الدور المحوري الذي لعبته الدوحة يجعل منها رقماً مهماً في المعادلة الأفغانية، وهي تشهد استقطاباً دبلوماسياً واسعاً، وصارت محطة رئيسية في إدارة الملف.
الدوحة ـ»القدس العربي»: تتوجه أنظار دول العالم إلى أفغانستان وتسلط الضوء على التطورات الحاصلة في المشهد السياسي، بعد انسحاب آخر جندي أجنبي من البلد الذي مزقته على مدى عقود الحروب، وخرج منها منتصراً على الغزاة، وأكد أنه عصي على أي احتلال، واكتسب لقب «مقبرة الإمبراطوريات» على حد تأكيد عدد من القادة.
وحتى الآن تبحث مجموعة السبع، وتعقد اجتماعات متواصلة بمشاركة قطر وتركيا، لبحث مستقبل أفغانستان، والآفاق المستقبلية للبلد، مع محاولات استقطاب حركة طالبان للانخراط في مسار سياسي توافقي مع مختلف القوى في البلد.
وتعلق الدول الغربية آمالاً على الدور المستقبلي لقطر في الملف الأفغاني، مع ترقب لجهودها في إعادة الحركة إلى مطار كابول، حتى يكون نافذة أفغانستان مع الخارج. ويتوقع أن تشغل الدوحة المطار، بعد إيفاد فرق فنية عملت على تحريكه، وشغل الفراغ الذي تركته القوات الأجنبية السابقة.
يعترف الجميع أن الدوحة تملك مفاتيح الحل في أفغانستان، والرهان على جهودها في إحلال السلام، ودفع حركة طالبان نحو مواقف أكثر لينا، بعيداً عن أي تصادم من شأنه العصف بالتوازن المحقق حتى الآن.
ويرى الدكتور حمد عبد العزيز الكواري وزير الدولة القطري، أن أفغانستان بلد عصي على الاحتلال، مثلما قال الرئيس بايدن، وقبله ردده البريطانيون والسوفييت. ويؤكد في تحليل لمجريات الأوضاع في أفغانستان اطلعت عليه «القدس العربي» أن الأمريكيين استمروا في احتلاله أكثر من 20 عاماً، وصرفوا مبالغ خيالية في بناء مؤسسات اعتقدوا أنها تضمن نجاحهم، وبنوا جيشاً أفغانياً من 300 ألف جندي للذود عن هذه المؤسسات، لكن تلك الجهود تبخرت في وقت وجيز. وشدد قائلاً: منذ عام وأمريكا تفاوض طالبان في الدوحة، من أجل اتفاق وتفاهمات في مقدمتها الانسحاب بشكل منتظم، لكن عند التنفيذ بدت أمريكا العظمى وكأنها فوجئت، وتمت العملية في جو من الارتباك المستغرب، على بلد كبير بقدراته وأجهزته، مع ارتجال طال ترحيل مواطنيها والمتعاونين معها. ويعتبر وزير الدولة وهو مدير مكتبة قطر الوطنية، أن العالم اندهش من هذا الارتجال، خصوصاً أنه قبل السيطرة بـ 3 أيام أعلنت واشنطن أن دخول طالبان للعاصمة يحتاج إلى شهر. ليتساءل كيف نفهم ذلك من دولة تملك أقوى جهاز في العالم؟
ويحلل وزير الدولة القطري ومرشحها السابق لمنصب مدير اليونسكو، انعكاسات الانسحاب الأمريكي على التحالفات معها والثقة في الاعتماد عليها، مع التأكيد على «أي نبع جاءت قوة طالبان، وسر قدرتها على الصمود ثم الانتصار، الذي لم يكن ليتحقق من دون حاضنة شعبية». ويستعرض الخبير والمسؤول القطري عناصر قوة الحركة كحقيقة لا يمكن تجاهلها، وهذا التكالب على التفاوض معها في الدوحة.
مع التركيز على طالبان الحاكمة، غير طالبان المقاتلة، وما إن كانت ستفاجئ العالم سياسياً كما فاجأته عسكرياً. ويتعمق أيضاً في تقييم قطر الدقيق، حين راهنت على استضافة المفاوضات، وكان وراء ذلك رؤية أشمل، وخبرة تفاوضية أعمق. ويشدد الدكتور حمد عبد العزيز الكواري على مستوى نجاح الدوحة الذي أبهر العالم، وجعل منها عاصمة لحل القضايا الشائكة.
سفارات انتقلت من كابول إلى الدوحة
الدور المحوري الذي لعبته الدوحة يجعل منها رقماً مهماً وصعباً في المعادلة الأفغانية، وهي تشهد استقطاباً دبلوماسياً واسعاً، وصارت محطة رئيسية في إدارة الملف، يترجم ذلك المسؤولون الدوليون الذين تحط طائراتهم يومياً في قطر، والسعي لمقابلة قيادتها للتباحث حول تطورات الملف الأفغاني.
وأفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يعمل مع القطريين لإقامة وجود أمريكي دائم في الدوحة، مهمته قيادة وتنفيذ سياسات الولايات المتحدة المقبلة تجاه أفغانستان. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس إن المكتب الدبلوماسي الخاص بأفغانستان بدأ العمل في الدوحة، وسيحافظ على التواصل مع طالبان.
وأضاف برايس أن العاصمة القطرية الدوحة موقع للانخراط الدبلوماسي مع أفغانستان، وأشار إلى أن المكتب الأمريكي في الدوحة الخاص بأفغانستان سيقوم بأدوار السفارة الأمريكية المتوقفة في كابول، وسيحافظ على التواصل مع المكتب السياسي لحركة طالبان. ويشدد برايس «من ميزات الدوحة أنها كانت منذ مدة موقعاً للانخراط الدبلوماسي، ليس فقط مع شركائنا الإقليميين والآخرين في ما يتعلق بأفغانستان، وإنما مع المكتب السياسي لطالبان أيضا».
وتابع أن «مكتب الدوحة سينخرط مع المكاتب الأفغانية الخارجية التي انتقلت إلى العاصمة القطرية، وأماكن أخرى في المنطقة». ويعترف قائلاً: «الدوحة هي موقع للدبلوماسية في ما يخص أفغانستان».
من جانبها أعلنت هولندا أنها قررت نقل سفارتها من كابول إلى العاصمة القطرية الدوحة، في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، بعد خطوة مماثلة من الولايات المتحدة وبريطانيا، في حين عبّرت اليابان عن نيتها اتخاذ القرار ذاته.
وقالت وزيرة الخارجية الهولندية سيغريد كاغ في مؤتمر صحافي مع نظيرها القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، «طلبت (من قطر) الموافقة على نقل سفارة هولندا من كابول إلى الدوحة».
وأضافت «ناقشت مع وزير الخارجية القطري مستقبل أفغانستان وأهمية استمرار تقديم المساعدات» وأكدت أنها «تثمن الدور الذي تلعبه قطر على الساحة الدولية في ما يتعلق بأفغانستان وملفات أخرى».
صراعات على كعكعة المعادن
وبعيداً عن الشق السياسي من المعادلة الأفغانية، تنكشف ملامح صراع خفي على النفوذ ومحاولات للاستئثار بالخيرات الأفغانية، عبرت عنها عواصم متنافسة على غرار واشنطن، التي ترى بعين الريبة تمدد غريمتها بكين، وسعيها للحصول على النصيب الأكبر من كعكة البلد.
وتسيل خيرات أفغانستان الغنية بالموارد الطبيعية، وهي مصدر رئيسي للمعادن لبقية العالم، لعاب عواصم عدة، تجد نفسها في مواجهة مع بعض لتقاسم تلك الثروات.
وتجد بكين نفسها في أحسن رواق للظفر بصفقات تقدر بعشرات مليارات الدولارات لاستغلال مناجم المعادن التي تشغل مساحات واسعة من البلد.
ومؤخراً أعلنت حركة طالبان أن الصين شريك مهم لأفغانستان، وتحدثت عن توافقات لاستغلال مناجم المعادن، وشق طرق لتصريفها إلى الخارج، وتقدم بكين وعوداً لجعل البلد يتحول لمصدر رئيسي لتصدير تلك المعادن مستقبلاً.
موسكو وطهران ولعبة المناكفة
تلعب موسكو وطهران أوراقهما في إطار إدارة معركتهما مع الدول الغربية، أدواراً خفية وعلنية في المشهد الأفغاني الذي تحول تدريجياً لساحة صراع على النفوذ.
وقال مبعوث الرئيس الروسي إلى أفغانستان زامير كابولوف إنه يجب أن تكون لروسيا علاقات جيدة مع أي سلطة في أفغانستان بما فيها طالبان، معلناً أن بلاده تدعم فكرة الدعوة لمؤتمر دولي لبحث عملية إعادة إعمار أفغانستان، وأن القيادة الروسية تبحث إمكانية المشاركة في إعادة تأهيل هذا البلد اقتصاديا.
وفي طهران، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية خطيب سعيد زاده إن تحقيق الاستقرار في هذا البلد يتم عبر تشكيل حكومة شاملة، مضيفاً أن بلاده تنتظر تشكيل الحكومة لتحديد موقفها وأولوياتها.
ويترقب المتابعون ما ستسفر عنه الأيام المقبلة لفهم تفاصيل المشهد الجديد في أفغانستان، والذي ستسير قاطرته الأمامية حركة طالبان، فيما الدول الأخرى تحاول استمالتها، ودفعها لتغيير نهجها السابق، والسعي للاستفادة من الآفاق الواعدة في البلد الذي مزقته الحروب على مدى عقود.