الدول الغربية تعيد إكتشاف الجامعة العربية.. حب مشبوه من طرف واحد

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام ما سر اهتمام الدول الغربية المفاجئ والواسع بالجامعة العربية؟ لماذا تُدعى الجامعة للحوار في كل مناسبة وتستشار في كل القضايا وتوقع معها مذكرات التفاهم ويتم تقديم الاقتراحات لحل الصراعات في المنطقة العربية بالتشاور مع الجامعة أو بدعم منها أو بالتنسيق معها؟ لقد لاحظنا مؤخرا أن الجامعة العربية يعاد إكتشافها من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية والأمم المتحدة. سيل لا يتوقف من الإطراء بل والغزل في الجامعة وأمينها العام وكأنها ركبت للتو على مقاس هذه الدول لتخدم مصالحها وتوجهاتها في المنطقة. نحن نقـرّ أن الجامعة العربية، منذ تولى الدكتور نبيل العربي الأمانة العامة في الأول من تموز (يوليو) 2011 خلفا للسنوات العشرة الرديئة لقيادة عمرو موسى، بدأت تلعب دورا نشطا (سلبا أو إيجابا) في بعض القضايا العربية لم نعهدها من قبل كالحالتين الليبية والسورية حيث حاولت ان تساهم في الحل مستخدمة شيئا من شرعية تجسدها أو بتفويض تلك الشرعية لمجلس الأمن، الجهة الأكثر قدرة وإمكانية لفرض الحل. لكن دور الجامعة ظل ثانويا في الحالة اليمينة وإختبأ خلف مجلس التعاون الخليجي ثم إختفى تماما عندما تعلق الأمر بالبحرين وقيام قوات درع الجزيرة بسحق الحراك السلمي المطالب بالحرية والكرامة والتمثيل العادل للمواطنين أسوة بأخوتهم في تونس ومصر.ففي القضية الليبية، وبعد أن تأكد العالم أن القذافي مقدم على ارتكاب مجازر قد تحصد مئات الألوف، شرعنت الجامعة العربية عمل مجلس الأمن واعتماده القرارين (1970 و1973) واللذين فرضا مجموعة عقوبات على النظام ورموزه المعروفين ثم إعلان ليبيا منطقة حظر جوي. لكن مهمة الناتو، المكلف بإنفاذ قرار حظر الطيران في الأجواء الليبية من أجل حماية المدنيين، تجاوزت القرارين لتشمل قصف البنى التحتية وتدمير ما تزيد قيمته عن ستين مليار دولار تحتاج إلى سنوات لإصلاحه. أما دور الجامعة في المسألة السورية فقد بدأ مبكرا بتقديم مشاريع للحل وإرسال عدد صغير من المراقبين لا يتجاوز عددهم الـ 200 بقيادة شخص أدين بارتكاب جرائم حرب. ثم طرحت الجامعة في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2011 مشروع تسليم السلطات لنائب الرئيس فاروق الشرع وبعد فشل المشروع عادت الجامعة وقدمت مشاريع قرارات لمجلس الأمن تعرضت 3 مرات للفيتو الروسي الصيني المزدوج. فلجأت بعدها إلى الجمعية العامة التي كان يرأسها السفير القطري ناصر عبد العزيز النصر حيث تم تمرير قرار يعين مندوبا مشتركا للجامعة العربية والأمم المتحدة وقد وقع الخيار أولا على كوفي عنان ثم على الأخضر الإبراهيمي. وما زالت الأزمة مفتوحة على مصراعيها دون أفق للحل في المستقبل المنظور. هذا الحراك في المسألتين الليبية والسورية بالتحديد جذب أنظار الدول الغربية والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي راح يدبج المدائح في الجامعة العربية ودورها الجديد أو المتجدد. فقد أعلن أثناء مشاركته في قمة بغداد يوم 29 آذار (مارس) 2012: ‘أن الجامعة العربية قد أعادت الاعتبار لنفسها وجددت شعورها بالهدف الذي أنشئت من أجله’. صباح يوم 26 أيلول (سبتمبر) الماضي وقعت الولايات المتحدة والجامعة العربية ‘مذكرة تفاهم’ ترسم إطارا للتعاون والعمل المشترك. وقد حددت السيدة هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية الأمريكية، عزم الولايات المتحدة على تعميق العلاقات مع الجامعة وفتح حوار سنوي على أعلى المستويات ‘بهدف تعزيز روح التسامح والتعاون والالتزام باتخاذ إجراءات مستقبلية لمساعدة الشعب السوري’.في اليوم نفسه عقد وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيلي مؤتمرا صحافيا مشتركا مع الأمين العام للجامعة الدكتور نبيل العربي وأشار إلى ضرورة أن تقوم الجامعة العربية بدور أكبر في عمليات حفظ السلام والعمل على حل صراعات الشرق الأوسط بالطرق السلمية.ثم دعت ألمانيا مجلس الأمن لعقد جلسة خاصة بعد ظهر نفس اليوم بحضور الأمين العام للجامعة السيد نبيل العربي، لبحث سبل التعاون بين المنظمة الدولية والجامعة العربية، واستمرت الجلسة أكثر من ساعتين تناوب المتحدثون فيها على الكلمة فأشبعوا الجامعة مديحا لم نعهده من قبل لأي من المنظمات الإقليمية وصدر عن الاجتماع بيان رئاسي يشير إلى عزم المنظمتين الدولية والإقليمية على تعزيز التعاون بينهما في مجالات عديدة أهمها حل الصراعات بالطرق السلمية. ومن دراسة متأنية للكلمات التي ألقيت في جلسة مجلس الأمن والبيان الرئاسي الصادر في نهاية الجلسة نجد أن الدول الغربية ممثلة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تدفع باتجاه أن تأخذ الجامعة دورا أكبر في مجمل العمل الإقليمي في الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية يؤدي إلى تخفيف العبء عن تلك الدول من جهة ومن جهة أخرى تحقيق مآرب تلك الدول بغطاء عربي خاصة وأن الشعوب العربية ما زالت تثبت المرة تلو المرة أنها معادية للسياسة الغربية الظالمة القائمة على إزدواجية المعايير والكيل بمكيالين: مكيال خاص بالدولة المدللة المحمية من أية ملاحقة أو تأنيب أو إدانة لممارساتها الإجرامية ومكيال آخر للدول العربية والإسلامية وشعوبها يأخذ الكل بمأخذ الفرد ويدين الانتماء والثقافة والدين والحضارة إذا ما ارتكب شخص واحد عملا مشينا أو إرهابيا. مسؤوليات جديدة تلقى على عاتق العرب هناك مجموعة مهمات أحسسنا أن الدول الغربية تريد أن تلقي بها على عاتق العرب تحت غطاء الجامعة العربية. ومع أننا من أنصار التعاون الواعي والمتوازن والقائم على الاحترام المتبادل إلا أننا نود أن ننبه للنقاط التالية: 1 ـ الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أشار بطريقة مواربة في كلمته أمام مجلس الأمن بضرورة قيام الجامعة العربية بتحمل مسؤولية تمويل الأونروا (وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) بالإضافة إلى دعم السلطة الفلسطينية ماليا. وكأن المسؤول عن طرد الفلسطينيين من بلادهم واقتلاعهم من أراضيهم هم العرب. لقد ظل العرب ملتزمين بعدم تمويل الأونروا لاتفاقهم الجماعي على أن من خلق المشكلة أولى بتحمل تبعاتها، لكن الأمور بدأت تتغير بعد الانتفاضة الأولى وحرب الخليج الأولى لعام 1991 حيث قطعت بعض دول الخليج مساعداتها عن منظمة التحرير وبدأت تقدم شيئا من تلك المساعدات للمنظمات الدولية التي تساعد الفلسطينيين ومن بينها الأونروا. أما تمويل السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاقية أوسلو الكارثية فقد جاء نتيجة مقايضة تاريخية على الحقوق الفلسطينية أعفى إسرائيل من مسؤولياتها كسلطة احتلال وحولها إلى راعيي أوسلو الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. 2 ـ على طريقة الاتحاد الأفريقي، يرى المتحدثون الغربيون في الجلسة أن الجامعة العربية يمكنها أن تساهم بقوات حفظ سلام في المنطقة العربية والتي يوجد بها الآن نحو ست عمليات حفظ سلام أو لجان مراقبة أو بعثات مساعدة من الصحراء الغربية إلى جنوب لبنان ومن الجولان إلى دارفور ومن العراق إلى ليبيا. لكننا نود أن نذكر أن تجربة الجامعة العربية في عمليات حفظ السلام تجربة فاشلة أو ناقصة. فقد عجزت الجامعة عن تأمين حتى الثلاثمائة مراقب لنشرهم في سوريا. أما تجربة قوات الردع العربية السابقة في لبنان فكانت أساسا قوات سورية وظلت قوات سورية وتحولت فيما بعد إلى أشبه بقوات احتلال أساءت لكل مكونات المجتمع اللبناني حتى أخرجت بطريقة مذلة عام 2005 بعد اعتماد القرار 1559 الذي لم يترك خيارا لسوريا إلا الانصياع.3 ـ مطلوب من الجامعة أن تلعب دورا أكبر في الدبلوماسية الوقائية وعمليات البناء والإعمار بعد الحروب. والمقصود هنا أن التبعات المالية التي تنتج عن التدمير والخراب من جراء الحروب الخارجية على المنطقة العربية تصبح مسؤولية عربية. فالفائض المالي من عوائد النفط يجب أن يلقى طريقه للاستقرار في جيوب الشركات الغربية الكبرى.4 ـ مطلوب من الجامعة التعامل مع الطوارئ والمستجدات بدرجة عالية من الجاهزية كي لا تؤخذ مجتمعاتها على حين غرة كما حدث بعد انطلاق ثورة تونس وما تبعها من تداعيات تركت الدول الغربية محتارة مترددة لا تعرف أتتمسك بحلفائها من الطغاة أم تراهن على الشعوب وقواها الحية حتى لو وصل الإسلاميون إلى الحكم.5 ـ الغريب والأمر المشبوه أن مأساة الشعب الفلسطيني المهجر والمدمر والمظلوم لا تظهر على رادار الولايات المتحدة أو ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا. يرددون مصطلحا فقد قيمته لتكراره ‘تعاون في كافة المجالات’، أما التعاون من أجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي اتخذها المجلس نفسه فيما يتعلق بالاستيطان والقدس والجدار العازل وحل الدولتين (1515 لعام 2003) فتبقى حبرا على ورق إلى أن تلتهم إسرائيل ما تبقى من معازل وتهود القدس وتهدم الأقصى وتطرد الفائض السكاني الفلسطيني الذي يعطل نقاء يهودية الدولة. وعندها ربما يعرض الألمان والفرنسيون على الجامعة العربية عضوية شرفية في منظمة الناتو.بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهةنود أن ننبه إلى بعض النقاط التي نشعر بها من مثل هذا الغزل الغربي:أولا- نؤيد ما جاء في كلمة الأمين العام للجامعة في مداخلاته أمام مجلس الأمن عندما أكد أن الثقة المفقودة بين الشارع العربي والدول الغربية والأمم المتحدة كامن في عدم تنفيذ أكثر من 100 قرار متعلقة بفلسطين. ‘دعونا نتخذ قرارا واحدا تحت الفصل السابع فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني ونعمل معا على تطبيقه بجد’، كما قال العربي في مداخلته. إن المقياس يجب أن يظل مدى اقتراب أو ابتعاد الدول من تنفيذ القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية إبتداء بقرار التقسيم 181 وقرار حق العودة 194 وانتهاء بقرار حل الدولتين 1515 مرورا بقرار 3236 لعام 1974 الذي أكد على حق العودة وتقرير المصير وقيام الدولة المستقلة. ثانيا- إن هناك محاولات دؤوبة من قبل بعض التجمعات العربية للسيطرة على الجامعة العربية وربطها بعجلة السياسة الأمريكية. إن مثل هذا التوجه سيفقد الجامعة ما تبقى من ثقة لدى الشارع العربي. فكلما اقتربت الجامعة من نبض الشارع العربي وهمومه وقضاياه كلما تعززت الثقة وكلما التصقت بالأنظمة العربية وخاصة تلك المغرقة في تخلفها كلما انفصلت الجامعة عن الشعوب العربية وتحولت إلى جهاز بيروقراطي لا أحد يعيره انتباها. وأخيرا، نتمنى على الأمين العام أن يفي بوعده بإعادة هيكلة الجامعة وإصلاحها لتصبح أكثر ديناميكية وحضورا وفاعلية. فهناك العديد من المسائل السياسية وغير السياسية يمكن للجامعة أن تتدخل فيها دون حاجة لدعم أوروبي أو أمريكي- قضايا عديدة مثل التكامل الاقتصادي ومحاربة الفقر والتعليم والصحة والسياحة والمواصلات والتجارة البينية ومساعدة اللاجئين والمهجرين ومحاربة الفساد والجريمة والتطرف- وغيرها الكثير. لكن الأمنيات شيء والواقع العربي المتردي الذي تمثله الجامعة شيء آخر- لكن لنا أمل أن تهب رياح التغيير على طريقة الربيع العربي وتصل إلى مقر الجامعة يوما ما فتنعش الآمال بدور حضاري وتاريخي للأمة العربية ما زلنا نبحث عنه منذ إنشائها عام 1945 .’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية