فرضتْ جائحة كورونا مسارها على الجميع. ضربتْ حيث استطاعت من دون أي اعتبار لدول غنية أو فقيرة، متطوّرة أو نامية. تمدّدت شرقاً وغرباً، وأصابت الحلفاء والخصوم، ولم تَسلمْ الدول العظمى. ربما يمكن القول إن الكل تساووا في مرحلة تفشّي الوباء لكن الحال لن تكون ذاتها في مرحلة التعافي بعد اكتشاف اللقاح وبدء اعتماده. لا توقعات بأنّ توصيات منظمة الصحة العالمية للدول المرتفعة الدخل أو المنتجة للقاح بعدم احتكار الكميات المصنّعة أولاً ستنفع، كما لن تُؤثر بها التحذيرات من “قومية توزيع اللقاح”.
المنظمة تُريد ضمان الوصول العادل من اللقاحات الآمنة والفعّالة، بنسبة 20 في المئة لكل دولة، بما فيها الأكثر احتياجاً والأقل قدرة على تمويل شراء اللقاح. وتراهن على تحقيق ذلك من خلال آلية “كوفاكس” التي أُنشئت دولياً للتعامل مع هذه الجائحة. وهي عبارة عن منصّة مُشترَكة بين منظمة الصحة العالمية و”التحالف العالمي للقاحات والتحصين” و”تحالف ابتكارات التأهب الوبائي”.
لكن منع الاحتكار غير قابل عملياً للتنفيذ ما دام بإمكان الدول شراء اللقاح مباشرة من الشركات المنتجة، وليست مُجبرة على المرور بالمنظمة أو بمنصة “كوفاكس” الهادفة إلى شراء ملياري جرعة لتأمين حصول 20 في المئة من سكان البلدان المشاركة في الآلية على التلقيح قبل نهاية العام 2021.
في المنطقة العربية، تُشير الأرقام المسجّلة إلى نحو 5 ملايين حالة إصابة بفيروس كورونا. الدول العربية مسجّلة في منصة “كوفاكس”، لكنهم ليسوا جميعاً في انتظارها. فهناك دول حصلت وستحصل على اللقاح بالشراء المباشر، وهناك مَن سينتظر وصول الكميات عبر المنصة لحملات التلقيح العام. دول الخليج العربي (السعودية، والإمارات، والكويت، وسلطنة عُمان، والبحرين، وقطر) ومعها العراق، ولبنان، والأردن، وليبيا، عقدوا اتفاقات مُسبقة مع شركات إنتاج اللقاح، وحصل بعضهم عليه وباشرَ عملية التلقيح.
لكن دولاً كسوريا ومصر وفلسطين واليمن والسودان وموريتانيا ستحتاج إلى المساعدة من أجل الحصول على حصّة من اللقاح. سيكون اعتمادها على الآلية، غير أنها لن توفّر سوى 20 في المئة من احتياجاتها، وذلك وفق البرنامج الزمني ومعايير تحديد الفئات ذات الأولوية للحصول على اللقاح التي تحددها المنظمة. أما مدّ يد المساعدة من قبل الدول مباشرة، فسيكون رهن المصالح والحسابات السياسية وطبيعة الأنظمة.
السباق بين الشركات العالمية على إنتاج اللقاح أفضى إلى تقدّم التحالف الأمريكي- الألماني بين “فايزر وبيو إن تك” المشهد (اعتمدته هيئتا الدواء البريطانية والأمريكية). كثير من الدول العربية حجز لقاح “فايزر”. السعودية وصلها اللقاح وبدأت في السابع عشر من الشهر الجاري عملية التلقيح. لبنان والأردن ينتظران وصول هذا اللقاح الأمريكي – الألماني في الربع الأول من 2021، ما بين شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير.
في لبنان، لن يكون الاعتماد على مجانية التلقيح، ولا على وزارة الصحة اللبنانية. في الأساس الطموحات التي يتحدث عنها وزير الصحة حمد حسن تصل إلى تغطية 35 في المئة (15 في المئة من خلال اتفاق الشراء المباشر مع فايزر و20 في المئة عبر “كوفاكس”). النسبة الباقية ستكون ملقاة على عاتق جيبة المواطن، الذي سيلجأ إلى شراء اللقاح، خصوصاً أن وزارة الصحة ستُجيز لشركات الأدوية الخاصة شراء اللقاحات. في بلاد الأرز، لا ثقة كبيرة بما توزّعه الدولة أو يوزّع تحت إشرافها. العملية معكوسة، ستتّجه الغالبية القادرة إلى شراء اللقاح لا الحصول عليه مجاناً. مَن سيدفع من جيبه، سيذهب إلى لقاح آمن ومضمون، والأرجح إلى اللقاحين الأمريكيين “فايزر” أو “موديرنا”. قد لا يجدُ اللقاح الصيني “سينوفارم” كبير قبول في لبنان. ولكن ربما يصل الأسواق من باب السياسة عبر رغبة التوجّه إلى الشرق التي يُنادي بها “محور إيران”، خصوصاً وأن وزير الصحة الحالي محسوب على هذا المحور. وكذلك يمكن للقاح الروسي “سبوتنيك-5” أن يصل من هذا الباب أيضاً.
اللقاح الروسي سيحطّ رحاله في سوريا التي تتخبّط مالياً. روسيا وعدتْ بمدّ النظام باللقاح الروسي، إنما لا شيء واضحاً حول الكميات والقدرة على وصوله لجميع السوريين. منظمة “اليونيسف” كانت أعلنت بلسان أحد مسؤوليها أن لسوريا الأولوية في استراتيجية وضع خطة لتوزيع اللقاح. فالنظام، عموماً، سيعتمدُ على الإعانات، وليس متوقعاً أن يصله اللقاح عبر المنصة قبل أشهر. سيكون عليه الاعتماد بداية على الاتفاق الذي قد يتمّ مع الروس، وإلا سيُترك السوريون إلى قدرهم.
موسكو سترسل إلى الأراضي الفلسطينية كميات من لقاح “سبوتنيك-5”. وزارة الصحة تحدثت عن 4 ملايين جرعة من اللقاح الروسي، ولكن لن يكون الأمر محصوراً بالروس فقط. هناك إعلان عن اتفاقات على الحصول على الأنواع الأخرى من اللقاحات.
أما العراق، فالتلقيح المجاني يحتاج إلى رصد الميزانيات لبلد ما بين الرافدين البلغ عددها 39 مليون نسمة. واعتمادها المباشر لن يكون محصوراً بلقاح “فايزر” الذي ستصل أول دفعة منه في آذار/مارس المقبل، بل إن سفارة لندن لدى بغداد، أعلنت عن حجز العراق 8 ملايين جرعة من اللقاح الذي أنتجته جامعة أوكسفورد مع شركة “أسترازينيكا” البريطانية، والذي تصل فعاليته إلى نسبة 70 في المئة. غير أن لا صورة واضحة حول توقيت وصول هذا اللقاح البريطاني، ولم يتمّ الكشف عما إذا كانت الحكومة العراقية ستدفع ثمنه أم أنه هبة من “المُستعمِر القديم”. وبغداد سبق أن أعلنت انضمامها إلى تحالف دولي للحصول على لقاح صيني. فالاتجاه العام لدى غالبية الدول هو عدم حصر اللقاح بشركة واحدة.
اللقاح الصيني “سينوفارم” يدور جدل حوله. اعتمدته بشكل نهائي الإمارات، التي شاركت في الاختبارات السريرية، وبدأت عملية التطعيم به، رغم أنه لم تظهر بعد إلى العلن من قبل الصين نتائج تلك المرحلة، ولا مدى فعالية اللقاح وآثاره الجانبية. الإعلان الوحيد أتى من الإمارات التي قالت إن النتائج الأولية لتجارب المرحلة الثالثة أظهرت فعاليته بنسبة 86%.
في مصر، المشارِكة في التجارب أيضاً، مُنح اللقاح “موافقة طوارئ”، بالاستناد إلى الإعلان الإماراتي. هذه المواقفة أعطتها أيضاً الكويت والبحرين. لكن المنامة التي شاركت هي الأخرى في الاختبارات السريرية، لم تحصر عمليات التلقيح به، إنما طلبت أيضاً لقاح “فايزر” الأمريكي.
في رأي باحثين أن اللقاح الصيني سيكون ملاذ الدول النامية. بالطبع هذا لا ينطبق على أبوظبي القادرة على شراء اللقاح الذي ترغب به. الأمر ربما يكون مساراً محتوماً للقاهرة. الإمارات منحتها دفعة أولى من 50 ألف جرعة، وهناك دفعة ثانية ستصل. ولن تصلها كميات من اللقاح عبر المنصة قبل شهر حزيران/يونيو 2021. وحدث ولا حرج عن حال اليمن الغارق في الصراعات والفقر والإهمال.
في مرحلة التعافي، ستكون اليد الطولى للدول الأكثر غنى وقدرة، سواء كانت غربية أم عربية. كل كلام عن تكاتف دولي سيتراجع أمام مصلحة حماية كل دولة لشعبها. تبقى آمال الدول الضعيفة التي تحوّلت ساحات صراع في الإقليم معلّقة على تحالفاتها السياسية علّها تخفّف من معاناتها.