمد بنسبة مهمة على السياحة مثل مصر والأردن وتونس والمغرب ولبنان، ربما يكون عليها الانتظار عاما آخر لكي يعود قطاع السياحة إلى ما كان عليه قبل الجائحة، خصوصا بعد أن فقدت هذه الدول عمليا موسم السياحة الشتوي للعام الحالي بسبب السلالة الجديدة من فيروس كورونا «أوميكرون» التي تحتاج العالم في فصل الشتاء الحالي.